طالوت… حين لا تكفي القيادة لبناء الجماعة
من القضايا التي تستحق تأملًا عميقًا في العمل المجتمعي أن صلاح الفكرة وصلاح القائمين عليها لا يكفيان وحدهما لصناعة مجتمع فاعل؛ فقد يكون المشروع نبيلاً، وغاياته صحيحة، والقائمون عليه صادقين في نياتهم، ومع ذلك يظل محدود الأثر إذا تعامل مع الناس باعتبارهم جمهورًا ينبغي توجيهه، لا شركاء ينبغي إشراكهم في صناعة المشروع وحمله.
وهنا تستوقفنا قصة طالوت في سورة البقرة، لا باعتبارها نموذجًا سياسيًا جاهزًا يمكن إسقاطه على المؤسسات المعاصرة، وإنما باعتبارها قصة قرآنية تكشف شيئًا مهمًا عن العلاقة بين القيادة والجماعة 1. فبنو إسرائيل قالوا لنبيهم: ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أي إن الحاجة إلى القيادة عبّرت عنها الجماعة نفسها، ثم جاء اختبار صدق الاستعداد: هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا. وبعد ذلك أخبرهم نبيهم أن الله قد بعث لهم طالوت ملكًا، فاعترضوا وسألوا: أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا، فبيّن لهم سبب اختياره: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ. والدلالة التي يمكن استلهامها هنا ليست أن القرآن يقدم لنا نظامًا انتخابيًا بالمعنى الحديث، وإنما أن وجود القائد ذي الأهلية لا يلغي الجماعة، ولا يحول أفرادها إلى أتباع صامتين. فطالوت، مع كونه قائدًا اصطفاه الله وأقامه ملكًا، لم يقبله كل الناس ولم يسلسوا له القياد ولم يكن وجوده نهاية القصة؛ بل بدأت بعده رحلة طويلة من الاختبار والتمييز والتربية حتى انكشف من يستطيع حمل التكليف ومن لا يستطيع.
ثم يأتي امتحان النهر: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ، فتتبيّن حقيقة الجماعة، ويظهر أن الذين كانوا في صف واحد ليسوا سواء في الاستعداد والصبر والانضباط. وفي نهاية الطريق لا ينسب القرآن النصر إلى طالوت وحده، وإنما يقول: فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ. وهنا يكمن الدرس الذي يهمنا: القائد مهم، لكن القائد وحده لا يصنع الجماعة؛ والمشروع لا ينجح بمجرد وجود من يقوده، وإنما حين يصبح هناك أناس قادرون على حمله بإرادتهم.
إن الفرق كبير بين أن نقود الناس إلى مشروع نراه صالحًا لهم، وبين أن ننهض بهم حتى يصبحوا شركاء في اكتشاف المشروع وصناعته وحمله. في الحالة الأولى يظل المشروع مرتبطًا بمن أطلقه، أما في الثانية فإنه يبدأ في التحول إلى ملكية اجتماعية مشتركة. ومن هنا يمكن أن نفهم العمل المجتمعي باعتباره ليس مجرد إيصال الخير إلى الناس، وإنما إشراك الناس في صناعة الخير. وهذه، في تقديري، واحدة من أهم الإشارات التي يمكن أن نستفيدها من قصة طالوت: لا يكفي أن نبحث عن “طالوت” صالح وكفء يقود الناس؛ الأهم أن نبني الجماعة التي تستطيع أن تحمل المشروع معه.
من الحشد إلى المشاركة الإرادية
هذا المعنى نجد له تأصيلًا واضحًا في فكر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، الذي لم يكن ينظر إلى الجماهير باعتبارها مجرد كتلة تحتاج إلى من يقودها، وإنما كان يربط نجاح القيادة بقدرتها على رفع الناس إلى مستوى المشاركة الإرادية. يقول رحمه الله في إمامة الأمة، “إن القيادة الناجحة هي التي تنهض بالجماهير إلى مستوى المشاركة الإرادية، لا التي تحصل على الموافقة الصامتة والتصفيق للطليعة والحماس للزعيم” 2.
هذه العبارة تلخص تحولًا جوهريًا في مفهوم القيادة؛ فالقيادة التي تحصل على التصفيق قد تكون ناجحة في الحشد، لكنها لم تنجح بالضرورة في بناء الإنسان. أما القيادة التي تنهض بالناس إلى المشاركة الإرادية، فهي التي تجعل الفرد ينتقل من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل، ومن الاستجابة إلى المبادرة، ومن انتظار التوجيه إلى تحمل المسؤولية. وهذا بالضبط ما تكشفه قصة طالوت؛ فقد كان وجود القائد بداية الطريق لا نهايته، وكان الامتحان كاشفًا عن مستوى استعداد الجماعة، حتى انتهى الأمر إلى جماعة قليلة ثبتت أمام جالوت وجنوده، وقالت: رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا، ثم كان النصر: فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ. ويزداد المعنى وضوحًا في قول الإمام رحمه الله في المنهاج النبوي، “نريد أن يكون الشعب معنا يشارك، يناقش، ينتقد، يتعلم، يعلم، يجاهد إلى جانبنا. ولا يفعل ذلك إلا إذا وثق بأننا منه ومع المستضعفين بلا قيد ولا شرط، إلا قيد الشريعة وشرط الإيمان” 3.
فالناس هنا ليسوا مجرد جمهور مطلوب منه أن “يلتحق” بالمشروع، وإنما شركاء يشاركون ويناقشون وينتقدون ويتعلمون ويعلمون. وهذه ليست تفاصيل ثانوية، وإنما هي صميم بناء المجتمع؛ لأن المجتمع لا يصبح قويًا بكثرة من يسمعون، وإنما بكثرة من يستطيعون أن يفكروا ويقترحوا ويناقشوا ويبادروا ويتحملوا المسؤولية. ومن هنا فإن أي مشروع إصلاحي ينبغي أن يسأل نفسه باستمرار: هل نحن نبني أتباعًا للمشروع، أم نبني أشخاصًا قادرين على المشاركة في صناعة المشروع؟ فالجماعة التي ستواجه التحديات والمستقبل لا تُبنى بالتعبئة وحدها، وإنما بالاختبار والمشاركة وتحمل المسؤولية. فالغاية ليست أن يظل الناس خلف القيادة، وإنما أن يصبحوا مع القيادة في حمل الأمانة. ولهذا فإن الشورى كما نفهمها ليست مجرد إجراء إداري مركزي، وإنما هي تربية على المسؤولية لكل المجتمع، وقوله تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ يفتح أفقًا واسعًا في فهم تدبير الشأن المشترك؛ فكلما شارك الناس في صناعة القرار المحلي، شعروا أن المشروع مشروعهم، وكلما اتسعت ملكيتهم المعنوية له، أصبحوا أكثر استعدادًا لحمله والدفاع عنه وتطويره. ولذلك أظن أن السؤال الأهم في الموضوع هو: إذا كانت الغاية هي بناء جماعة تشارك بإرادتها وتحمل مسؤولية التغيير، فأين وكيف يبدأ هذا البناء؟ وهو ما سنفصل فيه في المقال القادم بحول الله تعالى.