حين يحتدم النقاش حول المشاركة في الانتخابات التشريعية بالمغرب، تتردد في خطاب بعض المدافعين عنها، ومنهم، على الخصوص، منافحون عن حزب العدالة والتنمية، مجموعة متناسلة من الحجج، نذكر منها هنا ثلاث حجج متساندة، هي: المقاطعة تقوّي الفاسدين، والمشاركة المكثفة تمنح المصلحين أغلبية تغنيهم عن التحالف معهم، وانتظار تحسن شروط العملية السياسية قبل الانخراط فيها انتظارية حالمة تعفي أصحابها المقاطعين من مشقة العمل. وتستمد هذه الحجج قوتها الخطابية من حشر المقاطع في موقع المتهَم ابتداءً، من حيث كونه هو المسؤول عما يربحه الفاسدون، وعما يخسره المصلحون، وعما يتأخر من إصلاح!
لكن، ما مقدار ما تثبته هذه الحجج واقعياً؟ وما الافتراضات التي تمررها قبل الوصول إلى أحكامها؟ وأي مسؤولية تُبقيها على عاتق الحزب الذي يطلب التفويض، ويختار التحالف، ويشارك في الحكم، ثم يفسر حدود إنجازه بإكراهات كان يعرفها قبل طلب الأصوات؟
إن مساءلة هذا الخطاب تقتضي تتبعَ مصير الإرادة الشعبية من لحظة استدعائها للتصويت إلى لحظة استخدامها في تشكيل الأغلبية وممارسة السلطة، ثم إلى لحظة دعوتها لتجديد التجربة.
حجة محاصرة الفساد: مآل التفويض الانتخابي بين خطاب المواجهة وقرار التحالف
تبدأ الحجة الأولى من واقعة محتملة يمكن صياغتها على هذا النحو: قد يؤدي امتناع بعض الناخبين إلى إضعاف حظوظ مرشحين يرفعون شعار محاربة الفساد، فتتحسن، تبعاً لذلك، حظوظ منافسيهم. غير أن هذه المقدمة تتحول في خطاب التعبئة إلى حكم يتهم المقاطعين بخدمة الفاسدين، ويحمّلهم قسطاً من مسؤولية تمكينهم. وبين تقدير أثر انتخابي محتمل، وإصدار إدانة سياسية وأخلاقية، مسافةٌ تحتاج إلى البرهنة؛ إذ يلزم إثبات أن المقاطعين كانوا سيختارون المرشحين المعنيين، وأن أصواتهم كانت سترجّح كفتهم، وأن ترجيحها كان سيُفضي إلى تقليص الفساد. أما إسقاط هذه الشروط من الحساب فيجعل النتيجة أوسع من مقدماتها، ويحوّل احتمالاً يحتاج إلى الفحص إلى تهمة جاهزة للاستعمال.
ثم إن استفادة طرف من قرار لا تكفي، بمجردها، للحكم بأن صاحب القرار يعمل لمصلحته أو يتحمل مسؤولية مشروعه. فالمنافس قد يستفيد انتخابياً من ضعف برنامج خصمه، أو سوء تدبيره، أو تناقض تحالفاته، أو إخفاقه في اكتساب ثقة الناس. فإذا اتسع الحسابُ لهذه الأسباب، وجب أنْ تدْخل فيه مسؤوليةُ الحزب عن العرض الذي يقدمه، وعن الأسباب التي دفعت مواطنين إلى حجب الثقة عنه. أما انتزاع الامتناع من سياقه، وجعلُه تفسيراً مريحاً لقوة الخصم، فيعفي طالبَ التفويض من مساءلة ما فعله لاستحقاقه، ويجعل المواطن مسؤولاً عن تعويض قصور العرض السياسي بصوته.
إن الصوت الذي لم يحصل عليه الحزب لا يصبح حقاً سُلب منه؛ فالمواطن قد يكون قد امتنع تحديداً لأنه لا يثق في الوجهة التي سيُصرف إليها تفويضه. ومن هنا لا يصح أن يُطلب منه التسليم أولاً بجدوى المشاركة، وبأهلية الحزب للإصلاح، وبصدقية وعوده، ثم يُدان على أساس هذه المقدمات التي يدور الخلاف حولها. فأنتم تطلبون منه أن يثق بكم، ثم تجعلون امتناعه عن منحكم الثقة دليلاً على خدمته لمن تحذرونه منهم. والحال أن واجب الإقناع يقع على طالِب الصوت، ولا تنقلب الثقة التي عجز عن اكتسابها إلى ديْن في ذمة من حجبها عنه.
ولْنُسلِّم، مع ذلك، بإمكان أن تفيد المقاطعةُ بعضَ المرشحين الذين يُتهمون بالفساد، ولنتابع الحجة إلى مداها. إذا كان معيار الإدانة هو الأثرُ السياسي للقرار، فبأي منطق يتوقف هذا المعيار عند سلوك الناخب، ويُعلَّق عند سلوك الحزب؟ كيف يُحاسَب المُقاطع على احتمال تقوية طرف بامتناعه، ثم يُعفَى المشارِك من مساءلة تقوية الطرف نفسِه بتحالفه؟ إن الأولى علاقة تمر عبر افتراضات انتخابية متعددة، أما الثانية فتتجسد في قرار سياسي محدد: اتفاق على أغلبية، وتقاسمٌ للمسؤوليات، وإسنادٌ لبرنامج حكومي. ولا يثبت ذلك، بمجرده، أن كل تحالف خدمةٌ للفساد، لكنه يجعل فحصَ شروطِه وآثارِه أوْلى من الاكتفاء بإدانة من لم يشارك في صنعه.
ويزداد الإشكال حين نتابع مصيرَ التفويض نفسه؛ فما الذي طلبه الحزب من الناخب، وما الذي فعله بالتفويض الذي حصل عليه؟ إذا كان قد عبّأه على أساس أن تقوية الحزب سبيل إلى إبعاد أطراف معينة عن تدبير الشأن العام، ثم استَعمَل المقاعدَ المحصَّلة في بناء أغلبية معها، فإن السؤال يتعلق باتساق الفعل مع الغرض الذي طُلب الصوت من أجله. ما مصير الصوت الذي مُنح لمحاصرة من تصفونهم بالمفسدين، إذا صار جزءً من القوة البرلمانية التي تُسنِد حكومةً يشاركون فيها؟ وهل يكفي أن يكون المرشح الذي اختاره المواطن نزيهاً حتى يصبح كلُّ استعمال سياسي لمقعده وفياً لمقصد ذلك الاختيار؟
وتوضح التجربةُ المغربية أن التحالف يدخل في صميم تقويم المشاركة؛ فقد دخل التجمع الوطني للأحرار ائتلاف بنكيران بعد انسحاب الاستقلال سنة 2013، ثم شارك في حكومة العثماني المشكلة سنة 2017 إلى جانب العدالة والتنمية وأحزاب أخرى. وهذه الوقائع توثق تقاسم الحكم. إن موضع النقد هنا هو المعيار الذي يستعمله الخطاب الحزبي في توصيف الأطراف، ومدى التزامه بمقتضيات هذا التوصيف عند التحالف معها.
إن النزاهة الشخصية للفاعل لا تحسم وحدها القيمةَ الإصلاحية لتحالفه. فقد يكون حريصاً على نظافة يده، فيما تظل القواعد التي تتيح تضارب المصالح أو تحمي الإفلات من المحاسبة بمنأى عن التغيير. وعندئذ يتعين تقييمُ ما أضافه حضورُه إلى قدرة المؤسسات على كشف التجاوزات ومنعِها وترتيبِ المسؤولية عليها. فالوعد بمحاربة الفساد يرتب التزاماً يتجاوز امتناعَ صاحبِه عن ممارسته إلى بيان ما يستطيع فعله لتضييق مجاله. ومن ثم فإن الاستدلال بصلاح الأشخاص يحتاج إلى أن يُستكمل بفحص السياسات والضمانات؛ وإلا جرى استعمالُ صفة أخلاقية في الأفراد لتزكية نتيجة سياسية لم تُختبر بعدُ.
وقد يقال إن التعاون مع أطراف مختلف بشأنها يتيح كبح ممارساتها من الداخل، وإن التحالف قد يحقق إصلاحات يتعذر تحقيقها من موقع المعارضة. وهذا دفاع يمكن مناقشته متى اقترن بما يثبته من التزامات معلنة، وأدوات رقابة فعالة، وإجراءات لا تستثني الحلفاء، ونتائج يمكن التحقق منها. أما أن يُستدَل على جدوى التحالف بمجرد الرغبة في إصلاح الشريك، فذلك يجعل القصد بديلاً عن الأثر. والسؤال الذي ينبغي أن يواجهه هذا الدفاعُ هو: ما الذي خسره الفسادُ من دخولكم، وما الذي كسبته المحاسبة؟ وهل خضع الشريك للمعيار الذي أعلنتموه، أم أصبح الحفاظ على الشراكة سبباً لتخفيف ذلك المعيار؟
ومن هنا يتحدد الاختبار الأدق لصدقية خطاب محاصرة الفساد: ماذا يحدث حين تمس المساءلةُ طرفاً تتوقف عليه الأغلبية؟ هل تحتفظ المطالبة بالكشف والتحقيق والمحاسبة بقوتها، أم تُعاد موازنتُها على ضوء الخوف من تفكك الائتلاف؟ فإذا كان بقاءُ الحكومة يُستعمل لتأجيل ما وُعد به الناخب، أصبح من حقه أن يسأل عمّا إذا كانت الوسيلةُ قد صارت قيداً على الغاية. ذلك أن التحالف الذي يُسوَّغ بقدرته على الإصلاح يظل مطالَباً بإثبات هذه القدرة حين تقتضي كلفةً داخل التحالف نفسه، حيث يكون الامتحانُ أشدَّ من التنديد بخصم لا تجمعكم به مسؤولية مشتركة.
وتظهر مفارقةٌ أخرى حين يتغير وصف الأطراف بتغير موقعها من الحزب: تُرفع في مواجهتها اتهامات تمس أهليتها لتدبير المال العام، ثم تُمنح عند التحالف معها شهادات الكفاءة والمسؤولية. وليس تصحيح الموقف عيباً متى استند إلى معطيات جديدة وأُعلن سببه؛ إنما موضع المساءلة هو غياب البيان الذي يربط الحكم اللاحق بالحكم السابق. فإذا كانت الاتهامات قد ثبت خطؤها، وجب تصحيحُها بوضوح أمام الجمهور الذي جرت تعبئته بها. وإذا ظلت قائمة، فما الضمانات التي تبرر الشراكة وتحفظ مسار المساءلة؟ أما ترك الحكميْن يتعايشان بحسب الحاجة الانتخابية والحكومية، فيُضعِف صدقيةَ اللغة التي يُطلَب من المواطن أن يبني عليها اختيارَه.
ثم إن الاحتجاج بإكراهات تشكيل الحكومة يحتاج إلى تحديد موضوع الضرورة وحدودها. فتعذر الحصول على أغلبية منفردة يفرض البحث عن شركاء على من يختار تولي الحكم، لكنه لا يثبت أن كل شراكة متاحة تصبح واجباً سياسياً، ولا أن كلفتها أقل من كلفة المعارضة. فبين نتيجة الانتخابات وقرار الائتلاف تقع موازنةٌ يتحمل الحزبُ مسؤوليتها: ما الذي سيحققه بالدخول، وما الذي سيتنازل عنه، وما الذي يستطيع فعله من موقع آخر؟ ويقر الدستور للمعارضة البرلمانية حقوقاً في التشريع والرقابة والمساءلة، بما يجعلها موقعاً للفعل السياسي يدخل في هذه الموازنة.
وقد يترجح الدخول إلى الحكومة في تقدير الحزب، لكنه يظل ملزماً بتعليل هذا الترجيح. فعبارة “اضطررنا إلى التحالف” لا تُسقِط السؤالَ عن السبب الذي جعل توليَ المسؤولية الحكومية، بالشروط المعروضة، أَوْلى من المحافظة على استقلال الموقف. وإذا كان الحزب قد عَرف قبل الاقتراع أن هذه التحالفات محتملة، فإن الصدقية تقتضي إدخالَها في العرض المقدَّم إلى الناخب، حتى يكون التفويضُ صادراً على بيّنة من استعمالاته الممكنة. أما استدعاء الناخب بخطاب قاطع، ثم مطالبتُه بعد الفوز بتقبّل ما لم يُعرض عليه بالوضوح نفسه، فيُحمّله تبعة فرق بين وعد التعبئة وحساب التفاوض.
ولا يقتضي ذلك مطالَبة الحزب بتعهد يستحيل تنفيذه، أو تجميد كل تفاوض بعد الانتخابات؛ إنما يقتضي بيان الحدود التي يتحرك داخلها التفاوض، والمكاسب التي تبرر التنازل، والمبادئ التي تظل نافذةً على الحلفاء والخصوم معاً. فالتفويض السياسي يتيح قدراً من التقدير، وهذا القدر يزداد احتياجاً إلى التعليل كلما ابتعد القرار عن المعنى الذي استُدعي الناخب للتصويت على أساسه. ومن يُقيم تعبئته على اتهامات بالفساد يتحمل عبئاً خاصاً عند التحالف مع أصحابها؛ لأنه هو الذي مَنح الاختيارَ الانتخابي تلك الدلالةَ الأخلاقية الحادة.
ويُستدعى أحياناً دفعُ الضرر الأكبر لتسويغ هذا المسار؛ فيقال إن حضور المصلحين داخل الائتلاف، رغم تنازلاته، أخف ضرراً من ترك المجال كله لغيرهم. لكن وصف اختيار بأنه أقل ضرراً يفترض مقارنة ما يحد منه وما يتيحه: ما التجاوزات التي يمنعها الحضور، وما المكاسب التي يحققها، وما الكلفة التي يتحملها في المقابل من تقييد المساءلة أو إضعاف الثقة في الوعد الإصلاحي؟ ومتى غابت هذه المقارنة، أصبح “أخف الضررين” اسماً يُمنح للاختيار بعد اتخاذه، من غير بيان يثبت أنه أخف بالفعل. ويظل صاحبُ الحجة مطالَباً بأن يفسر لماذا يتحمل المقاطعُ تبعةَ الأثر المحتمل لموقفه، بينما يكفي المشاركَ إعلانُ حسن قصده لتبرير أثر اختياراته.
هكذا يتبين أن محاسبة المقاطعة على نتائجها تفتح بالضرورة باب محاسبة المشاركة على نتائجها أيضاً. وقد يخطئ المقاطع في تقدير الأثر الذي سينتج عن موقفه، كما قد يخطئ الحزب في تقدير الأثر الذي سينتج عن تحالفه؛ غير أن هذا الاحتمال المشترك يمنع أحدهما من منح نفسه حصانة أخلاقية لمجرد رفع شعار الإصلاح. فمسؤولية الحزب تشمل القرار الذي اتخذه، والضمانات التي اشترطها، والتنازلات التي قبِلها، والطريقة التي استعمل بها ثقة ناخبيه. ولا تنتقل هذه المسؤولية إلى الذين امتنعوا عن تفويضه لأنهم كانوا يشكّون، ابتداءً، في جدوى هذا الاستعمال.
فإذا كان معياركم هو مَن يقوّي الفاسدين، فإن أول ما يلزمكم هو بيان كيف تَحُولون دون أن تُفضي تحالفاتُكم إلى تقوية من تتهمونهم بالفساد. وإذا كان معياركم هو حسن القصد إلى الإصلاح، فلا وجه لاحتكاره لأنفسكم وإنكاره على من يقاطع اعتراضاً على شروطه. وفي الحالتين تعود الحجة إلى موضعها الذي ينبغي أن تبدأ منه: إثباتُ جدوى المسار الذي تطلبون من الناس تفويضكم فيه، والوفاءُ بمقتضيات المعيار الذي تعبئونهم باسمه. أما اتهام المقاطع بخدمة الفساد، مع تأجيل مساءلة ما يُصنع بالأصوات التي أُعطيت لمحاربته، فيجعل المواطن مسؤولاً عن التفويض الذي حجبه، ويُضعِف محاسبةَ الحزب على التفويض الذي تَسَلّمه.
حجة المشاركة المكثفة: لماذا تُستدعى القوة الشعبية لترجيح النتائج ويُستبعد تجميعها لتغيير الشروط؟
وحين يقال إن المشاركة الشعبية الكثيفة كانت ستعفي الحزب من هذه التحالفات، فإن النقاش ينتقل إلى الحجة الثانية، أعني وعدَ القوة العددية الكافية. ومؤدّى هذه الحجة أن المصلحين إنما اضطروا إلى التسويات لأن المواطنين لم يمنحوهم من الأصوات ما يكفي للاستغناء عنها. فكأنما يتعين على الناخب أن يختار بين التصويت لهم وتحمل مسؤولية التحالفات التي يعقدونها. لكن هذا الاستدلال يُحمِّل الامتناع عن التصويت نتائجَ سلسلة سياسية كاملة، ثم يعامِل كثافةَ المشاركة كما لو كانت ضماناً كافياً لتغيير مآلاتها. وهنا يبدأ موضع المساءلة: ما الذي يضمن أن تتجه الزيادة في المشاركة إلى الحزب المعني، وأن تتحول إلى أغلبية من المقاعد، وأن تتحول هذه الأغلبية بدورها إلى قدرة على تنفيذ الإصلاح الموعود؟
إن هذه الانتقالات تتوقف على شروط مختلفة؛ فوجهة التصويت تتصل باختيارات الناخبين، وتوزيعُ المقاعد يتصل بقواعد الاقتراع وتوزُّعِ الأصوات بين الدوائر واللوائح، والقدرةُ على الحكم تتصل بالصلاحيات وموازين القوة ووسائل تنفيذ القرار. ومن ثم فإن جمع هذه المستويات في وعد واحد يُخفي مواضع التعثر المحتملة بينها. قد تقْوى حصيلةُ الحزب الانتخابية، مع بقاء عوائق سياسية ومؤسسية تحد من أثر هذه القوة. ولذلك فإن من يَعِد الناخبَ بالاستغناء عن التحالفات مُطالَبٌ بأن يبيّن كيف تبلغ الأصوات ذلك المآل، ومن يَعِده بالإصلاح مطالَب، فوق ذلك، بأن يبيّن كيف تتحول المقاعد إلى سلطة قادرة على إنجازه.
وفي المغرب، يزداد هذا التمييز أهمية بالنظر إلى توزيع الاختصاصات الدستورية؛ إذ يربط الفصل 47 تعيين رئيس الحكومة بالحزب المتصدر لانتخابات مجلس النواب، ويجعل الفصلان 48 و49 المجلس الوزاري برئاسة الملك فضاءً للتداول في التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة وملفات كبرى أخرى، بينما يحدد الفصلان 89 و92 اختصاصات الحكومة ومجلسها. وعليه، فإن توسيع الأغلبية البرلمانية لا يغيِّر، بمجرده، هذا التوزيعَ؛ فالتفوق العددي داخل مؤسسة لا يمنح صاحبَه تلقائياً اختصاصات مؤسسات أخرى. وهذه مسألة يتعين إدخالها في حساب الوعد الانتخابي قبل مطالبة المواطن بتصديقه.
ولْنمنحْ هذه الحجةَ، جدلاً، أقصى ما تطلبه: لنفترض مشاركة واسعة، وأصواتاً كثيفة لصالح الحزب، وأغلبية تعفيه من الشركاء الذين يتهمهم بالإفساد. فما الذي يترتب على ذلك تحديداً؟ يزول، في هذا الافتراض، الاحتياج العددي إلى هؤلاء الشركاء، وتبقى الحاجة إلى بيان قدرة الحكومة على تجاوز سائر العوائق التي يستند إليها خطابها في تفسير محدودية الفعل. فأقصى ما تثبته فرضية الأغلبية المنفردة هو إمكان تجاوز إكراه ائتلافي بعينه؛ أما جعلها جواباً عن مجمل إشكالات السلطة والمحاسبة فانتقالٌ يتجاوز ما تسمح به مقدماتُها. وبذلك تستقيم مساءلة الوعد حتى دون تعليقها على إثبات استحالة حصول حزب واحد على أغلبية.
وقد يُقال إن التفويض الشعبي الواسع يمنح الحكومة ثقلاً سياسياً يتجاوز العدد المجرد للمقاعد، ويزيد قدرتها على التفاوض ومقاومة الضغوط. وهذا احتمال يستحق النظر، لكنه يفتح على صاحبه السؤال الذي حاول إغلاقه: إذا كان مصدر القدرة هنا هو اجتماع الإرادة الشعبية وما تُحدثه من ضغط، فما الذي يحصر فاعلية هذا الاجتماع في الاقتراع؟ ولماذا تُفترض له القدرة على تعديل الموازين حين يُترجَم إلى أصوات لصالح حزب، ثم تُستبعد عنه هذه القدرة حين ينتظم حول المطالبة بتغيير شروط التمثيل وممارسة السلطة؟ إن الاحتجاج بقوة التعبئة الشعبية يثبت أهمية التعبئة، وتبقى أفضلية الوجهة التي تُصرف إليها محتاجةً إلى برهان.
ومن داخل هذا الإقرار ينهض السؤال المعاكس: إذا كان انضمام المقاطعين إليكم سيمنح خيار المشاركة قوةً يفتقر إليها حالياً، فلماذا لا يَمنح انضمامُكم إلى جبهةِ مقاطَعةٍ منظَّمةٍ قوةً يفتقر إليها الضغطُ من أجل تغيير شروط المشاركة؟ ولماذا تتجه الدعوة إلى توحيد الصفوف دائماً نحو تقوية حصتكم داخل العملية الانتخابية، بينما تُستبعد من النقاش وجهةُ تجميع القوى للاعتراض على القيود التي تحتجون بها؟ إن عبارة “لو انضممتم إلينا لنجحنا” تفترض سلفاً أن موضع الاجتماع هو خيارُكم، مع أن موضع الاجتماع نفسَه جزءٌ من الخلاف الذي ينبغي تعليله.
ويتضح اختلال المقارنة حين يُستدل على ضعف المقاطعة بنتائجها في ظل تشتت أصحابها، ثم يُستدل على قوة المشاركة بنتائج متخيَّلة في ظل التحاق الجميع بها. فأنتم تقارنون واقعاً ناقص الشروط بافتراضٍ اكتملت له شروطُه، وتستخلصون من هذه المقارنة تفوُّقَ اختيارِكم. ولكي يكون الحكم منصفاً من جهة المنطق، ينبغي أن تُبحث قدرةُ كل خيار في ظل موارد بشرية وتنظيمية متقاربة، وأن تُفحص العوائقُ التي تَحُول دون تَحَوُّلِ تلك الموارد إلى أثر. أما منحُ المشاركة قوةَ المقاطعين المفترضة، ثم محاكمةُ المقاطعة وهي محرومة من قوة المشاركين، فيُدخل النتيجةَ المراد إثباتها في طريقة بناء المقارنة.
وقد يعترض المدافع عن المشاركة بأن المقاطعة ستترك المقاعد للخصوم، وهذا اعتراض يحدد كلفةً انتخابية محتملة يتعين تقديرها. لكن اتخاذ توزيع المقاعد معياراً وحيداً للحكم يُعيد افتراض ما يدور عليه الخلاف: أن الفعل السياسي لا تُقاس جدواه إلا بمقدار ما يحوزه صاحبه من مقاعد. فالمقاطعة المنظمة تراهن على أثر في شروط التمثيل ومشروعية المسار وقدرة القوى المجتمعية على التفاوض بشأنه. وإذا كان المعترِض يرى أن هذا الأثر أضعفُ من كلفة إخلاء المواقع، فعليه أن يقيم المقارنة بين الأمرين. أما الاكتفاء بعدِّ المقاعد التي قد تؤول إلى الخصوم، فيقيس وسيلةَ ضغط بمردود وسيلة أخرى، ويُسقط من الحساب الغرضَ الذي اختيرت من أجله.
ولا يكفي، في الجهة المقابلة، أن يُقال إن اتساع المقاطعة سيُنتج التغيير حتماً؛ فقد تستمر العملية الانتخابية رغم ضعف الإقبال، وقد تتجاهل السلطةُ الرسالةَ، وقد يتعذر توحيدُ دلالات الامتناع. من هنا تأتي أهمية التمييز بين كثرة الغائبين وقوة المقاطعة السياسية: الأولى عدد يحتمل أسباباً متباينة، والثانية موقف معلن تتبناه قوى معروفة، وتربطه بمطالب محددة، وتمنحه امتداداً في التأطير والتواصل والعمل المدني السلمي. والرهان الذي يستحق النقاش هو إمكان تحويل ذلك الموقف إلى كلفة سياسية يصعب تجاهلُها، وإلى قدرة تفاوضية بشأن شروط العودة إلى المشاركة. بذلك تكتسب المقاطعة مضموناً يمكن مساءلته، ويصبح الاعتراض عليها ملزَماً بمناقشة آليتها عوض اختزالها في الغياب.
وتبرز هنا دلالة انضمام قوى كانت تشارك إلى موقف احتجاجي مشترك؛ فالأمر يتجاوز إضافة عدد إلى عدد. إن انتقال فاعلين معروفين بالمشاركة إلى اعتراض معلن، مرتبط بمطالب واضحة، من شأنه أن يجعل تفسير الامتناع بمجرد اللامبالاة أقل إقناعاً، وأن يوسع نطاق المطالبة بالإصلاح خارج الحدود التنظيمية للمقاطعين المعتادين. وهذه إمكانية سياسية مشروطة باتساق الموقف وحسن تنظيمه، لكنها جديرة بأن تدخل في الحساب نفسه الذي تُستدعى فيه أصوات المقاطعين لإنقاذ حظوظ المشاركين. فما يضيفه انضمام أحد الطرفين إلى الآخر يشمل العدد، ويشمل أيضاً صدقيةَ الرسالة واتساعَ تمثيلها وقدرتَها على تجاوز الانقسام القائم.
وعند هذا المستوى يظهر السؤال الأشد إحراجاً: ما الذي يبرِّر مطالبةَ القوى المعترضة بالتنازل عن اعتراضها على شروط العملية حتى تقوّي حزباً داخلها، مع إعفاء هذا الحزب من بحث تَنازُلِه عن المشاركة فيها حتى يقوّي المطالبةَ بتغيير شروطها؟ فإذا كانت الإكراهات التي يصفها تمس فعلاً قدرة المنتخبين على الوفاء بتعهداتهم، فإن العمل على تعديلها مصلحة تتجاوز حصته الحزبية، وتشمل المواطنين الذين يطلب تفويضهم. ويغدو عليه أن يشرح لماذا تكون التضحية بموقف المقاطعين واجباً باسم الإصلاح، بينما تُستبعَد التضحيةُ بمكاسب المشاركة من ميزان الإصلاح نفسه.
ثم إن حصر الخلاف في الاختيار بين التصويت والعزوف يُضيّق مجال العمل المشترك قبل اختباره. تستطيع القوى المختلفة في تقدير جدوى الانتخابات أن تتفق على مطالب تتصل بنزاهة المنافسة، وفاعلية التمثيل، وربط المسؤولية بسلطة القرار، وأن تُحدِّد كيف تدافع عنها، وما الذي يترتب على تجاهلها. فإذا تعذر الاتفاق على المقاطعة، بقي الاتفاق على هذه المطالب ممكناً من حيث المبدأ. ومن يرفض المقاطعة ويقبل عملاً مشتركاً لتغيير الشروط يقدّم موقفاً قابلاً للمناقشة؛ أما من يستبعد كل اجتماع لا ينتهي إلى التصويت له، فعليه أن يبرهن أن غايته من استدعاء القوة الشعبية تتسع فعلاً للإصلاح الذي يعلنه.
تتحدد المسألة، في ضوء ذلك، بوجهة الاستثمار السياسي للقوة الشعبية: ما مقدار ما يضيفه انضمامُ المعترضين إلى المشاركة من قدرة إصلاحية، وما مقدار ما قد يضيفه انضمام المشاركين إلى ضغط مشترك من قدرة على تعديل الشروط؟ وما الكلفة التي يتحملها كل اختيار، وما الوسائل التي يملكها لتحويل التأييد إلى أثر؟ إن مجرد حاجة الحزب إلى مزيد من الأصوات لا يجيب عن هذه الأسئلة، مثلما لا تجيب عنها مجرد رغبة المقاطعين في توسيع صفوفهم. لكن هذه الحاجة لا تمنح الحزب حقَّ تقديم خطته بوصفها الطريق الذي يجب على الجميع الالتحاق به، ثم جعل رفض الالتحاق دليلاً على خدمة الفساد.
فإذا كنتم ترون في المقاطعين قوةً قادرة، بانضمامها إليكم، على تغيير الموازين التي تعوق الإصلاح، فما حجتكم في استبعاد توجيه هذه القوة، ومعها قوتكم، إلى تغيير القيود التي تُنتج تلك الموازينَ أو تحميها؟ إن موضع البرهنة هو هذا الانتقال من الاعتراف بقوة المجتمع إلى احتكار تحديد وِجْهتها. وما لم يُبرهَن على أن تجميعها داخل المسار الانتخابي أقدر على تحقيق الغرض المشترك من تجميعها للضغط على شروطه، فإن دعوة “انضموا إلينا” تظل عرضاً سياسياً قابلاً للقبول والرفض، ولا ترتقي إلى حجة تُدين من اختار توجيه فعله إلى موضع آخر من مواضع التأثير.
حجة الانتظارية: إلى متى يُنتظر الإصلاح من تجديد القبول بشروط تعثّره؟
وتفضي هذه المسألة إلى الحجة الثالثة: “إلى متى ستنتظرون؟”. إن هذا السؤال ينطوي على افتراض أن كل مشاركة خروج من الانتظار. لكن الانتظارية تتحدد بالعلاقة بين الوسيلة والغاية: هل يُنتج الفعلُ قدرةً متراكمة على تحقيق المقصد، أم يظل صاحبُه يكرر الوسيلةَ ويرحّل الغاية؟ قد يمتلئ الزمن بالحملات والاجتماعات والمقاعد، فيما يبقى الإصلاح معلقاً على تحول لا يبيّن أحدٌ كيف تُسهم هذه الأنشطةُ في إحداثه.
ومن هنا يرتد السؤال إلى أصحابه: إلى متى ستنتظرون أن تتيح لكم الشروطُ التي تجددون القبولَ بها ما تقولون إن هذه الشروط نفسها تمنعكم منه؟ إذا كانت محدوديةُ الصلاحيات واختلالُ موازين القوة وإكراهاتُ التحالف تفسِّر تعثرَ الإنجاز، فأين يقع، داخل استراتيجيتكم، العملُ الذي يغير هذه المحددات؟ وما الذي يجعل الدورة المقبلة أقدر من سابقتها، إذا ظل تفسيرُ العجز ثابتاً، وظلت وصفةُ تَجاوزِه هي إعادةَ المحاولة تحت القيود ذاتها؟
وقد يكون للتكرار معنى حين يراكم التنظيمَ والخبرة والحقوق والقدرة على المراقبة، ويثبت ذلك بمؤشرات يمكن مناقشتها. غير أن الاستناد إلى التدرج يرتِّب واجبَ بيان ما يتدرج فعلاً: هل تتسع سلطة المنتخب؟ هل تنحسر حصانة المفسدين؟ هل تزداد قدرة المواطن على ترتيب الجزاء على المسؤولية؟ أم تتراكم خبرة الحزب في تدبير موقعه والتكيف مع شروط بقائه؟ إن نمو الحضور الحزبي لا يكفي وحده لإثبات نمو القدرة المجتمعية على الإصلاح.
ويظهر مأزق الانتظارية بأوضح صورة حين يصبح تجديدُ المشاركة مضموناً مهما كانت الحصيلة. فالفاعل الذي يعلن سلفاً أنه سيعود في جميع الأحوال يُضْعف قيمةَ الاشتراط الذي يستطيع ممارستَه. ومن يعرف أن استمرار القيود لن يغير موقفَ شركائه يملك حافزاً أقل للاستجابة إلى مطالبهم. وقد توجد قنوات أخرى للضغط داخل المؤسسات، لكن على المدافع عن المشاركة أن يبيّن كيف يستخدمها، وما الأثر الذي أنتجته، وكيف يمنع التزامه الدائم بالحضور من أن يتحول إلى قبول متوقَّع يمكن الاطمئنان إليه دائماً وأبداً، حتى في ظل تجدُّد القيود ذاتها واستفحالها.
وتشتد المفارقة حين يقترن هذا الالتزام بتبرير المخرجات، وتجميل التسويات، ووصم الرافضين بالعدمية. فالمشاركة النقدية قد تستثمر الحضورَ لكشف العوائق ومنازعة شرعيتها، أما الخطاب الذي يتولى الدفاع عن الشروط كلما تعرضت للاعتراض، فإنه يضيف إلى قبولها العملي وظيفةً أخرى: إضعاف المطالبة بتغييرها. وعندئذ يصبح السؤال عن المحصلة مشروعاً: ما الذي تكسبه إرادة الإصلاح من ممارسة تُخفِّف كلفةَ استمرار القيود التي تعوقها؟
هنا يمكن الحديث عن “العود الأبدي للمشاركة”، بالمعنى السياسي المقصود في هذا النقاش، أعني مشاركة اليوم لإبقاء إمكان المشاركة غداً، ثم مشاركة الغد لتجديد الحضور بعده، حتى تتحول الوسيلة إلى غاية تؤسس مشروعيتها بنفسها. وهكذا يُستدَل بالفوز على صواب الاستمرار، وبالهزيمة على الحاجة إلى تعبئة أكبر، وبالعجز على ضرورة الصبر، وبالتنازل على حكمة الواقعية. فأي نتيجة، والحالة هذه، يمكن أن تكشف خطأ الاختيار أو تستدعي مراجعته؟ إن استراتيجيةً تستوعِب جميعَ النتائج بوصفها مبررات لتكرارها تَمنع مساءلتَها قبل أن تُثبت جدواها.
ويتيح مفهوم “دين الانقياد”، عند ابن خلدون، إضاءة وجه من هذا التحول، على سبيل الاستلهام التحليلي المعاصر؛ فقد وَصف رسوخَ الطاعة لأهل الدولة بقوله: «ورَسَخ في العقائد دينُ الانقياد لهم والتسليم». وكان يتحدث عن استقرار المُلك وتَوارثِه واعتيادِ النفوس سلطانه. والمغزى الذي يمكن استثماره هنا هو انتقال وضع تاريخي إلى مرتبة المسلَّم به، حتى تصبح منازعةُ استمراره أشدَّ استنكاراً من اختلالاته.
ولا تستلزم المشاركةُ هذا الانقيادَ بذاتها، وإنما يقترب خطابُها منه حين يرفع الممكنَ الراهنَ إلى أفق نهائي، ويجعل القبولَ به معيارَ العقل السياسي، ويعامل السعيَ إلى توسيعه باعتباره خروجاً على الواقعية. ففي هذه اللحظة يغدو المطلوب من المجتمع أن يكيّف طموحَه مع الحدود المفروضة عليه، ويغدو طلبُ تغيير الحدود موضوعَ اتهام. فكيف تتشكل إرادةُ الإصلاح إذا كانت التربية السياسية الملازمة للمشاركة تدرِّب الناس على التسليم الدائم بما يُقال لهم إنه يعوق الإصلاح؟
إن أحداً لا يملك أن يعِد المقاطعين بإصلاح يأتيهم على طبق من ذهب. وبالمقدار نفسه، لا يملك دعاة المشاركة أن يطلبوا تفويضاً على بياض يتجدد مهما كان مصيره. والمعيار الذي يطالبون به خصومَهم يلزمهم، وهو آلية تأثير واضحة، ومكاسب قابلة للتقييم، وشروط للمراجعة، ومسؤولية عن النتائج. ومن يدين انتظار الآخرين عليه أن يشرح لماذا يخرج رهانه هو من الانتظارية، وكيف يتحول حضورُه إلى قوة تُغَير ما يحتج به لتفسير تعثره.
وتبقى في هذا الخطاب مسألة تمس الاعتراف بالآخر شريكاً في التفكير والفعل؛ فحين تتجه الدعوةُ إلى جهة منظَّمة لها تصورُها للإصلاح والتغيير، وتقديرُها لشروطه، ومقترحاتُها بشأن مساره، فإن مخاطبتها كما لو كانت أصواتاً معلَّقة تنتظر مَن يستدعيها إلى الصندوق إنما تختزل وجودَها السياسي في المنفعة الانتخابية التي يمكن أن تقدمها لحزب آخر. والحال أن موقفها من الاقتراع قد يكون جزءً من رؤيتها للتغيير، وأن مراجعتها لهذا الموقف، إن حصلت، تستدعي إعادةَ النظر في وسيلة من وسائل مشروعها، ولا تُسقط استقلالَ المشروع أو حقَّ أصحابه في اختيار مَن يمثله.
ومن هنا ينبغي التمييز بين قرار المشاركة وقرار التصويت للعدالة والتنمية؛ فالأول يتعلق بتقدير جدوى المسار الانتخابي وشروط الانخراط فيه، والثاني يتعلق بالمفاضلة بين العروض السياسية والجهات التي تقدمها. وإثبات جدوى الأول لا يحسم الثاني. فإذا اقتنعت الجهةُ المقاطِعة بالمشاركة، وكان متاحاً لها قانونياً وتنظيمياً أن تتقدم بمشروعها ومرشحيها، فمن حقها أن تعرِض بديلَها على المواطنين وتطلب ثقتهم فيه. وقد تختار تنسيقاً أو دعماً مشروطاً لغيرها، لكن هذا الاختيار يحتاج إلى تعليل واتفاق، ولا يُستنتَج من مجرد تراجعها عن المقاطعة. فأين الحجة التي تنقلها من الاقتناع بجدوى التصويت إلى الاقتناع بأن مشروعكم أحق بصوتها من مشروعها؟
ولا غرابة في أن يسعى حزب إلى إقناع أنصار غيره بالتصويت له؛ فموضع الاعتراض يبدأ حين يُستعاض عن الإقناع بإدانة الاستقلال، ويُعامَل رفضُ مساندته بوصفه خدمةً للفساد. عندئذ يُطلب من الآخر أن يراجع وسيلتَه السياسية، ثم أن يُسلِّم تمثيلَ غايته إلى مَن يختلف معه في التصور والتقدير، ويُحمَّل فوق ذلك مسؤوليةَ الرفض إن لم يفعل. وما الذي يمنح الحزبَ حقَّ الجمع بين هذه المطالب، مع إعفاء برنامجه واختياراته من المقارنة ببرنامج الجهة التي يستدعيها واختياراتها؟ إن الاعتراف بوجودها يقتضي مناقشة ما تقترحه، وبيانَ وجوه الاتفاق والاختلاف معها، وتحديدَ ما يسَوِّغ التعاونَ؛ أما الاكتفاء باستدعاء أصواتها، فيقرّ بقوتها العددية ويُغفل استقلالَ إرادتها السياسية.
ويستطيع صاحب المشروع المستقل، بناءً على ذلك، أن يسأل: إذا كنتم تريدون تعاوننا في الإصلاح، فما الذي تعرضونه للتداول والاتفاق؟ وأي موقع لتصورنا ومطالبنا داخل هذا التعاون؟ وإذا كنتم تريدون أصواتنا لبرنامجكم، فما الذي يجعله أَوْلى بتأييدنا من البديل الذي ندافع عنه؟ إن هذيْن السؤالين يضعان الدعوة في حجمها الصحيح: عرضاً يحتاج إلى إقناع متبادل أو تعاقد معلن. فمراجعةُ المقاطعة، إن حصلت، لا تمنح حزباً آخر حقَّ وراثة أصوات أصحابها؛ والاختلافُ في طريق الإصلاح لا يُسقط عن المختلفين حقَّ امتلاك مشروعهم وتمثيله والدفاع عنه.
وبذلك تتصل الحجج الثلاث في سؤال واحد عن مصير القوة الشعبية: تُطلب الأصواتُ باسم مقاومة الفساد، ثم يُطلب قبول التحالف باسم الإكراهات، ثم يُطلب تجديد التجربة باسم التدرج، ثم يُتهَم من يعترض بأنه سببُ استمرار الوضع. هذه الدائرة تَنْقُل، بقلب الاتجاه ضداً على منطق المسؤولية، عبءَ الإثبات من طالب التفويض إلى مانحه، وتنقل مسؤولية الاختيار من الحزب إلى المواطن، وتؤجل محاسبة الوسيلة باسم الغاية التي لم تتحقق بعد.
فإلى متى يُطلب من المواطن أن يجدد التفويضَ لتجاوز إكراهات يُطلب منه، عند كل حصيلة، التسليمُ بأنها أقوى من التفويض؟ وأي واقعية تلك التي تتسع لتفسير كل تنازل، ثم تَضِيق عن الاعتراف بمشروعية مراجعة المسار الذي يفضي إليه؟ إن قوة الدعوة إلى المشاركة تُختبَر بقدرتها على الإجابة عن هذين السؤالين، وما دامت تستعيض عن الجواب باتهام المقاطعين، فإنها تَمنح نفسَها حقَّ الاستمرار، وتُحمِّل غيرَها كلفة البرهنة على جدواه.