من الهدي النبوي في معاملة النساء.. رفقا بالقوارير

Cover Image for من الهدي النبوي في معاملة النساء.. رفقا بالقوارير
نشر بتاريخ
الجماعة.نت
الجماعة.نت

نادية العربي

ما تزال نفحات الربيع النبوي الشريف تظلنا وتجدد ازدهار المحبة والشوق لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة فينا، النور الذي أضاء القلوب والطريق إلى الله عز وجل، حبه صلى الله عليه وسلم من الدين، قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (آل عمران، 31)، فصدق المحبة في صدق الاتباع.

الرسول عليه الصلاة والسلام هو قدوة هذه الأمة، قال الله تعالى: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (الأحزاب، من الآية 21)، والحديث عن هديه عليه الصلاة والسلام مع النساء حديث طويل يحملنا إلى عالم مليء بالمودة والرحمة، وكيف لا يكون كذلك وقد أمر الله جل وعلا بأن تُعاشر النساء بالمعروف فقال تعالى: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (النساء، 19)، والمعروف لغة هو كل ما عرف بالشرع أو بالعقل حسنه، وهو كلمة جامعة لكل فعل وقول وخلق نبيل. يقول الحافظ بن كثير رحمه الله في التفسير: “أي طيبوا أقوالكم لهن وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم كما تحب ذلك منها فافعل أنت بها مثله كما قال تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ (البقرة، من الآية 228). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي” صحيح الترمذي، 3895). وكان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقته ويضاحك نساءه”.

نفتح سيرته الشريفة العطرة ونخوض في أعماقها لنستخرج هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مع النساء، كيف عاش عليه الصلاة والسلام زوجا؟ وكيف تعامل مع نسائه؟ وكيف راعى نفسياتهن؟ وما هي وصاياه وإرشاداته للرجال في شأن زوجاتهم، أمهات أولادهم؟

أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنساء خيرا في أحاديث كثيرة، منها حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “اللهم إني أُحَرِّج حق الضعيفين، اليتيم والمرأة” (رواه النسائي بإسناد جيد)، وحديث أبي ذر عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنَّ المرأةَ خُلِقتْ مِن ضِلَعٍ فإنْ أقَمْتَها كسَرْتَها فدَارِها تعِشْ بها” (صحيح ابن حبان، 4178). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أكْملُ المؤمنينَ إيمانًا أحسنُهُم خلقًا. وخيارُكُم خيارُكُم لنسائِهِم” (صحيح الترمذي)، وفي لفظ “وألطفهم بأهله”.

ولنسافر إلى العهد النبوي الشريف ونحط الرحال في حجة الوداع حيث رافقت النبي صلى الله عليه وسلم نساؤه، وكان معه غلام يقال له أنجشة يحدو له، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ارْفُقْ يا أنْجَشَةُ، ويْحَكَ بالقَوَارِيرِ” (أخرجه البخاري/6209، ومسلم/2323).

“ويْحَكَ بالقَوَارِيرِ” أو “ارفق بالقوارير”. كما جاء في صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وفي رواية عن أمنا صفية رضي الله عنها قال: فلما كان في بعض الطريق نزل رجل فساق بهن فأسرع فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كذاك سوقك بالقوارير -يعني النساء- (قوله: “كذاك سوقك”: أي: كفاك سوقك أنك تسوقهن، ولا حاجة إلى الإسراع)، فبينما هم يسيرون برك لصفية بنت حيي جملها وكانت من أحسنهن ظهرا فبكت، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم حين أخبر بذلك فجعل يمسح دموعها بيده وجعلت تزداد بكاء وهو ينهاها، ثم أمر الناس بالوقوف والنزول.

ما أجمله من موقف لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع زوجته حين أغدق عليها من حنانه فمسح دمعتها ونزل في مكان لم يكن يعتزم النزول فيه، وعلى الرغم من أنه مسافر إلى الحج، ومعلوم أن المسافر يكون على عجلة من أمره حتى يصل مراده، ومع ذلك تريث صلى الله عليه وسلم في التعامل مع عواطف المرأة ومشاعرها.

نقف وقفة تأمل في هذا الحديث الشريف العظيم: الرجل الذي ساقهن هو أنجشة وهو صحابي جليل، فاز بشرف الحداء والتغني بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يحدو بخير خلق الله ومن معه رضي الله عنهم أجمعين، ومن عجيب أثر الصوت الحسن على النوق أنها كانت تطرب لسماع حدائه طربا يجعلها تحث في السير وتقطع المسافات الطوال دون أن تحس بالتعب والإرهاق، فتمشي مشيا حثيثا يجعلها تهتز هزا شديدا، وهذا ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يشفق على النساء اللاتي يجلسن في الهودج مخافة أن يتأذين.

 لماذا شبه النبي صلى الله عليه وسلم النساء بالقوارير؟

معنى قوارير: جمع قارورة، والقارورة وعاء من زجاج في بياض الفضة وصفائها تحفظ فيه السوائل.

 ومن خصائص القارورة أنها تكسر بسهولة، فهي رقيقة جدا بحيث يخدشها أقل شيء، ويشوه ذلك الصفاء الموجود فيها.

“رفقًا بالقوارير”، قالها نبينا وحبيبنا أفضل خلق الله؛ ليؤكد أن المرأة تحتاج معاملة وعناية خاصة.

 فما أروعه من تشبيه من النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة، فالمرأة رقيقة، ضعيفة الجسد والمشاعر، حساسة، وأي كلمة جارحة أو موقف مؤلم قد يكسرها، وحزنها هو كسرها، وهذا ما لم يرضه الله عز وجل للمرأة وذكره في آيات كثيره نذكر منها:

فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (مريم، 24). 

ولا تَخافِي ولا تَحْزَنِي إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِين (القصص، 7).

ذَٰلِكَ أدنى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنّ (الأحزاب، 51).

في هذه الآيات الكريمات توضيح أن حزن المرأة عميق وكاسر لقلبها ومؤذ لمشاعرها. فالله عز وجل أعلم بطبيعتها، وهو سبحانه وتعالى من علم نبيه صلى الله عليه وسلم: وَمَا یَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰۤ * إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡی یُوحَىٰ * عَلَّمَهُۥ شَدِیدُ ٱلۡقُوَىٰ (النجم، 5-4-3).

وما عرف عليه الصلاة والسلام إلا رفيقا بزوجاته، فهذه أمنا عائشة رضي الله عنها كسرت القصعة أمام ضيوفها فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن ابتسم وقال: “غارت أمكم”.

وفي حادثة أخرى حين دخل عليهما سيدنا أبو بكر ووجد من ابنته ما أغضبه عندما رفعت صوتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلبت منه الصدق، فهمّ بضربها فحماها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأحداث كثيرة. إن هذا الرفق هو الذي جعل من أمنا عائشة تلك المرأة العالمة الزاهدة الفقيهة.

المرأة متى عوملت بالحسنى والرحمة واللين ازداد بريقها، إذ هي نصف المجتمع وتربي النصف الآخر، فإذا كانت قوية ومتوازنة أنجبت جيلا قويا، وإذا كانت مهانة أنجبت جيلا معاقا لا يقدر على حمل أمانة الخلافة في الأرض كما أراد الله عز وجل.

وما وقوف النبي صلى الله عليه وسلم بالقافلة ليمسح دموع أمنا صفية ويهدئ من روعها وتشبيه النساء بالقوارير، إلا درس مهم لكل زوج وأب وأخ، يبين أن دموع المرأة وضعفها لا يستهان به، فوجب اعتماد هذا التعامل ليكون منهجا لحياتنا، لتعم المودة في بيوتنا ومجتمعاتنا.

كيف نتبع نهج النبي صلى الله عليه وسلم؟

يجب معاملة المرأة بأدب ورفق وحنو، والإحسان إليها، فذلك من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، إذ كان عليه الصلاة والسلام دائم الوصية بالنساء، وكان يقول لأصحابه: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا»، وتكررت منه نفس النصيحة في حجة الوداع، وهو يخاطب الآلاف من أمته، وكان يوقن أن هذه الوصية من الأهمية بمكان حتى يُفرد لها جزءًا خاصًا من خطبته في هذا اليوم العظيم… قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم: «وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ» (سنن الترمذي، 1163).

تَفهَّمْ مشاعر المرأة وما طُبِعت عليه من الغيرة، واستمع لشكواها، وتحمل ضعفها وطبيعتها، مقتديًا في ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم.

ويوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم في جملة بلاغية رائعة أن النساء يُماثِلن الرجال في القدر والمكانة، ولا ينتقص منهن أبدًا كونُهنَّ نساء، فيقول: «إِنَّ النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ». ويقول ابن الأثير رحمه الله: “شقائق الرجال بمعنى نظرائهم وأمثالهم”. بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر المسلمين بعدم كراهية النساء حتى لو كانت هناك بعض الأخلاق المكروهة فيهن فيقول: «لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» (رواه مسلم). ومعنى يفرك: يبغض ويكره.

ولا شك أنه استوحى هذا المعنى العظيم من قول الله تبارك وتعالى: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (النساء، 19).

بأبي أنت وأمي يا سيدي يا رسول الله؛ وضعت يدك الشريفة على مكمن الداء وأعطيت الدواء، فصلاة ربي وسلامه عليك يا حبيبي يا خير خلق الله.

 اللهم اجعلنا من أحبابك وأحباب نبيك صلى الله عليه وسلم، وارزقنا صدق المحبة وصدق الاتباع. آمين.