السابع من أكتوبر.. انتصار أم انكسار؟

Cover Image for السابع من أكتوبر.. انتصار أم انكسار؟
نشر بتاريخ

لا وجود لوصفة سحرية تغير الواقع الملموس في طرفة عين، إذ يعتبر الحاضر المحرك الحاسم لتحديد ما سيحصل في المستقبل، لكن مع  الأسف لا يستوعب هذا عقلنا البشري المتعود على الحياة المدجنة المحكومة، بالإضافة إلى أن الانسان العربي يعيش حالة انهزام وانكسار، فهو لا يدرك الواقع إلا من خلال هزيمته وانكساره، ولا يرى بشائر النصر الكامنة، فخريطة عقله الإدراكية تحوي الهزيمة، وهو ينظر إلى عدوه على أنه لا يقهر ومحاولة هزيمته عبث ومغامرة. وقد يتخطى الأمر هذا ليصل لمرحلة تجد فيها الإنسان يعيد خطاب عدوه ويتبناه، بلاوعي منه.

ما هو الواقع إذن أيها السادة؟ إنه كما يقول غسان كنفاني في “اعتباركم المعقول والمنطقي ..”، ولكن كم من الأحداث الواقعية تميل إلى الواقع والمنطقي؟ ما هي العلاقة بين الواقع والمعقول؟ هل الحرب مثلا واقعية أم معقولة؟ أترون؟ إننا نلعب على المصطلحات، إننا ندور العالم كي نفهمه، يا للتعاسة. ولأن الأمر كما ذكرنا سالفا، فإنه يمضي على العقل العربي في علاقته بالصهيونية، إذ ألقي فيه ما ألقي عن طريق كتابات بعض المرضى بالواقعية المتجردة أن عدونا لا يُقهر ومحاولة هزيمته عبث.

إلى أن جاءت لحظة السابع من أكتوبر، اللحظة التاريخية في الصراع الصهيوني الفلسطيني كما في الوجدان العربي الاسلامي، هي لحظة انتصار بغض النظر عن كل تبعاتها المؤلمة جدا، لكن وجب أن نكون واضحين مع أنفسنا، هي لحظة مفصلية في قلب المفاهيم والموازين كما الوعي بخصوص مسار القضية الفلسيطينية، أكان الأمر مفاجئا أم  مخططا مع أطراف أخرى أو شيئا آخر، لكن هو بالنسبة لقياسه مع الواقع؛ مفاجئ ومباغت، وذكي كذلك، لنكن منصفين في وصف هذه اللحظة، وواضحين في فهم الصورة، لقد أخرجتنا عملية السابع من أكتوبر من السردية المعتادة التي تعتمدها عادة دورات الصراع بين غزة و”إسرائيل”، تلك النمطية في قصف وردّ والتي تنتهي إلى مفاوضات لا تلتزم بها “إسرائيل” كعادتها.

“إسرائيل” التي رسمت لنفسها قلعة مهيبة لا تسقط مهما حصل، سقطت في أقل من ساعتين، ما بعد الساعة السادسة ليس مثل قبله، هي تعرف يقينا أنه قد تغير كل شيء، وتحاول تغطية فشلها بلعب دور الضحية، لكن البساط الأحمر بدأ يسحب من تحتها، في لحظة انكسر رأس المال والعمود الفقري الأول لمفهوم القوة والبطش… يجب أن نعي أيضا أن هذه اللحظة ليست وليدة نفسها، بل هي تراكم كبير في الذاكرة التاريخية التي راكمت غضبا وثأرا طويلا، تراكم داخلي كان الدافع لصناعة اللحظة التاريخية لا انتظارها.

المعركة إذن شكلت نقطة مهمة في عملية قلب مسيرة المقاومة، هذا الطوفان كان حتميا ولا مفر منه، و”إسرائيل” نفسها تذكره في أدبياتها! حيث تم إعادة رسم الطريق وتوجيه البوصلة في المواجهة بين محتل غاصب ومقاومة تدافع عن أراضيها المغتصبة. كما إعادة زرع الثقة في الوجدان الشعبي الذي اعتنق فكرة العجز بسبب العجز السياسي لأنظمته .

البوصلة هي القدس، هي نقطة الاشتعال المستعصية على الانبطاح لسياقات أي “تفكير استراتيجي” أو “سياسي” وفق موازين القوى المزعومة، فالمسجد الأقصى مسألة في غاية الأهمية في الضمير الإسلامي، هذا الذي لم تستطع “إسرائيل” أن تجد له حلا في التعامل معه، حتى وهي مدعومة بالامبريالية العالمية، هذه الأخيرة التي لا  تدافع عن “إسرائيل” لأنها دولة من حق الشعب اليهودي أو غيره، بل تهتم لأمرها لأنها الحارس لها في الشرق الأوسط، كما قال عبد الوهاب المسيري هي “مخفر أمامي للامبريالية”..

جاء السابع من أكتوبر و”إسرائيل” تعيش حالة  تشقق داخلي، فهي في حالة انحدار لا صعود، هذا الصراع الداخلي أدى الى تشققات مكشوفة جعلها تعيش تراجعا مهولا في فكرة الصهيونية في حد ذاتها، كما لم يعد الطرف الآخر في الصراع – أي المقاومة – كما كان في البداية، الأمر الذي أدى إلى خلق حالة من الجنون في العقل الإسرائيلي، خطاباتهم الهستيرية وأفعالهم السادرة في الإجرام لن تؤدي سوى لنتائج وخيمة عليهم، والتاريخ أفضل حكم على ما نشاهد، قرارات تزيد من البطش والقوة، كلما زادت المقاومة الفلسطينية من تصعيدها، إلى أن يصل المستوطن الصُّهيوني إلى اللحظة التي يدرك فيها أن العنف لن يجدي نفعا أمام المقاومة، وأن تحالف “إسرائيل” الاستراتيجي مع الولايات المتحدة والعالم الغربي لن يفيدها كثيرًا في محاولة قمع الفلسطينيين، عندئذ، وكما قال المسيري، سيمارس هذا المستوطن تحولًا إدراكيًا؛ مفاده أنه لا يمكنه الاستمرار في الادعاءات أمام نفسه بأن فلسطين هي «إرتس يسرائيل» وأنها أرضٌ بلا شعب تنتظر عودته منذ آلاف السنين، عندئذ ستسقط الأسطورة وتبدأ النهاية.

إن الصراع مع العدو الصهيوني صراع وجودي بحت، على حد قول الشهيد باسل الأعرج؛ فهو يسعى إلى إبادتك فإذا لم تكن قادرا على منع الإبادة فعلى الأقل ارفض أن تباد بسهولة.

تبقى فلسطين هي المعيار الأخلاقي لأي إنسان، وللمقاومة جدوى مستمرة لا تخطئها العين.