من الإسراء إلى الطوفان

Cover Image for من الإسراء إلى الطوفان
نشر بتاريخ

في كل عام، تحلّ ذكرى الإسراء والمعراج لتجدد في قلوب المسلمين مكانة المسجد الأقصى المبارك، تلك البقعة التي شرفها الله برحلة نبيه الأرضية ومنها كان العروج إلى السماوات العلا. واليوم، تأتي هذه الذكرى في وقت تتجه فيه أنظار العالم أجمع نحو الأقصى وأكنافه، حيث يسطر أهل فلسطين ببطولاتهم وصمودهم فصلا جديدا من فصول التضحية والفداء، منذ انطلاق عملية “طوفان الأقصى” المجيدة. إن الرابط بين الحدثين ليس مجرد صدفة تاريخية، بل هو امتداد لرسالة إلهية واحدة خلدها القرآن الكريم بقوله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا [الإسراء: 1)، لتؤكد أن الأقصى هو محور الصراع وعنوان الكرامة.

الأقصى في رحلة الإسراء

السؤال: لماذا يرتبط مصير الأمة بالأقصى هذا الارتباط المصيري؟

لم تكن رحلة الإسراء والمعراج مجرد انتقال جغرافي من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، بل كانت إعلانا إلهيا عن مكانة هذه البقعة المباركة في عقيدة الأمة المحمدية. وهو ما رسخه النبي صلى الله عليه وسلم في وجدان أصحابه حين قال: “لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثةِ مساجدَ: المسجدِ الحرامِ، ومسجدي هذا، والمسجدِ الأقصى” [متفق عليه]. فاختيار الأقصى محطة قبل العروج إلى السماء لم يكن صدفة، بل يحمل رسالة واضحة بأن التفريط فيه هو تفريط في جوهر الدين. وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء جميعا في رحابه كانت إيذانا بأن الأمة الإسلامية هي الوارثة لرسالات السماء، وأن الأقصى أمانة في أعناقها.

طوفان الأقصى: تجديد عهد وإحياء أمانة

واليوم، يتجدد المشهد ليذكر الأمة بأمانتها التاريخية. فـ”طوفان الأقصى” ليس مجرد حدث عسكري، بل هو عودة روحية وعملية إلى جوهر رحلة الإسراء؛ إنه يعيد الأمة إلى مسؤوليتها تجاه أولى القبلتين، ويعد اختبارا لصدق انتماء الأمة في مواجهة الهجمة الشرسة على مقدساتها وهويتها. لقد أثبت صمود أهل فلسطين أن قضية الأقصى ليست قضية جغرافية أو محلية، بل هي قضية وجود وهوية للأمة بأسرها، وأن هذا الصمود هو الترجمة الحية للتمسك بدين الأمة ومقدساتها.

دروس وعبر

إن التأمل في الرابط الوثيق بين معجزة الإسراء والمعراج والواقع المعاصر للأرض المباركة، يضعنا أمام جملة من الحقائق الإيمانية والدروس التاريخية التي ترسم معالم الطريق نحو التحرير والاستخلاف من أبرزها:

مركزية الأقصى: الأقصى ليس مجرد مسجد، بل رمز للهوية والسيادة، وحمايته واجب جماعي.

الثبات على الحق: كما صبر النبي صلى الله عليه وسلم على تكذيب قريش بعد الإسراء، يصبر أهل فلسطين اليوم على المحن.

النصر مع الصبر: الإسراء كان تكريما بعد عام الحزن، وصمود غزة اليوم بشارة بأن الفرج قريب.

وحدة الأمة: الربط بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى دعوة دائمة لوحدة الصف الإسلامي.

الربانية والثبات: أن النصر في الماضي والحاضر مرتبط بالتوجه إلى الله وليس بالقوة المادية فقط.

الأمل في المستقبل: كما بشر النبي بفتح بيت المقدس، فإن الأحداث الجارية تجدد الأمل في وعد الله بالنصر والتحرير.

ختاما، فإن ذكرى الإسراء والمعراج ليست مجرد حدث يستذكر، بل هي منارة تهدي الأمة في حاضرها، وتؤكد أن الدفاع عن الأقصى هو دفاع عن العقيدة والكرامة. كلاهما مسار واحد نحو العزة، وما نشهده اليوم من صمود في “طوفان الأقصى” هو تجسيد حي لهذه المعاني، ودليل على أن هذه الأمة، مهما اشتدت عليها الخطوب، لن تفرط في أمانتها، ولنستبشر بقول الله تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر: 51].