مقاصد المودة والرحمة

Cover Image for مقاصد المودة والرحمة
نشر بتاريخ

يقول سبحانه وتعالى في سورة الروم الآية 21: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.

خلق الله عز وجل الإنسان في أحسن تقويم وجعل منه الذكر والأنثى، وحباهما بالعقل ليسلكا الطريق المستقيم، فالمودة والرحمة بين الزوجين آية من آيات الله سبحانه وتعالى تستحق التفكر والتأمل. فالخطاب القرآني هو خطاب شمولي واضح، يحمل رسالة الرحمة والرفق لبني الإنسان، فجوهر وجود الإنسان أن جعله الله خليفته في الأرض، فهيأ له السبل، وجعل الأسرة اللبنة الأولى لبناء وحدة المجتمع باعتبارها مؤسسة اجتماعية تولى الحق سبحانه وتعالى تنظيمها، والآية العظيمة تحمل في طياتها توجيهات ربانية، وغايات ومقاصد الشريعة الغراء، تستحق التدبر ما فيها من عجائب وغرائب يلحظها كل سليم الفطرة عميق التفكر بعيد النظر 1.

المقاصد الكلية من المودة والرحمة بين الزوجين

أولا: تحقيق السكن والمودة والرحمة بين الزوجين. والسكن سكن الروح إلى الروح، وسكن القلب إلى القلب، فتصبح الروح روحا واحدة ويصبح القلب قلبا واحدا، فيتحقق مقصد الزواج من دوام العشرة وطيب العيش وديمومة السكن والمودة؛ فإما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان 2.

ثانيا: مقصد المحافظة على النسل. هذه العلاقة الطيبة القائمة على المودة والرحمة تحفظ النفس والنسل، فرسولنا صلى الله عليه وسلم قال: “تناكحوا تكاثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة” 3. والكثرة لا تكون كغثاء السيل، فهذه من مظاهر ضعف الأمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يوشك الأمم أن تتداعى عليكم كما تداعى الأكلة على قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولا ينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن. قال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهة الموت” 4، فالإسلام يريد نسلا قويا صالحا في جسمه وعقله وروحه وخلقه، لا غثاء كغثاء السيل لا قيمه ولا وزن له.

ثالثا: مقصد المحافظة على الأنساب. هو مقصد خادم لمقصد الحفاظ على النسل، لأنه يستلزم حفظه وحفظ أنسابه، وحماية الفروج التي هي طريق وجوده، حتى يكون تكوين المجتمع كله عن طريق الزواج الشرعي 5، فالله سبحانه وتعالى حرم الزنا واعتبره فاحشة وطريقا للهلاك، وحرم الأنكحة الباطلة؛ أنكحة الجاهلية؛ من زواج المتعة وغيرها، وحرم القذف واتهام الزوجة بالزنا دون البينة، فلولا هذا التنظيم الرباني لاختلطت الأنساب وضاعت أعراض المجتمع.

المقاصد الجزئية من المودة والرحمة بين الزوجين

أولا: الإنفاق على الزوجة والأولاد

تعتبر النفقة وسيله لتحقيق التكافل الاجتماعي بين الآباء والأبناء، حيث يقوم الآباء بالإنفاق على الأبناء وتربيتهم، ثم يقوم الأبناء برعاية الآباء والإحسان إليهم عند عجزهم وكبر سنهم، وتهيئة أسباب المعيشة، والزوج يكفيها أعباء الكسب وتدبير شؤون الحياة 6.

ثانيا: تحصين الزوجين

إن الزواج إحصان للفرج من الزنا. والحصن هو القلعة، والإحصان يعني التحصن داخل القلعة، والمتزوج يقال له محصن، والمتزوجة يقال لها محصنة، فالإسلام اعترف بالغرائز التي وجدت في نفس الإنسان؛ فلا يقاومها أو يطلب إماتتها، بل يوفر السبل النظيفة التي تتيح إخراجها في جو يحفظ مبادئه ومقاصده ولا يصادم الفطرة التي فطر الله الناس عليها 7 لقوله تعالى: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ (النور، 33).

فالزواج وسيلة حيوية وطريق طيب طاهر يحصل فيه الإشباع النفسي والعاطفي والتكامل الشعوري وفق مقاصد الشرع الحنيف من تحقق الإحصان والعفاف.

ثالثا: تحقيق التواصل والتعاون بين الأسر

يقول سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الحجرات، 13).

إن الزواج طريق لتكوين الأسرة، باعتبارها نواة المجتمع وعن طريقها تنمو الصلات الاجتماعية؛ فيضم الإنسان عشيرة إلى عشيرته وأسرة إلى أسرته، هم أصهاره وأخوال أولاده وخالاتهم، وبذلك تتسع دائرة الألفة والمودة والترابط الاجتماعي، فجعل الله سبحانه وتعالى المصاهرة لحمة كلحمة النسب، قال سبحانه وتعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا، فيتعاون الناس بعضهم مع بعض على البر والتقوى، ويكون المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا 8.

إن التربية القرآنية منهج شامل متكامل، فالعلاقة الزوجية داخل مجتمع الأسرة تقوم على حقوق متبادلة تدور بين العدل والإحسان اللذين هما أساس التشريع في الإسلام، فالمعيار الذي يضبط ويحدد هذه الحقوق هو التقوى، فكل حق يقابله واجب، وتبقى هناك حقوق مشتركة، فالأسرة بمثابة سفينة تسير في محيط الحياة، فكان لابد لها من قائد؛ هو الأب، لما أودعه الله فيه من مميزات تؤهله لهذه المهمة، مهمة القوامة، وتولت المرأة حفظ الفطرة بقوله تعالى: فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ (النساء، 34)، فقوامة الرجل وحافظية المرأة تجعل كلا منهما مكملا للآخر تحت قيادة رحيمة، تسودها المودة والرحمة، ويحكمها كتاب الله وسنة رسوله، فتتحقق مقاصد الكلية للشريعة الإسلامية.


[1] تفسير المقاصد لسور القرآن الكريم للدكتور وصفي عاشور، ص 13.
[2] مقاصد النكاح وآثارها، دراسة فقهية لحسن السيد خطاب، ص 100-101.
[3] أخرجه أبو داود في سننه.
[4] رواه أحمد في مسنده.
[5] مقاصد النكاح وآثارها، دراسة فقهية لحسن السيد خطاب، ص 14-15 (بتصرف).
[6] مقاصد الزواج في الإسلام، محمد الديقلان، ص 13-12 (بتصرف).
[7] الحقوق المادية للزوجة، نور الدين أبو الحياة، ص 109 (بتصرف).
[8] مقاصد النكاح وآثارها، ص 127 (بتصرف).