مقاربة الحركات الاسلامية لقضية المرأة "نموذج جماعة العدل والإحسان" 2

المحور الاول: موقع المرأة في فكر الحركات الاسلامية: ملاحظات أولية
تعد المساحة التي أخذتها قضية المرأة في الأدبيات الإسلامية، من حيث الكم قليلة، لكن المتتبع لهذه الكتابات تتكشف له بعض الملاحظات:
- يغلب على الكثير من هذه الكتابات الحالة الانفعالية والدفاعية في الرد على الشبهات والإشكاليات التي تثيرها الأقلام والتيارات غير الإسلامية حول المرأة. وبذلك فجل مقاربات هذه القضية على اختلاف توجهاتها تبقى جد سطحية ولا تلامس عمق المسألة بل تتخندق في إطار ردود الأفعال) 1 .
- إن أغلب الكتابات الإسلامية عن المرأة جاءت من الرجل وليس المرأة.
- قد تتصف الكثير من هذه الكتابات بالاجترار والتكرار والتقليدية أو السطحية في بعض الأحيان، مما يصيب المتتبع بالإحباط، فلا ترى التجديد والعمق والإبداع إلا قليلاً.
- رغم وجود قواسم مشتركة تؤلف بينها، فإن هناك تباينات لا سبيل لإنكارها في موقفها من الشريعة بين التقيد بظاهرية النص وحرفيته وبين الانفتاح والبحث في مقصد النص ومراميه. وهو ما خلّف تفاوتا بينها في الرؤى وفي البرامج وأساليب العمل والمواقف في مراحل متقدمة.
- لا زالت هناك فجوة عميقة بين التنظير والممارسة في مسألة المرأة، إذ يمكن اعتبار الطرح المقدم من الحركات الاسلامية في قضية المرأة أكثر تقدما. حيث ان الموروثات والتقاليد التي تهمين على الواقع هي أقوى وأكثر تأثيراً من التنظير الإسلامي.
وتختلف الوضعية التنظيمية للنساء داخل الحركات الإسلامية، فإذا كان العديد من الحركات الاسلامية، تعتبر وجود النساء عامل تجميلي تستهدف به تحسين صورتها وتوسيع قاعدتها الاجتماعية ومن ثم لا يسمح لهن إلا بتقلد الادوار الدعوية تحت عباءة الرجل، تقول السيدة مهج قحف وهي عاملة في الحقل الاسلامي في امريكا: عدم وجود أعداد كافية من النساء المؤهلات، هو أنه يحال بين النساء، وبين اكتسابهن لبعض المهارات اللازمة للعمل السياسي. أعطوا النساء بعض التشجيع، وأفسحوا أمامهن بعض المنافذ كما هو الأمر بالنسبة للرجال عندها سيتخرج نسوة ذوات أهلية) 2 وتضيف منى يكن في معرض حصر اهتمامات المرأة في زاوية قضايا المرأة دون اشراكها في قضايا الامة المصيرية: فإني أنكر حصر اهتمامات المرأة المسلمة الحركية والفكرية والدعوية بقضايا المرأة ليس إلاّ لأنه بذلك تعطل جوانب عديدة من كيانها الإنساني، ونحرمها من حق المشاركة في قضايا الأمّة المصيرية التي يحاول احتكارها الرجال، فهل من حق الرجل أن يقف حائلاً بين المرأة وبين عطائها الإسلامي ؟ وهل يجوز له أن يحصر العمل للإسلام على شخصه فقط ويحرمه على المرأة) 3
وعلى العكس، فان بعض الحركات تعتبر الوجود النسائي ضرورة ليس تناغما مع المستجدات المجتمعية والخارجية ولكن من باب انصاف المرأة كما اراد لها الخالق، ومن هنا انخراط النساء في تقلد أدوارا اجتماعية غير تقليدية، يقول الدكتور حسن الترابي في معرض حديثه عن تطور العمل النسائي داخل الحركة الاسلامية في السودان وانقشعت الشكوك التي كانت تراود البعض في صحة الفقه وحكمته إذ رأوا تأويله خيراً عظيماً. فنهض العمل النسوي في حساب الجماعة، إذ أصبح عداد النساء أو عطاؤهن يوازي شأن الذكور ويضاهيه. فشاركن في الدعوة والمجاهدة ونافسن في عمل الخير، وأخذن يستدركن كثيراً مما سبق به وأنجزه الرجال. هنالك اطمأنت الجماعة أن قد اعتدل خطابها وصفها، وفق معايير الدين لا معايير العرف) 4 .
ولتحديد مدى تطور وضعية النساء داخل الحركات الاسلامية، لابد من وضع مؤشرات جديدة لقياس وضعية النساء داخل هذه الحركات غير المؤشر الانتخابي، لان استخدام الدور السياسي والمؤشر الانتخابي معيارا لبيان مدى تقدمية رؤية الحركة بشأن النساء لا يعكس حقيقة المشاركة، اما لموقف هذه الحركات من المشاركة في العملية السياسية بصفة عامة او لرغبتها في فصل الجناح الدعوي عن السياسي، ومن تم وجب الاعتماد على مؤشرات يمكن أن تُشكل في مجموعها أداة يمكن الاستناد إليها لتحديد وضعية النساء داخل التنظيمات الاسلامية:
- وحدة شروط العضوية بالنسبة للرجال والنساء.
- توزيع المهام الحركية حسب الكفاءة لا الجنس، وتأديتها بطريقة تشاركية
- تمثيل النساء بنسب معتبرة في كافة الهياكل والأطر الحركية وبخاصة التنفيذية منها بما يتجاوز حدود المشاركة الرمزية إلى المشاركة الفاعلة.
- إنتاج خطاب نسوي مستقل عن خطاب الحركة وتشكيل تيارات ضغط تطالب بحقوق للنساء موازية لحقوق الرجال.
اذا كان فكر الحركات الاسلامية في وقت سابق، ركز اهتمامه في مناقشة قضايا فرضها الاصطدام مع الفكر الغربي كمكانة المرأة وقضية الحجاب ...، فان الوقت لا يسمح حاليا بإعادة نفس النقاش، وإنما يجب البحث عن كيفية بناء شخصية المرأة المسلمة الفاعلة في التغيير، هذا ما سنبحث عنه من خلال تناول قضية المرأة في المشروع التجديدي لجماعة العدل والإحسان.
يتبع...
المراجع
- 1.قضية المرأة في فكر جماعة العدل والإحسان، الموقع الرسمي للجماعة. تاريخ النشر: الثلاثاء 8 مارس/آذار 2005 . http://www.aljamaa.net. ↩
- 2.عبد المجيد النجار :" مستقبل العمل الاسلامي الحركة الاسلامية في ظل التحولات الدولية وازمة الخليج " دار النشر شيكاغو : المؤسسة المتحدة للدراسات والبحوث , 1991 . ص : 96 . ↩
- 3.منى يكن : الفكر الحركي الإسلامي وسبل تجديده. ندوة: مستجدات الفكر الإسلامي والمستقبل ، الكويت : الأمانة العامة للأوقاف ، طالطبعة الاولى 1993 م . ص : 272 . ↩
- 4.حسن الترابي : " الحركة الإسلامية في السودان، التطور والكسب والمنهج. "، الخرطوم ، بدون ذكر الناشر ، 1410 هـ ، الطبعة الاولى ص: 151 . ↩



