مفاصل التجديد في النظرية المنهاجية للإمام عبد السلام ياسين

Cover Image for مفاصل التجديد في النظرية المنهاجية للإمام عبد السلام ياسين
نشر بتاريخ

تحل علينا في شهر محرم ذكرى فقدان علم من علماء الأمة في التاريخ المعاصر، إنه الإمام المجدد الأستاذ عبد السلام ياسين، الذي أثل مشروعا إسلاميا تجديديا جمع فيه العمق والحكمة النظرية والمنهاجية العملية التطبيقية البانية، وأعطى رحمه الله نموذجا للعلماء العاملين الصادحين بالحق في زمن ضرب الحق بالرصاص، وأدى ثمن ذلك سجنا وحصارا ومضايقة… ووفاء لهذا الجبل الشامخ والطود الفكري العظيم، سنحاول في هذا المقال أن نبرز بعض الجوانب المركزية في التجديد عند الأستاذ عبد السلام ياسين.

مفهوم التجديد

التجديد لغة من فعل جدد أي صير الشيء جديدا، وفي هذا المعنى اللغوي إشارة إلى أن ماهية التجديد هي إعادة إحياء أمر قد بلى، وبالتالي فهو بعث وإحياء لشيء كان كائنا، وليس ابتداعا لأمر من عدم.

وهذا المعنى اللغوي ينصرف تماما على المعنى الشرعي لمفهوم تجديد الدين إذ ليس التجديد تغييرا للثابت من شرع الله، فإن أحكام الكتاب والسنة ماضية إلى يوم القيامة) 1 ، بل هو إحياء لمعاقده وأصوله في قلوب المسلمين، إحياء يصفي الفطرة من براثن الدنيا الجاثمة على القلوب بماديتها وعقلانيتها وجاهليتها، وربطها بخالقها عز وجل ارتباط العبد بمولاه، ولا يقف التجديد الكامل عند هذا الحد، بل ينطلق من تجديد مادة الإيمان في القلوب إلى تحقيق الاستخلاف الأرضي، الذي هو في الأول والأخير امتثال لأوامر الله عز وجل القائل في محكم تنزيله وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ 2 .

وقد ذكر التجديد في ثلاثة أحاديث نبوية:

1- روى الإمام أحمد وحسنه السيوطي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الإيمان يخلق (أي يبلى) في القلب كما يخلق الثوب، فجددوا إيمانكم” وفي رواية: “إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم” 3 .

2- روى أبو داود والبيهقي والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها”.

3- روى الإمام أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات، والحديث صححه السيوطي، “عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «جددوا إيمانكم»، قيل: «يا رسول الله وكيف نجدد إيماننا؟» قال: «أكثروا من قول لا إله إلا الله»”.

والمتأمل في هذه الأحاديث يجد صيغتين للتجديد في الخطاب النبوي: تجديد الدين وتجديد الإيمان، وإن كان هذا المفهوم الأخير جزءا من الأول بل ومدار التجديد كله.

كما تطرح هذه الأحاديث الثلاث مجموعة من الأسئلة.

– ما معنى تجديد الإيمان وكيف يتجدد في القلوب؟

– ما معنى تجديد الدين؟

– وكيف يتجدد الدين في الأمة؟

فكرة التجديد عند الأستاذ عبد السلام ياسين

هذه الأسئلة شغلت الإمام عبد السلام ياسين مع بلوغه سن الأربعين، وهو في عز المراتب الدنيوية في الوظيفة المغربية، وجعلته يبحث هنا وهناك عن كيفية إحياء قلبه وإسلاس فطرته لله عز وجل، ثم قيض الله له صحبة عارف بالله، هو الشيخ العباس، فمكث في صحبته بالزاوية البودشيشية حتى ذاق حلاوة الإيمان وأخذ رابطة سلسة التجديد والإحسان.

لكن رغم الأنوار وحلاوة الذكر وقراءة القرآن، كان الأستاذ عبد السلام ياسين غير هانئ البال، لما يرى من فتنة الأمة وابتعادها عن روح القرآن العظيم وسنة رسوله الكريم، فبدأت فكرة التجديد تراوده وانغمس في قراءة ما أثله الصالحون وما كتبه العلماء في شتى أصناف العلوم الإسلامية، فقها وتفسيرا وأصولا وتاريخا… فخلص إلى أن التجديد في هذا الزمن لن يكون إلا كاملا شاملا على منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين، وهكذا خلف رحمه الله عشرات الكتب بسط فيها معالم التجديد الكامل، سواء فيما يخص علاقة الفرد المؤمن بالله عز وجل، أو فيما يخص علاقة الفرد ببناء أمته استعدادا لموعود الله عز وجل الذي وعد عباده الصالحين بالاستخلاف والبركة والتمكين.

معالم التجديد في النظرية المنهاجية

– تجديد الإيمان

يعتبر الأستاذ عبد السلام ياسين أن الأمة الإسلامية وصلت إلى ما هي عليه، نظرا لمرض خطير ألم بها ليس الجاهلية كما وصف بعض المفكرين والعلماء، فبنى أفراد وجماعات على هذا المفهوم خيار العنف والتكفير، وإنما لمرض الفتنة التي تعني اختلاط الحق بالباطل.

كيف وصلت الأمة إلى هذه الفتنة التي جعلتها جسدا بلا روح، تنهشه مخالب الاستعمار الثقافي والاستغلال الاقتصادي؟

يصر الأستاذ عبد السلام ياسين على أن تشخيص واقع الأمة وأمراض الأمة، سيحيد عن الجادة ويجنف عن الصواب، إذا ما ابتعد عن التشخيص النبوي والطب النبوي، لذلك صاغ ما سماه رحمه الله المنهاج النبوي الذي يعتبره ضروري لتفسير التاريخ والواقع، ضروري لفتح النظرة المستقبلية، ضروري لرسم الخطة الإسلامية دعوة ودولة، تربية وتنظيما وزحفا، ضروري لمعرفة الروابط الشرعية بين أمل الأمة وجهادها، ضروري لمعرفة مقومات الأمة وهي تبحث عن وحدتها، ضروري لإحياء عوامل التوحيد والتجديد، ضروري لمعالجة مشاكل الأمة الحالية قصد إعادة البناء) 4 .

وفي هذا الصدد يورد حديثين شريفين يشخصان بدقة واقع المسلمين:

الحديث الأول: “عن أبي هريرة رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: “سيصيب أمتي داء الأمم”. فقالوا: يا رسول الله، وما داء الأمم؟ قال: “الأشر والبطر والتكاثر والتناجش في الدنيا والتباغض والتحاسد حتى يكون البغي””.

الحديث الثاني: “عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال سول الله صلى الله عليه وسلم: “يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ، قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت”” 5 .

يفسر الحديث الأول البغي والظلم الذي ابتليت به الأمة، بفيروس داء الأمم الذي أفقدها أهم عروة من عراها وهي الأخوة والمحبة.

ويفسر الحديث الثاني تداعي الأمم وتنافسها على العالم الإسلامي، استعمارا واستغلالا لخيراته وقهرا وقتلا لأبنائه واستلابا لشبابه، بمرض الوهن الذي هو حب الدنيا وكراهية الموت.

إذن ما هو الدواء لفيروسي داء الأمم والوهن؟ إن الدواء كما يقول الإمام المرشد هو تجديد مادة الإيمان في القلوب، وقد اجتهد رحمه الله في تأثيل خصال عشر، جمع فيها شعب الإيمان التي يجب أن يتحلى بها المسلم في سلوكه إلى الله عز وجل، والملاحظ في بنائه لهذا المشروع الإيماني انطلاقه من حديث شامل كامل، روى الشيخان وأصحاب السنن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الإيمان بضع وسبعون شعبة -عند البخاري بضع وستون- (زاد مسلم): أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان”. وهذه الخصال هي الصحبة والجماعة، الذكر، الصدق، البذل، العلم، العمل، السمت الحسن، التؤدة، الاقتصاد، الجهاد… وقد قسم كل خصلة إلى شعب إيمانية، منها ما يخص علاقة الإنسان بربه، ومنها ما يخص علاقة المؤمن بأمته 6 .

– تجديد الدين

إن الدين الذي يجب تجديده هو ما جاء في حديث جبريل عليه السلام، قال عمر رضي الله عنه: “بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخديه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت! فعجبنا له يسأله ويصدقه! قال: فأخبرني عن الإيمان! قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت! قال: فأخبرني عن الإحسان! قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة! قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل! قال: فأخبرني عن أماراتها! قال: أن تلد الأمة ربَّتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. ثم انطلق. فلبثت مليا، ثم قال لي (أي رسول الله صلى الله عليه وسلم): يا عمر! أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم! قال: إنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم”.

احتاج الأمر لأهميته أن ينزل جبريل على صورة رجل ويحاور رسول الله صلى الله عليه وسلم حوارا مدهشا ليعلمهم دينهم. الدين إسلام وإيمان وإحسان وترقب للساعة، والدين الذي يجدده الله للأمة بمن يصطفيه من خلقه هو كل هذا، لا يتبعض) 7 .

الإحسان والعبودية الكاملة لله من عرى الدين التي انزوى بها جماعة من الناس عن الناس في زمن الفتنة، يوم انكسر التاريخ الإسلامي، وبدلت الخلافة حكما عاضا وانقلبت المفاهيم وصار العلماء صنفين صنفا في كنف السلطان وصنفا مصلت عليه سيف السلطان.

سُمُّوا بالصوفية وبالقوم، انفردوا بعلم التزكية وعلاج القلوب، وهربوا بالكنز الذي معهم كي لا يموت في زحمة الفتنة وجثو الدنيا على القلوب. وتوارثوا الصحبة المتسلسلة من النور الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم، صحبة استلهام للنموذج الطاهر في سلوكه إلى الله عز وجل، الذي كان يقوم حتى تتفطر قدماه وهو من هو نبي الله وخاتم الرسالات.

لكن الأستاذ عبد السلام ياسين بعدما ذاق الإحسان عند أهل الإحسان، صدح بهذا العلم في أول كتاب كتبه “الاسلام بين الدعوة والدولة” فهبت أقلام مكفرة وأخرى مزندقة وأقل منها مخرفة.

لم يلتفت الإمام المجدد لهذه السهام الموجهة لرجل ذاق حلاوة الإحسان كما يحكي عن نفسه في كتاب الإحسان، بل مضى في تشييد مشروع منهاجي نبوي لتجديد الدين بما هو إسلام وإيمان وإحسان، وكان من ثمرة مجهوده بناء جماعة العدل والإحسان، إذ المن الواردة في حديث التجديد قد تكون فردا أو جماعة، وهو بناء على المنهاج الأول لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي حمل صحابته الكرام مشعل نشر الإسلام في الآفاق.

وقد أعطى رحمه الله للإحسان مفهوما شموليا، فإضافة إلى مرتبته العظمى في السلوك التعبدي للمؤمن المبتغي رضى الله عز وجل، فإنه يشمل كذلك إحسان المعاملات وإتقان الأعمال كل الأعمال، فلا معنى لإنسان يتقرب إلى الله عز وجل بأصناف العبادات حتى يجهد نفسه فيها، وفي نفس الوقت معاملاته وأعماله داخل أمته مخرومة، بل إن التقدم في السلوك الإحساني يزيد الإنسان رحمة ورفقا في المعاملات وإتقانا وتفانيا في الأعمال الدنيوية، وهذا هو درب وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

– تجديد الإرادة

أ- التجديد المئوي

لقد عرف التاريخ الإسلامي عدة مجددين جددوا معاني الدين وعرى الإسلام التي كانت تنتقض تباعا عروة عروة كما اخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة” 8 .

وهكذا جدد عمر بن عبد العزيز عروة الحكم التي نقضها بنوا أمية وأعادها خلافة على منهاج النبوة إلى حين، وجدد الإمام الغزالي معاني الإحسان في القلوب خلال القرن الخامس للهجرة، وجدد ابن تيمية الإسلام الصحيح في القرن السابع الهجري بعدما فشت في عهده أصناف البدع، وجدد الإمام الحسن البنا معاني الإسلام في زمن الاستسلام.

ليس قصدنا هنا جرد مجددي الإسلام في كل قرن، فقد اختلف العلماء واتفقوا حول أسماء المجددين، لكن غرضنا هو بيان أن كل هذه التجديدات للدين لم تكن كاملة بل كانت تجديدا للعرى وإحياء لجذوة الإيمان والانتماء.

يعتبر الأستاذ عبد السلام ياسين أن التجديد المطلوب هو التجديد الكامل لعرى الإسلام، وأن لا مصير إليه إلا بتجديد الإرادة الفردية والجماعية في قومة تعيد للفطرة سلامتها وللأمة عزتها، يقول رحمه الله: لتقوم الأمة ويتم تجديدها لابد مع التطبيب والتمريض والتربية الشاملة من تحرير إرادة الفرد حين تذهب عنه أنانيته لتوجه هذه الإرادة المتفوقة وجهة العمل الجماعي، وإن نجحنا في تحرير الإرادة بعد تحرير الضمير كملت لنا التعبئة التي ننشدها) 9 ، تعبئة الأفراد والجماعات لإعادة بعث الأمة على البناء الأول الذي أثله الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابته وخلفاؤه الراشدون.

ب- تحرير الإرادة واستشراف البشارة

عثر الأستاذ عبد السلام ياسين على حديث مبشر محفز لإرادة الأمة وجعله محورا لتفكيره ومرشدا لخطواته، روى الإمام أحمد عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال: كنا جلوساً في المسجد فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال: يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمراء، فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته. فجلس أبو ثعلبة. فقال حذيفة: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة”، ثم سكت”.

تحرير الإرادة الفردية: هي عملية تجديد الإيمان في القلوب لتعود إلى الفطرة الحرة التي تتطلع إلى رضى خالقها وبارئها وتخليصها من دخن الفتنة وجذور الحياة الدنيوية البهيمية التي تغلف القلب وتدخله عالم الغفلة.

تحرير الإرادة الجهادية: هي تعبئة الأمة إلى بشارة الخلافة على منهاج النبوة الموعودة، والتي يؤكد عالم الشهادة قبل حقيقة الغيب تباشيرها في هذه الصحوة الإسلامية التي عمت العالم.

ج- فقه التجديد

إن أي استشراف لهذا الوعد النبوي لا بد أن ينبني على فقه جامع وإرادة ماضية، يقول رحمه الله: فقه بلا إرادة خيال وحلم. وإرادة بلا فقه يضم في نظرة واحدة العلم بما أوجب الله وبما سن رسول الله إلى العلم بما خلق الله في الكون وما ابتلى به الناس بعضهم ببعض توشك أن تؤول إلى تخبط عنيف: موجة عارمة ثم تنكسر. انتفاضة غاضبة تهدم لكن لا تبني. جعجعة ولا طِحْن) 10 .

اجتهد الأستاذ عبد السلام ياسين في وضع مفاتيح الفقه الجامع، وهو مفهوم جاء به ليضع قطيعة مع الفقه التجزيئي الموروث، الذي ضاعت معه إرادة الأمة بعدما انصرف لأحكام الطهارة والحيض والنفاس -على أهميتها- وترك الحديث عن الحكم وبناء الأمة وأفتى بجواز المستولي بالسيف، حتى قهر السيف العلماء وحبس الاجتهاد وتوقفت حركية الأمة في التاريخ ودخل إلى الدين ما ليس منه بدعا وهرطقات وطقوس ما أنزل بها الله من سلطان.

لكن هذا لا يعني أن ما أثله الأسلاف كان ومضى بل إن ما ورثناه عن سلفنا الصالح من علوم وقواعد مؤصلة ثروة بالغة الأهمية. ما قننوه رضي الله عنهم من أسس في علم التعديل والتجريح وأصول الفقه وفروعه وأصول الدين وعلم السلوك باق رهن إشارتنا، باق في تجزئته وبعثرته، كنوزا مدفوقة في الدفاتر، على أقفالها رموز يحلها فيستفيد منها من معه مفتاح الفقه الجامع، الفقه الذي ينظر إلى العلم المؤثل من حيث موقعه من الحكم والظرف التاريخي والصراعات المذهبية وموقف أهل العلم رضي الله عنهم المحافظ المشفق على بيضة الأمة أن ترام، وعلى حماها أن يضام، تراث مبعثر مكسر، شذراته اللماعة لا تزال صالحة للانتفاع في سياق تجدد في النيات والحركة والجهاد) 11 .

إن الفقه الجامع منطلق التجديد الكامل للدين إسلاما وإيمانا وإحسانا، حكما واقتصادا وجهادا، علم شمولي يستهدف إعادة دوران الرحى إلى نقطة البداية، حيث سيادة أهل القرآن على ذوي السلطان لما كانت الدولة خادمة للدعوة.

غير أن هذا الفقه يجب أن يشتغل في إطار المنهاج النبوي العملي الحركي التطبيقي، لا علما يكتب في الصحائف وترقنه المطابع وكفى؛ نكون منهاجيين إن نحن جعلنا تحت أيدينا الفقه الموروث المجزأ نخاطبه ونحاوره ونسائله وننتقده ونستفيد منه حسب ما نجد عنده أو لا نجد، من خبر أو دراية أو رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيد الموفق المعصوم، كيف بلغ، وحين ألف الجماعة بتأليف الله، وحين سلح، وحين آخى وشجع على التضامن في الأرزاق، وحين غزا وواجه العدو، وحين علم كل علم نافع، لا يحقر من التعليم أبسط المبادئ، وحين جاهد حتى ترك لنا أمة واحدة أمرها بينها شورى، حين أوصى ونصح بما سيؤول إليه الأمر من ترد إلى اغتصاب الحكم وإلى العض والجبر، وحين بشر بالخلافة الثانية على منهاج النبوة…) 12 .

لقد سعى الأستاذ عبد السلام ياسين إلى تجديد الإرادة الجهادية في قلوب المومنين بلحمه ودمه وجاء بقراءة جديدة لتاريخ المسلمين مبنية على أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، وأكد رحمه الله أن من بواعث تجديد هذه الإرادة إعادة قراءة تاريخ المسلمين قراءة بفقه جامع لا بنظرة مجزئة. الفقه الجامع هو الفقه الذي يعم في نظرة واحدة الدعوة والدولة في علاقاتهما الأولى على عهد تأليف الجماعة من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم، ثم تطور هذه العلاقات تطورا توسيعيا على عهد الخلافة الرشيدة، ثم في تطورها إلى الفساد والكساد على عهود الملك العاض فالجبري، ثم في الوضع الحالي وقد أصبح للعلمانية والذهنية العلمانية والنوايا العدوانية على الدين الصدارة في تفكير الحكام ومما رستهم، حتى غطت الدولة على الدعوة تماما، وألجأتها إلى منابر الوعظ المراقب الملجم المدحن أحيانا كثيرة، وإلى ركن «الأحوال الشخصية» بعيدا عن المجالات الحيوية المدنية والجنائية والاقتصادية والإدارية. ثم يعم الفقه الجامع في نظرة واحدة الدعوة والدولة وعلاقاتهما المطلوبة في مراحل البناء، كيف يستعيد رجال الدعوة مراكز القرار حتى يعود السلطان خاضعا للقرآن لا العكس) 13 .

إن أي بناء للأمة لا بد أن ينطلق مشروعه من حسم العلاقة بين الدعوة والدولة والتي لا يجب أن تخرج عن ثنائية تكون فيها السيادة للدعوة على الدولة لمؤسسة الدعوة تجديد الدين والإيمان في القلوب ولمؤسسة الدولة تدبير مجالات الاستخلاف الأرضي في إطار ما يسميه أستاذنا بالعمران الأخوي.

سخّر الإمام المجدد عبد السلام ياسين حياته في سبيل تجديد الدين، وكان مثالا حيا لرجل القول والعمل، فجمع بين حكمة القلم وغبار المعركة، لم يثنه التنظير لغد المسلمين في قول الحق وإعطاء النموذج وبناء صرح جماعة يشهد العدو قبل الصديق على قوتها ورصانة منهاجها. وقبل أن تسلم روحه الطاهرة لبارئها حمّل جماعة العدل والإحسان أمانة هذا المشروع التجديدي باعتبارها حاملة له، مسؤولة عن توسيع دائرته في الأمة استشرافا لغد الخلافة على منهاج النبوة.عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي : تربية وتنظيما وزحفا، الشركة العربية الإفريقية للنشر والتوزيع، 1989، ص.39


[1] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا، الشركة العربية الإفريقية للنشر والتوزيع، 1989، ص. 39.\
[2] سورة النور – الآية 55.\
[3] رواه الطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك.\
[4] عبد السلام ياسين، نظرات في الفقه والتاريخ، دار الخطابي للطباعة والنشر، 1989، ص 16.\
[5] رواه أبو داوود في السنن.\
[6] انظر كتاب المنهاج النبوي، م س.\
[7] المنهاج النبوي، م س، ص 38.\
[8] رواه أحمد وغيره وصححه الحاكم.\
[9] الاسلام بين الدعوة والدولة، مطبعة النجاح، الدارالبيضاء، ط 1، 1972، ص 78.\
[10] عبد السلام ياسين، تنوير المومنات، مطبوعات الأفق، الدارالبيضاء، 1996، ج 1، ص 71.\
[11] نظرات في الفقه والتاريخ، م س، ص 19.\
[12] نفسه، ص 20.\
[13] نفسه، ص 19.\