في شهر القرآن، حين تعود البيوت إلى أهلها، يعود القلب إلى مصحفه، وتُفتح صفحة قديمة من العتاب النبيل والوفاء المؤجَّل.
مع بداية أنوار هذا الشهر الفضيل أنعم الله علينا بالرجوع إلى الديار. نقبّل الجدار ثم الجدار، وليس الجدار من سكن قلبي، ولكنه حب من في الديار.
أهل علينا رمضان ونحن نطأ تلك الأرض التي سكنتنا قبل أن نسكنها، دخلنا بيوت الله، أحب البقاع إلى الله، وقد أقفلت أبوابها وسكنت مآذنها وأغلقت نوافذها حتى أصابها ما أصاب بيوتاتنا من رطوبة وغيرها.
ولجنا بيوت الله ملبين مكبرين مسبحين مهللين: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
ونحن نستحضر قول الحق سبحانه: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر: 34].
وأنا ألملم بعض أغراضي التي كنت جمعتها على عجل ووجل، وجدت مصحفا كنت وضعته في مكان أعلى حتى لا يصاب بالأذى. تلمسته، قبّلته، احتضنته، وبدأ الحنين لتاريخي مع هذا المصحف.
أتذكر يوم أُهدي لي، وأحسب أنه كان في رمضان، مصحف برواية ورش عن نافع متوسط الحجم. أذكر أني يومها كنت تلميذا بالسلك الإعدادي، أي قبل ستة وثلاثين عاما، وأذكر أني كنت ختمته أول مرة يومها، وبقيت رحلتي مع هذا المصحف سنين عددا، أجعل لي وردا يوميا فيه، حتى أتشرف بختمه كل شهر، فإذا حل شهر القرآن كنت أجتهد أن أختمه ستة مرات في الشهر الفضيل، حتى إذا فترت الهمة أعاهد الله ألا أفرط في ثلاث سلكات.
تحينت الفرصة اليوم وأخذت هذا المصحف أحاوره على مهل، وقد ظهر لي منه أنه غضب مني وأنا صاحبه، منزعج مني وأنا الذي كنت لا أفارقه آناء الليل وأطراف النهار.
وجدت منه عتابا حتى تمنيت لو لم أحضه، أجد في وعيده شدة وفي نصحه قسوة. كأنه يخاطبني:
لماذا تركتني هذه السنوات؟
لماذا انشغلت عني وأنا الذي كنت ألفت لمسات أصابعك، ونظرات عيونك، ونبضات قلبك؟
لماذا هجرتني وتركتني كما هي باقي كتبك ومستنداتك؟
لماذا جعلتني في ركن ركين، وفي زاوية في خزانة؟
أردت أن أقطع عليه تساؤلاته وتأوهاته، لكنه كان على حق، والإقرار مني سيد الأدلة.
أقر بذلك يا مصحفي ولا أعاند ولا أكابر الذنب مني حصل والعفو منك أرجو.
أفكر وأقدر ثم أفكر وأقدر: كيف أجيب، وبم أجيب، وهل ينفع الجواب، وهل يغني جوابي عن بعدي وبعادي؟
توسلت لمصحفي وفتحته، قرأت منه في جلسة واحدة سورة البقرة، أبين له حسن نيتي وصدق سريرتي. وضعت بطاقة عند بداية سورة آل عمران، بطاقة جميلة ربما كانت هدية عيد فطر، تذكرني أين وصلت في قراءة كتاب ربي.
قلت له: يا مصحفي عذرا، ولست تركتك كما يظهر لك، ولكنه الجوال الذي دخل حياتنا، إنه تطبيق تنزيل المصحف في الهاتف المحمول. كانت هذه التطبيقات وهذه البرامج بداية عهد جديد مع الكتب.
أتوسل إليك يا مصحفي وأرجو منك الصفح، فقد حال بيني وبينك الجوال والحواسب والألواح الإلكترونية.
كنت أسترجع بعض الذكريات معك، وفي حضرة مولانا العزيز الكريم، وفي كنف صحبة الأخيار الذين يدلّون الخلق على الارتباط بالخالق. وأعرف أني مهما قدمت بين يديك من أعذار فلن تغفر لي، وأعرف أني مهما بينت لك من حجج دامغة وأدلة قاطعة على أهمية التكنولوجيا، وأنه لا مناص لنا من أن نغير نمط الوسائل، فالمصحف في الهاتف حاضر في كل الأحوال، فهو الشيء الوحيد الذي لا يفارقنا ولا نتخلى عنه قيد أنملة.
أذكر أني عشت معك يا حبيبي يا مصحفي لحظات قضيت معك أكثر من عقدين قبل أن ترخي علينا التكنولوجيا بظلالها.
يا حبيبي يا مصحفي، لا عليك، عاهدت الله ألا أتخلى عنك ولن أجعلك غريبا في رفوف المكتبة في زاوية مظلمة.
سأجعل وصيتي لابني محمد نور أن يجعلك معي في قبري إن وافتني المنية، عسى أن تكون شفيعا لي عند ربي.