مسار المشروع الصهيوني بين التقمص والمواجهة

Cover Image for مسار المشروع الصهيوني بين التقمص والمواجهة
نشر بتاريخ

جال الطوفان أرجاء العالم الإسلامي والغربي، وغير وبدل في خريطة الإنسان الذهنية والفكرية ليصنف الظالم من المظلوم والمستكبر من المستضعف. الطوفان المقدسي تدبير الله عز وجل، نقل به أحوال الأمة والعالم وأنفس المسلمين من الجمود إلى الحركة والتفاعل مع الأحداث. نقول تدبير قضاه الله عز وجل على يد الأمناء على بيت المقدس؛ المقاومة والحاضنة غزة، لأنه فاق تقدير وتفكير المسلمين المتفرجين على إبادة غزة بل والعالمين من الغرب والشرق، وأرعب وأربك استراتيجية الاستكبار وقوته.

1- الاستكبار وتطوير أساليب الاختراق

انبرت ثلة من أمة الإسلام ظاهرة على العدو المحتل في فلسطين في زمن خضوع الأمة للاستبداد الجبري وقهر المجتمعات الإسلامية بالفساد والظلم والتطبيع. انبعث الطوفان المقدسي في السابع من أكتوبر 2023م في عملية نوعية استباقية لتعطيل مشروع الإفساد الصهيوني الرامي إلى محو مركزية الأقصى والقضية وكسر جبهات المقاومة فكان العكس.

قبل السابع من أكتوبر المجيد كان طوفان التطبيع باتفاقه الإبراهيمي والتطبيع المتسارع القاضي بإحداث شلل في فطرة الإنسان العربي المسلم وتعليمه وفكره، وبزيادة الضغط الاستبدادي عليه من طرف الأنظمة العربية. دخان متسرب أراد خنق شعوب الأمة، لكن رجال الطوفان في غزة أخرجوا خير ما في المسلمين؛ أحرارها البارين بدينهم وقضيتهم المركزية بيت المقدس.

إن غاية المشروع الصهيوني هو الإفساد في الأرض. هو بتعبير القرآن في سورة الإسراء علو قضته سنة الله في الكون بأن تحتل أولى القبلتين في تاريخ المسلمين، ويقتل فيها أبناء بيت المقدس وأكنافه والأمة وهنة الأطراف، عاطلة عن مدافعة الإفساد والفساد، مفتتة الجسم والقوى. إنه أحد فصول الاستكبار، يستفز شعوب الأمة بعد أن أذعنت الأنظمة الحاكمة للتطبيع مع الفتاة المدللة لأمريكا راعية المشروع الإفسادي.

إن إخبار الوحي بإفساد اليهود في وعد الآخرة هو وعد حق، إذ إن العلو كلما ارتفع، طور وجدد سدنته أساليب التغلغل الإجرامي والعدوان في قلب الأمة وفي أصقاعها العربية الإسلامية. لكن الاستكبار لم يكن في حسبانه أن لله عبادا يبعثهم ليقهروا المستكبرين ويظهروا على عدوهم، وقد صور لنا طوفان الأقصى مشاهد حية تاريخية شامخة لمدافعة الرجال من أحرار ومقاومي الأمة للروح الجاهلية المحتلة للأرض والإنسان والمسجد.

لقد أحدث الطوفان ورجاله الأمناء انكسارا في استراتيجية الاستكبار، وحطموا أصنامه الحقوقية والإنسانية المزيفة، ونسفوا المصداقية الدولية في الحرب وحال الهدنة، بل حتى في التعامل مع الأسرى والمعتقلين في السجون.

ومنذ قرابة عامين ونيف من الإبادة على قطاع غزة، جيشت الآلة الصهيونية ومعها الاستكبار العالمي كل جيوش التدمير المادي والمعنوي والإعلامي لشعب ورجال الأنفاق في غزة. فكان الدمار إنسانيا بشكل لافت لا ينكره كل حر يدب على أديم الأرض. تبجح الاستكبار وهو يحاكي فرعون فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ [النازعات: 24] متغطرسا بهاماناته الغربيين وقارونه من العرب المتملقين. لكن المقاومة ومحبيها وداعميها دافعوا مكر الثعالب وكشفوا جحور مشروع الإجرام وطرحوا قوته أرضا.

ورغم توقف الحرب في أكتوبر 2025م لم تتوقف وحشية الاحتلال وتوغله في بعض بقاع القطاع بالرصاص والتجويع والقتل، كأنه يبرر هزيمته أمام المقاومة بقتل ما تبقى من أبرياء وأطفال غزة.

واصل الاستكبار بزعامة الأم الصهيونية أمريكا مناوراته لتصفية القضية كمحاولة جديدة منه أن يضخ نفسا رطبا في الدماء المتحجرة للمشروع الصهيوني داخل المنطقة، بعدما تمت مقاومته من طرف أحرار شعوب بعض الدول العربية المسلمة الجاثمة تحت نير الاستبداد الجبري. خرج الأطفال وجموع النساء والرجال في بعض أصقاع الأمة منددة بأشكال التطبيع، فاضحة مراميه وتقمصه لمقومات حيوية في الحياة العامة للمسلم (الفطرة والدين والتعليم والأسرة والفكر والتراث).

يسعى هذا الإفساد وبعد فشل مخططات التطبيع في فطرة وفكر ودعم الشعوب لقضية الأقصى، ومن خلال البحث عن منفذ جديد لاستعادة مجد قيادة العالم، وبالأحرى بعث ثقة شعوب الأمة في شرطي العالم وابنته المدللة، تلجأ الأم العجوز إلى تأليف سيناريو جديد موسوم (بمعاهدة السلام) مع أطراف عربية. يأمل الاستكبار من خلال المعاهدة أيضا استرجاع الهيبة من لدن أحرار العالم الغربي الذين أسندوا – وما يزالون – القضية الفلسطينية.

2- مواجهة القرن تفشل المشروع

الاستكبار في الأرض منذ الأزل لا يخطط ولا ينفذ إلا في ملأ 1 يأوي إليه ويضمن تأثيره في إنجاح مشروعه. يكون الملأ من طينته، نفاقا أو كفرا بواحا، يقدم له الولاء الكامل، قال الله تعالى: قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ [الأعراف: 191]. تكشف لنا تذكرة القرآن كيف يتوهم المستكبر أن ترك عبادة الطاغوت ومقاومة ناموسه المضل هو إفساد في الأرض. والحقيقة أن الحق والإيمان يزهقون الباطل، فلا غرو أن يكشف الطوفان عن ذلك التمالؤ الممنهج على المقاومة وهبة الأمة ضد الإفساد. لقد أظهر الرجال للعيان “مواجهة القرن” بين الاستكبار وملئه من الغرب والشرق، وبين العباد لله أولي البأس الذين جاسوا خلال الاستكبار بعلمهم وفكرهم، وأخلاقهم ويقينهم في القرآن وسنة نبيهم صلوات ربي عليه.

 الرجال عينة الأمة التي يبعثها الله كلما غفل الناس عن الوحي والمصير لتجاهد الباطل، ويحث عليها قائلا في ذكره الحكيم: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [آل عمران: 104]، افتدوا الأقصى بالأرواح والديار والغالي والنفيس، وما يزالون – في سنة 2026م – يزينون تراب غزة بدماء الشهداء. ولا ننسى طائفة الأحرار من تلك الأمة الذين أسندوا غزة في ساعة العسرة صامدين محتسبين، وناهضوا التطبيع آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر.

إن هذا القرن قرن المواجهة بين دعاة الحق وأساطين الباطل، نافثي الشر بين البشرية، المخربين لفطرة الإنسان، المنتهكين لحرمة آدميته وحقه في الحرية والتحرر من البغي. وللمواجهة ينبغي إعداد العدة والعتاد، والأمة اليوم ضعيفة مستضعفة وهنة المفاصل فقدت سربال عراها، لا يوحدها ضد إفساد هذا المشروع إلا الرجعة الصحيحة للخالق البارئ وتفقّد شروط الإيمان عملا ويقينا.

لقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها قوامها الوحي، لكي تهتدي بمنهاجه صلى الله عليه وسلم بعد الضعف والوهن. فلا مناص لنا – نحن المسلمين – للتحرر من براثن تغلب الاستكبار على الفطرة والحكم والأرض إلا بالرجوع للقرآن والاقتداء بمن تنزل عليه القرآن. فمن إزاء القرآن نشرف على التاريخ وعيا، وبتطبيق القرآن عقيدة، وعبادة، وسلوكا، وعملا على المقاصد وطلبا لها، نستعيد أنفسنا من قبضة الفتنة التي أردانا فيها نسيان الله وقساوة القلوب من عدم ذكر الله” 2. الفساد توغل في بيت المقدس وفي قلب الأمة لما توغل الإنسان المسلم في فتن الدنيا وركن إليها، أنسته الله سبحانه والمصير وكل معاني المجاهدة، فكيف سيجاهد الطاغوت وقد عشش وفرخ بيوضه في القلب والعقل؟


[1] الملأ في السياق القرآني هم قاعدة الاستكبار وقادته، ويحمل دلالات القيادة والنفوذ المالي والاقتصادي والتواطؤ على معاندة الحق وأهله والتآمر.. وغيره من أدوات الاستكبار.
[2] سنة الله، عبد السلام ياسين، ص68.