مريميات غزة وفلسطين

Cover Image for مريميات غزة وفلسطين
نشر بتاريخ

ما بعد هدنة طوفان الأقصى لايزال المستكبر الصهيوني يعيث في غزة وفلسطين فسادا وإفسادا. تتعالى البقية الصامدة من الأصوات وسط الركام: لقد سلب منا كل شيء. ماذا تبقى للإنسان، لكرامة الإنسان؟ الشهداء يتساقطون كل يوم، والعائلات تباد، والرضع والأطفال تتناثر أشلاؤهم، أما يتامى الأب والأم فلا تسأل عنهم.

المشهد اليومي الفلسطيني

خلال مشاهد الدمار والإبادة اليومية تبرز المرأة – الأم والزوجة والإبنة والأخت – بشموخ وثبات لا نظير له. تطأ أقدامها العارية الحافية والجسد النحيل الجائع سيول الدم الزكي، وتنبش بين الأنقاض عن الأحياء، وتزفر كمدا ضد صمت وخذلان المسلمين، وتشهق احتسابا لدم الشهداء، وتحتضن بيديها المنهكتين الجرحى والمرضى.

طوال الحرب ظلت المرأة الغزاوية سندا للأسرة والمقاومة بشتى أشكالها تحفيزا وصبرا واحتسابا. رفضت التهجير القسري، آوت الصغار والكبار، واحتضنت، وواست، وجاهدت، وقاومت المحتل المغتصب. كانت تطل من نافذة التحرر وإرادة الانعتاق من سطوة الاستكبار الإقليمي والعالمي.

كذلك هن نساء فلسطين والحرائر المقدسيات يجابهن الاحتلال من البيوت، وفي مساطب الأقصى المبارك، ومن داخل سجون ومعتقلات المحتل؛ أسيرات صابرات لكل ألوان التعذيب والقمع والتجويع وانعدام الرعاية والعسف المتواصل للكرامة الآدمية، نساء أسيرات حوامل وأخريات مرضعات ينكل بصحتهن وبمواليدهن وسط صمت دولي لحقوق وقوانين الأسر.

نساء صدقن في الإيمان والاصطفاء

ما سر صمود نساء غزة وفلسطين بعد ما ينيف عن 1000 يوم من الإبادة الجماعية للإنسان المقدسي والتعسف الوحشي على الأسيرات في سجون المحتل؟ وكيف للحوامل أن يبلغن هذا الجلد المستميت أمام وحشية الآسر الصهيوني عديم الإنسانية، المتجرد من الصفة الآدمية؟

لهؤلاء الشوامخ نصيب أوفر، في زمان الجاهلية المستكبرة بالمادة والقوة، من إيمان وثبات مريم الصديقة عليها السلام؛ واجهت قومها من بني إسرائيل وتعنتهم في قبول الحق والوحي، يحذين حذوها حين يقول المولى تعالى: يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران: 43]. محراب مريم التبتل والقنوت استعدادا لجبروت بني إسرائيل المكذبين، ومحراب الغزاويات والفلسطينيات مضاعف جراء توحش الاستكبار وعلوه، هو تعبئة إيمان ويقين في النصر المرتقب مكلل بجهاد وصبر واصطبار.

نالت مريم عليها السلام مرتبة ربانية بخدمتها لبيت المقدس وزواره وهي يافعة، وبلغت درجة الصديقية حين امتثلت للوحي ولأمر ربها قانتة محتسبة، فكرمها مولاها بأمومة للنبوة العيسوية. بعد الامتثال للحق ومجابهتها لعتو واستفزاز قومها بالقذف في العرض والشرف، حاربوا وليدها النبي عيسى عليه السلام. حرب مستدامة ضد نور الوحي وبلاغ النبوة في حياة الشريعة الحنيفية العيسوية. وبعدها ختم بالتحريف للدين القويم في الكنيسة النصرانية آنذاك.

يستكمل الاستكبار حربه على الحق وقمعه لكل ألوان التحرر من الباطل والإفساد. تمثل هذه المواجهة وهذا الظهور على العدو المستكبر الهمجي حاملة رايته المرأة الغزاوية في القطاع المباد المدمر، ثم في سجون الأسر الإسرائيلية. المرأة المقاومة لكل أشكال العبودية سواء تحت القصف، أو الرصاص الحي، أو خلف القضبان.. لها شرف الانتماء للطائفة الظاهرة على عدو الأمة في آخر الزمان كما بشر المختار صلوات ربي عليه، قاهرة للباطل بصمودها حية أو شهيدة عند ربها.

إن إزهاق الباطل سنة إلهية حتمية لا ريب فيها، لكن يبقى الإنسان رجلا أو امرأة، من خالج قلبه الإيمان بهذا الدين القويم، والوعد الحق، واليقين في انتصار العدل واندحار عدوان الطاغوت هما أسباب الأرض، وأحد شروط الغاية الاستخلافية التي خلق الله ابن آدم لأجلها. فالملك لله والأرض لخالقها، وعد سبحانه وتعالى ألا يرثها إلا عباده الصالحون.