محاولة لفهم ما وقع في فنزويلا

Cover Image for محاولة لفهم ما وقع في فنزويلا
نشر بتاريخ

يبدأ فهم ما يقع في فنزويلا من الجواب عن سؤال هام هو: هل حققت الحرب على غزة أهدافها في فلسطين وفي المنطقة ككل؟ بمعنى هل تمت إزالة تهديد المقاومة في فلسطين؟ وتم تحييد حزب الله وإيران؟ وإلجام التهديد الجديد المتمثل في يمن الحوثيين؟ وأيضا هل تم إخماد نار المقاومة الكامنة مؤقتا في سوريا/تركيا؟ وهل تحققت الرغبة الأمريكية المزمنة في إعادة تشكيل “شرق أوسط” جديد جغرافيا وجيو استراتيجيا؟ بتفكيك دول وإزالة أنظمة وتجميد تحالفات وتقليص مناطق النفوذ؟

بالطبع الجواب هو لا، بعد سنتين من الحرب في المنطقة، واقعيا لم تحدث تغيرات كبرى، فرغم إطلاق الآلة العسكرية والاستخباراتية في المنطقة، وإبادة الشعب الغزاوي بكل وحشية وهمجية، والعدوان على إيران وسوريا واليمن ولبنان، لم تتحقق الأهداف إلا بمعدل قليل، بل بدأت تتحول الوقائع إلى اتجاه معاكس بعد الاعتداء على قطر وانتهاك سيادتها، فساد الشعور بأن المقاومة وإيران ليست هي المستهدف الوحيد، وبدأت مراجعة الحسابات في دول الخليج ومصر وفي الصين أيضا، وأيضا في واشنطن التي لا تختلف مع الصهاينة على مستوى الأهداف لكن فارق التوقيت وطرق التنفيذ هي محل الخلاف، وبالتالي فالكلمة المفتاح للمرحلة القادمة هي حرب شاملة وكبرى في المنطقة، تعيد صياغتها من جديد على ضوء تحقيق عائدات اقتصادية قانونية لأمريكا وتنقذها من أزماتها الداخلية التي فشلت سياسة فرض الرسوم والضرائب على كل دول العالم، في احتوائها وتكريس أمن دائم واستراتيجي لـ “إسرائيل” في المنطقة بفرضها قسرا في نسيج المنطقة الاجتماعي والسياسي.

إذن تجتمع في فنزويلا مجموعة من الشروط، والعناصر المشتركة، جعلتها عدوة للغرب وأمريكا، أولا يحكمها نظام من بقايا الشيوعية متمرد على الإرادة الأمريكية، وثانيا نظامها داعم لتحرر الشعوب وحقها في تقرير مصيرها وعلى رأسها الشعب الفلسطيني، وثالثا يحكمها نظام مناهض للصهيونية والإمبريالية، لكن الأهم والأخطر أنه نظام يتحكم في مخزون استراتيجي من النفط، يقدر ب 303 مليار برميل أي أكبر من احتياطي السعودية الذي يبلغ 297 مليار برميل، وهو احتياطي آمن الخطوط والمسارات لأن أمريكا هي المتحكمة فيها، ورخيص التكلفة لقرب المسافة بين أمريكا وفنزويلا التي لا تتعدى 3500 كلم.

فهذا هو مربط الفرس، وهذا المخزون يشكل احتياطيا استراتيجيا لأمريكا في حال اندلاع حرب في الخليج – وهو احتمال وارد جدا- يؤمن احتياجات واشنطن التي تقدر بـ 20 مليون برميل شهريا بقيمة 11 مليار دولار، ويجنب اقتصادها أي هزات محتملة، إذ إن أي حرب في الخليج ستكون أول نتائجها إغلاق خطوط مرور إمدادات البترول والتجارة عبر باب المندب وقناة السويس ومضيق هرمز، وهذا ما تم اختباره في الحرب على غزة، وذاق مرارته الكيان الصهيوني على يد الحوثيين، وثاني نتائجه اشتعال حقول وآبار الغاز والبترول، وبالتالي ففنزويلا هي ورقة الاحتياط في الحرب القادمة.

وبالطبع لا يهم الشكل الذي يتم به السيطرة على هذا المخزون، مهما كان صادما أو خارقا للقانون الدولي أو حتى مستفزا للقوى الأخرى كالصين وروسيا، فأمريكا في عجلة من أمرها، لأنها تريد غلق ملف فنزويلا بسرعة وتنصيب نظام خاضع ووضع يدها على البترول، وهذا ما أعلنه ترامب صراحةً أن الولايات المتحدة ستتولى إدارة فنزويلا مؤقتًا، إلى حين “تشكيل انتقال آمن وسليم للحكم”.

فبعد أن فشلت محاولات أمريكا في الاغتيال والانقلاب وتغيير نظام مادورو بكل السبل بما فيها المساومة، استدعت تجربتها مع حليفها السابق الجنرال مانويل نورييغا في السيطرة على قناة بانما، والذي اعتقلته في 1988 وحاكمته بتجارة المخدرات وتبييض الأموال وتهديد المصالح الأمريكية، وحتى هذا “الشو” الاستعراض الأمريكي المذل والمهين، لا يخلو من رسائل تهديد توجهها أمريكا لأعدائها والمتأبِّين على دخول بيت طاعتها.