وجهت إلي الأسبوع الماضي الإعلامية المتألقة وجدان الربيعي في “قناة شمال إفريقيا” دعوة للمشاركة في حلقة من برنامج “شؤون مغاربية”، لمناقشة جريمة استهداف الصحافيين الفلسطينيين خاصة بعد استشهاد مراسل الجزيرة أنس الشريف ومن معه رحمهم الله جميعا، وتساءلت عن موقف الإعلاميين العرب والمسلمين وتنظيماتهم المهنية والنقابية في شمال إفريقيا من جرائم الإبادة الجماعية النكراء التي يتعرض لها الغزاويون، وعن أهداف العدو الصهيوني من استهداف الصحافة والتضييق عليها بالمنع وسحب التراخيص وإغلاق المكاتب وصولا إلى الاستهداف الجسدي بالاعتداء المباشر والقتل، كما جرنا الحديث عن وضع الصحافة العربية في ظل واقع عربي موسوم بالعجز والخذلان وحتى الخيانة والتطبيع،.وكان “السؤال الذهبي” عن المطلوب من الإعلاميين لدعم فلسطين وغزة، وهو سؤال لم يسمح حيز البرنامج بالتفصيل فيه، فكان لا بد من هذا المقال لبسط النظر في الموضوع، فلا أظن أن المطلوب هو التضامن والتنديد والشجب وتقديم كافة أشكال المساعدة الإنسانية، وإن كان واجبا وأمرا مشتركا بين كل مسلم وعربي وإنساني حر وشريف، سواء كان إعلاميا أو طبيبا أو مهندسا أو أستاذا أو مثقفا أو عالما، لكن المفكر والمثقف والإعلامي يطلب إليه ما هو أكبر لأنه في خط التماس المباشر مع العدو، فإفشال أهداف العدو وخططه الاستراتيجية هي إحدى أعظم مهام الإعلامي، وأول خطوات هذا العمل، الوعي بهذه الأهداف واستيعابها وبلورة خطة التصدي والإسقاط، فهذا في اعتقادي هو الجواب البسيط والبديهي والمنطقي على سؤال ما المطلوب من الإعلام لنصرة غزة وفلسطين؟
أهداف العدو الصهيوني
من المؤكد أن اغتيال الصحفيين ماديا ومعنويا ليس استهدافاً فردياً، بل هو جزء من حرب شاملة على الوعي والذاكرة الجماعية العالمية، في سياق يعتبر فيه الإعلام سلاحاً لا يقل خطورة عن السلاح العسكري، فاستهداف الإعلاميين من طرف “إسرائيل” ليس حدثاً عرضياً، بل يدخل ضمن استراتيجية ممنهجة تهدف أساسا إلى السيطرة على السردية وإخفاء الجرائم المرتكبة في حق المدنيين، ويمكن تلخيص الأهداف الرئيسة في النقاط التالية:
1- التغطية عن جرائمه وإخفاء معالم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب الممارسة في غزة التي يمكن وصفها بالهولوكوست، عن طريق إسكات الشهود الميدانيين، فالإعلاميون يُعتبرون شهود عيان يوثقون الانتهاكات وجرائم الحرب، واغتيالهم ومنعهم من القيام بعملهم، يسعى لطمس الأدلة ومنع وصول الصور الحقيقية للعالم.
2- تكريس السردية الصهيونية كرواية وحيدة مهيمنة، بتصوير الفعل المقاوم كحركة إرهاب وتهديد وجودي، وأن إسرائيل في حالة دفاع شرعي عن النفس والوجود، فبإرهاب وقتل الصحفيين المحليين والدوليين، تحاول إسرائيل احتكار روايتها الرسمية وإقصاء أي رواية بديلة تفضح ممارساتها. فالسيطرة على السردية الإعلامية أحد الأهداف الاستراتيجية.
3- الحد من أثر وسائل الإعلام في فضح مظلومية الشعب الفلسطيني، وبالتالي إضعاف التضامن الدولي، فحينما يُمنع توثيق المأساة بالصوت والصورة، يتضاءل أثرها على الرأي العام العالمي، ما يضعف حملات التضامن مع الفلسطينيين.
4- حجب حقيقة الكيان الصهيوني عن العالم التي تفضحها الصورة على المباشر من غزة، باعتباره كيانا نازيا فاشيا دمويا يتحدى ويهدد العالم، لا يحترم القوانين والمعاهدات الأممية، ولا يقيم وزنا للمعايير الدولية الإنسانية.
5- إرهاب الإعلاميين ومنعهم من تغطية الأحداث بحرية، وبالتالي خلق رقابة ذاتية خوفاً على حياتهم، فالكيان الصهيوني يوظف الاغتيال المادي والمعنوي كأداة في إطار سياسة “الإبادة المعرفية” (Epistemicide) 1، أي تدمير مصادر المعرفة التي تكشف الوجه الحقيقي للاحتلال ولمخططاته، لهذا يقوم بالضغط ومعاقبة الأفراد والمنابر المستقلة والمؤسسات الإعلامية العربية والدولية، التي تفضح الجرائم.
6- التغطية على الفشل العسكري والسياسي والإنساني، فعبر استهداف الإعلام، يُريد الكيان الصهيوني صرف الانتباه عن الإخفاقات الميدانية وبداية العزلة الدولية وإعادة توجيه الأنظار بعيداً عن الأثر الكارثي للعدوان على الكيان داخليا عسكريا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا.
المطلوب منا باعتبارنا إعلاميين
1- أن نكون على وعي بمدى تغلغل مقولات الإعلام الصهيوني والمتصهين في العالم، وأن ندرك بيقين وحدة المعركة والجبهة والمصير، فمعركة مجابهة مشروع الهيمنة والاستكبار الصهيو/أمريكي في فلسطين لا تنفصل عن معركة التحرر من الاستبداد والديكتاتورية، فالعمل من أجل إسقاط الفساد والاستبداد والتبعية والتطبيع معركة كل الشرفاء والأحرار، وأن نقوم بفضح إخفاقاته العسكرية أمام المقاومة باعتبار النضال من أجل الحرية والاستقلال هو حق مشروع تكفله الشرائع السماوية والتشريعات الأرضية والقرارات الأممية، وأن الانتصار ممكن، ولا مجال للاستسلام أو التطبيع أو للهزيمة النفسية أمام الدعاية الإعلامية والسياسية.
2- أن ننطلق من حقيقة أن الرأي العام الغربي والسياسي، في جزء كبير منه، هو ضحية “غسيل دماغ” لكبريات مؤسسات الاعلام التقليدية الممولة والمهيمن عليها من رؤوس أموال صهيونية أو المتصهينة، وبالتالي، فالمعركة يمكن أن تكسب من هنا، أي من إسقاط السردية الصهيونية والتشكيك في مصداقية وموثوقية وموضوعية وسائل الإعلام الغربية، وهذا ما كشفه طوفان الأقصى، حيث عرى نفاق وانحياز وكذب الإعلام الغربي، واكتشف الشارع أنه ضحية الدعاية الصهيونية.
3- أن ندرك أن المعركة في جزء كبير منها هي معركة مصداقية وثقة وإنسانية ينبغي أن تبنى مع المتابع المحلي والدولي، فالتغطية الميدانية الموثوقة، ونقل الحقائق بالصوت والصورة من مصادر مباشرة، مع التأكد من دقة المعلومات وتجنب الشائعات، وإبراز الجانب الإنساني للضحايا من خلال القصص الفردية والشهادات الحية، وليس فقط الأرقام والإحصاءات والتحليلات السياسية.
4- أن نستغل هذه الفرصة التاريخية السانحة التي يعيشها العالم، لاختراق الرأي العام العربي والعالمي مستغلين وسائط التواصل والاتصال الجماهيرية المعاصرة البديلة رغم محاولات التضييق والحجب لإسقاط السردية الصهيونية، عن طريق ما يسمى التوجيه السردي 2(Narrative Framing) وتفكيك الرواية الصهيونية وكشف تزييفها في الإعلام الغربي واستخدام لغة واضحة تصف الحقائق كما هي “احتلال”، “إبادة”، “حصار” بدلًا من المصطلحات المموهة مثل “نزاع” أو “اشتباكات” مع ربط ما يحدث في غزة بالقيم العالمية ومنظومة حقوق الإنسان، والقانون الدولي، وقيم العدالة، أي أن نصطنع ونتبنى لغة إنسانية حقوقية مقنعة موحدة بعيدة عن العنصرية والتقوقع، من حيث المضمون وبلغات العالم وبالتقنيات المتاحة والممكنة على مستوى الشكل كإنتاج مواد باللغات الأجنبية (الإنجليزية، الفرنسية، الإسبانية، إلخ) موجهة للجمهور الغربي تخاطبه بعقليته وثقافته وطريقة تفكيره، مع التعاون مع صحفيين أحرار وأكاديميين أجانب لإيصال الرواية الفلسطينية بموضوعية، واستثمار وسائل التواصل الاجتماعي للضغط على المؤسسات السياسية.
5- ألا نكتفي بالتنديد بجرائم الكيان والتضامن ببيان أو وقفة ونحن نخدم الاستبداد المحلي والهيمنة العالمية، بل ينبغي أن نقوم بتوثيق جرائم الصهينة والتطبيع الإعلامية ورصدها، لجر قيادات الكيان الصهيوني والداعمين لهم أمام المحاكم الوطنية والدولية، فالتحرك القانوني والإعلامي المتكامل والتعاون مع المنظمات الحقوقية لتوثيق الجرائم إعلاميًا وقانونيًا وإنتاج ملفات مرئية وكتابية يمكن أن تُستخدم كأدلة أمام المحاكم الدولية مع توثيق وفضح ازدواجية المعايير لدى الحكومات الغربية والمؤسسات الإعلامية الكبرى.
6- أن ندرك أن زمن الكيانات الإعلامية الصغرى والمتشرذمة والمتنافرة والمحلية قد ولى، وأنه لا بد من بناء شبكات إعلامية عابرة للحدود، وهو أمر صار ممكنا في ظل هذا الانفجار التواصلي الهائل، لهذا فلا بد من تنسيق حملات مشتركة بين الإعلاميين العرب والمسلمين والإنسانيين في مختلف الدول لتبادل المواد الإعلامية وتوفير محتوى مشترك يمكن ترجمته ونشره عالميًا، مع الحفاظ على الاستمرارية وتجنب موسمية التغطية، وضمان استمرار الاهتمام بغزة حتى بعد انتهاء ذروة الأحداث، وتخصيص مساحات دائمة في البرامج والصحف والمواقع للملف الفلسطيني، وأن ننتقل من وظيفة الإخبار المرتبط بالأحداث إلى التوعية والتثقيف المرتبط بقضية.
الخاتمة
طوَّر “الكيان” على مدى أربعة عقود مشروع “هسبراه”،”Hasbara” لتنفيذ الخطط الرسمية للدعاية والتواصل العام من خلال وزارة الخارجية وذراع الإعلام التابعة للجيش بغية الترويج لسردية إيجابية أو تبريرية لسياساته، وإنقاذه من الانتقادات، وبذل الأموال والموارد البشرية لاستهداف الدبلوماسيين والإعلاميين، ويكفي أن نعرف أن الكيان أنفق فقط خلال الأسبوع الأول من طوفان الأقصى الأول حوالي 7 ملايين دولار لتلميع صورته وتأييد مبررات جرائمه داخليا وخارجيا وحتى عربيا، باعتماد استراتيجيات متعددة كشراء الوكالات والقنوات والمنصات أو ابتزازها أمنيا وماليا، ترويج المعلومات الخاطئة والشائعات، وشيطنة الرواية العربية والفلسطينية، والتشكيك في الوقائع وخلط الحقائق، نحت المصطلحات والمفاهيم وعولمتها، تغطية وإخفاء الجرائم والتقارير والتعمية عليها إعلاميا، ممارسة الضغط الإعلامي والنفسي على بعض المؤسسات والوجوه الحرة والمستقلة وابتززها، ومن هنا كان لا بد من الاشتغال بنفس الاستراتيجيات ومحاصرة الجرثومة الصهيونية.
وختاما سأورد مثالين على الاهتمام المبكر لمؤسسي الحركة الصهيونية بالإعلام وإدراكهم لوظائفه كقوة ناعمة يمكن من خلالها توجيه الرأي العام وتغيير مجريات الأحداث وأهميته في إنشاء دولة “إسرائيل”، يقول “تيودور هيرتزل” في افتتاحية العدد الأول من مجلة “دي والت” صراحة، الهدف الأساسي للمجلة هو أن تُصبح حامية للشعب اليهودي، وسلاحاً ضد أعدائه، ويقول “ديفيد بن غوريون”، أول رئيس وزراء للاحتلال: “لقد أقام الإعلام دولتنا على الخريطة، واستطاع أن يتحرك للحصول على شرعيتها الدولية، وتكريس جدارة وجودها، قبل أن تصبح حقيقة واقعة على الأرض”.