ماذا يعني أن أكون امرأة غربية -من كتاب الاسلام والحداثة، ص 211-

Cover Image for ماذا يعني أن أكون امرأة غربية
-من كتاب الاسلام والحداثة، ص 211-
نشر بتاريخ

رسمنا من قبل المعالم الرئيسية لوضعية المرأة المسلمة ونعرج الآن على تحليل وضع المرأة الغربية.

لو كانت المسَلَّمة الدوابية حقيقة ولم يكن الرجل والمرأة سوى قردين متطورين يعبران هذه الحياة دون غاية لكان من الحيف الشديد أن نمنعهما من أن ينهلا من ملذات الحياة، ولكانت النساء جنة الرجل اللائي يطمع بكل مشروعية في التمتع الكامل بهن دون قيد أو شرط. وبما أن هذه المسلمة هي الأساس الذي ينبني عليه تصور وممارسة دور المرأة في الغرب، فإنه –انطلاقا من هذه “الحقيقة” المزيفة واستناداً إلى وضعية المرأة في بلادنا- فإن الحضارة الغربية الدوابية الانحلالية تتيه علينا وتتهم الإسلام بالحَيف والظلم ومعاداة المرأة، وتدين الشريعة الإسلامية باعتبارها غُلا في عنق المرأة.

لنصغ إذن إلى أوروبي غير متحيز ينتقد “ميل الغرب (المناصر للمرأة) في تحليله إلى سلوك طرق يثير اختزالها الاستغراب”. يدين فرنسوا بورغا إحدى السبل القصيرة السهلة التي يسلكها الغرب في تحليله الإيديولوجي للوضعية النسائية في الإسلام: (اعتاد الغرب) أن يختزل حركية كل تعديل للموقف الإيديولوجي في الجنوب ويحصرها في “تعبئة” (ضد النساء). في غيتو تحليلي تمثله كراهية المـرأة “بل التمييـز العنصري ضدها، وتلخصه مبـادئ تفسـيرية مطلقة، فتعرض (على العالم) صورة ملتحين متوحشين يلفون قسرا وجوها لطيفة لفتيات رقيقات بحجاب ثخين) 1 .

ليتساءل بعد ذلك: ألا يمكن أن تكون (قضية المرأة) قضية النظرة الغربية للصحوة الإسلامية؟ ) 2 .

علما أن الحكم الحصيف الذي يصدره هذا الباحث العادل لا ينطلق من نفس المبدإ الذي ندين به ولا ينتقد دوابية النظرة الغربية للمرأة، أوروبية كانت أم مسلمة. لكننا نكتفي بالتخصيص الاعتباطي “للغيتو التحليلي” باعتباره تحكيما.

نرافق فرنسيا آخر لنطل على الذكورية الغربية وندرك مدى معاناة المرأة الغربية. يؤكد عالم السكان جون كلود جيسني فيما نقل عنه ميشال جوديه أن جميع نساء المجتمعات المتقدمة -يابانيات كن أم صينيات أم مواطنات في جنوب شرق آسيا وفي أمريكا وفي أوربا أو مسلمات في أوربا أو في المغرب العربي- يُعانين من مأساة المثقفات اللواتي يحاولن التوفيق بين مسؤوليتهن المهنية وحياتهن الأسرية) 3 .

تفوق المرأة الغربية مثيلتها في مجتمعاتنا في مجال التعليم والنشاط الإنتاجي والاستقلال الاقتصادي الذي يقيها غائلة الحاجة، بينما تظل المرأة عندنا تحت رحمة الرجل. لكن هذا التفوق لا يمنع المرأة الغربية من أن تعيش مأساة فردية واجتماعية عميقة.

تبكي نخبتنا المغربة حالة المرأة المسلمة في بلداننا المتخلفة. ولها الحق، كما للمثقفات المناصرات للمرأة، في إدانة البؤس النسائي الذي يستوطن ديارنا. لكننا نختلف معهم جميعا بعد ذلك.

فهم ينصحون بتدارك “التخلف التاريخي” لمجتمعنا عن ركب المجتمعات الغربية. ونرى نحن أن المحاكاة العمياء للحضارة الغربية إضافة إلى التيه الروحي الذي ينتج عنها تقودنا مباشرة إلى المأساة الاجتماعية والأخلاقية التي تعاني منها المرأة في البلدان المتقدمة. وليلزم “معزله” من شاء !

فلا يعدو “التقدم” المزعوم الذي تتشدق به مناضلاتنا المغربات أن يكون طُعما خادعا. وأي تقدم هو ذاك الذي ينزع المرأة من براثن الرجل الفظ ليلقي بها فريسة سهلة بين مخالب الرجل، مجردَ متاع يتلذذ به الرجل، دميةً مزينةً، دميةً من شمع، دمية من تبن !

أما النزعة الطبيعية للمرأة فتعاني الكبت في المجتمعات المتقدمة، بل إنها تتعرض للاغتيال الممنهج الذي لا تعوزه الأعذار الاقتصادية والثقافية.

إن كل امرأة تعتز بإنسالها للنوع البشري وبتأمينها استمرار الجنس البشري. ولذلك تفقد المرأة توازنها حين تختل لديها هذه الوظيفة أو تتلاشى، بل ينهار المجتمع الذي تعيش فيه. تلك مأساة المرأة المعاصرة التي سيصفها بعد قليل أحد المتخصصين.

لكننا نتساءل قبل ذلك: ما معنى أن تكون المرأة أما في الإسلام؟

يروي البخاري ومسلم “أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله: من أولى الناس بصحبتي؟ أجابه الرسول صلى الله عليه وسلم: أمك. فأعاد عليه السؤال مرتين ليتلقى نفس الجواب. ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن سأله للمرة الرابعة: أبوك”. تقدير تحظَى به الأم في الإسلام الذي حماها طفلة وكرمها امرأة وزوجة.

أما الملاحظون الغربيون والمناضلات المتثاقفات، من يتباكى منهم ومنهن مسبقا على الوضع المأساوي الذي تعده الحكومة الإسلامية القادمة للمرأة فإنهم يجهلون تماما تعاليم الإسلام وعنايته الفائقة بالنساء مهما بلغ سنهن. علما أن رعايته للأمهات متميزة، لأن الأم هي رمز الحياة، والحياة مقدسة في الإسلام. بل إن دائرة هذا التكريم تتسع لتشمل الأم غير المسلمة. ولذا، حين زارت بنتَ أبي بكر أمُّها الباقية حينئذ على شركها، استشارت النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها عليه السلام بحسن استقبالها وإكرام وفادتها.


[1] .La société en quête de valeurs, p 210, Paris 1996
[2] نفسه، ص 211.
[3] .Futuribles, N : 202, p.p 68-69