نظم المركز الدولي للقيم الإنسانية والتعاون الحضاري (ICVCC) مؤتمرا علميا دوليا حول موضوع “المشترك الأخلاقي الإنساني ودوره في بناء عالم يسوده العدل والسلم والتراحم”، يوم السبت 12 شتنبر الجاري بالعاصمة البريطانية لندن، بمشاركة باحثين ومفكرين ومهتمين من جنسيات ودول متعددة.
جلسات غنية ومشاركون من مشارب شتّى
المؤتمر الذي توزعت أشغاله على عدة جلسات علمية حوارية، أصدر في نهاية أشغاله “إعلان لندن للمشترك الأخلاقي الإنساني” الذي شدّد على أن “تجاوز الأزمات العالمية لا يمكن أن يعتمد على منطق القوة والمصالح وحده، وإنما يحتاج كذلك إلى استعادة البعد الأخلاقي في العلاقات الدولية، وربط السياسة بالقيم، والقوة بالمسؤولية، والسيادة باحترام الكرامة الإنسانية”.
وقد تحدث في المؤتمر ثلة من المفكرين والباحثين والأكاديميين، وهم الدكاترة: حسن اليوسفي المغاري الباحث في الإعلام والاتصال الرقمي، ومحمد حمداوي رئيس المركز الدولي للقيم الإنسانية والتعاون الحضاري، ورفيق عبد السلام وزير الخارجية التونسي الأسبق، وأحلام الطاهري الباحثة في إدارة المعرفة المؤسسية، ونوال السعدي أكاديمية في العلاقات الدولية، والمصطفى بنموسى رئيس المركز الدولي للأبحاث والدراسات التربوية والعلمية، وعصام عبد الشافي رئيس أكاديمية العلاقات الدولية، ومحمد فخري صويلح مستشار المصرفية الإسلامية والأوقاف، وفارح عثمان عبد القادر محمد وزير التربية والتعليم العالي في الصومال سابقاً، وحسن العناني أستاذ مشارك في قسم القيادة التربوية ومحو الأمية والأسس الاجتماعية بجامعة ويسكونسن، وحفيظة الفرشاشي رئيسة جمعية مكارم للأخلاق والقيم، ورحاب عبد الرحمن الشريف مديرة مركز أجيال لبناء القيم والتعلم، وإبراهيم أحمد مهنا عن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ومحمد عفان مدير أكاديمية الشرق، وعبد الحكيم الحجوجي رئيس الائتلاف العالمي للأخلاق والقيم الإنسانية، وخوان أنطونيو موخيكا (Juan Antonio Mujica) جامعة بويبلا المستقلة، وسعد أحمد سلامة أكاديمي وخبير في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الزيتونة، وحفصة المفتي زاده مهندسة وباحثة متخصصة في العلاقات الدولية.
وخصصت الجلسات لنقاش وتحليل قضايا وإشكالات هامة؛ المشترك الأخلاقي والعدالة الدولية، والمشترك الأخلاقي والدبلوماسية في عالم متغير، والمشترك الأخلاقي وبناء الوعي العالمي، والمشترك الأخلاقي بين الكونية والخصوصية، والمشترك الأخلاقي والتراحم الإنساني في عالم متعدد الأقطاب…
“إعلان لندن” يستحث على استعادة البعد الأخلاقي في العلاقات الدولية
وقد أفضى المؤتمر ومناقشاته العلمية والفكرية، وما أفرزته المداخلات والنقاشات من رؤى وتحليلات بشأن التحولات التي يشهدها النظام الدولي، وما يرتبط بها من أزمات سياسية وإنسانية وأمنية واقتصادية وثقافية؛ إلى “إعلان لندن” الذي شدّد على أن البشرية رغم تعدد ثقافاتها وحضاراتها وخصوصياتها تتقاسم “منظومة من القيم والمبادئ الإنسانية الأساسية، وفي مقدمتها الكرامة والعدل والحرية والسلم والتضامن والتراحم واحترام الإنسان ونبذ الظلم والكراهية والعنف”. وأكد أن تجاوز الأزمات العالمية لا يمكن أن يعتمد على “منطق القوة والمصالح وحده”، وإنما يحتاج كذلك إلى “استعادة البعد الأخلاقي في العلاقات الدولية، وربط السياسة بالقيم، والقوة بالمسؤولية، والسيادة باحترام الكرامة الإنسانية”.
وحبل “إعلان لندن للمشترك الأخلاقي الإنساني” بجملة من التوصيات الهامة، منها الدعوة إلى تطوير إطار علمي ومفاهيمي للمشترك الأخلاقي الإنساني، مع التأكيد على أن الكرامة الإنسانية تمثل نقطة ارتكاز أساسية للمشترك الأخلاقي، وإنشاء شبكة دولية للباحثين والمفكرين والجامعات والمؤسسات المتخصصة في دراسة المشترك الأخلاقي الإنساني.
وفي مجال العدالة والعلاقات الدولية، تمت الدعوة إلى إعادة الاعتبار للعدالة باعتبارها أساساً لاستقرار النظام الدولي، والتأكيد على ضرورة تطبيق مبادئ القانون الدولي والقواعد الإنسانية بصورة متساوية على جميع الدول والشعوب دون ازدواجية في المعايير. وفي مجال الدبلوماسية والسلم بين الدول، دعا المؤتمرون إلى تشجيع الدول والحركات على إعطاء الأولوية للحوار والتفاوض والوساطة والوقاية من النزاعات، والحد من اللجوء إلى القوة واعتبارها وسيلة أولى لمعالجة الخلافات الدولية، مع التأكيد على أن السلام المستدام لا يعني مجرد غياب الحرب، وإنما يقتضي معالجة أسباب النزاعات وتحقيق العدالة والتنمية والكرامة الإنسانية، والحرية والمصالحة المجتمعية.
أما في مجال التربية والإعلام والثقافة، فجرى تشجيع وسائل الإعلام والمؤسسات الإعلامية والرقمية على تبني خطاب مسؤول يسهم في الحد من خطاب الكراهية والعنصرية والتحريض والعنف، والعمل على بناء منظومات قانونية حافظة لهذا الأمر. إضافة إلى دعم هيئات المجتمع المدني المشتغلة في مجال القيم الإنسانية، حتى تتمكن من أداء أدوارها التوعوية على أرض الواقع.
“إعلان لندن”، دعا أيضا، في مجال التراحم والتضامن والمسؤولية الإنسانية، إلى تحويل قيمة التراحم الإنساني من مبدأ أخلاقي إلى ممارسة مؤسساتية وسياسات عملية، خاصة في التعامل مع ضحايا الحروب والكوارث والأزمات الإنسانية. وحث على تفعيل وتعزيز التعاون الدولي في مواجهة الأزمات الإنسانية العابرة للحدود، ودعم المبادرات التي تجعل التضامن والمسؤولية المشتركة أساساً للاستجابة للكوارث والنزوح والفقر والأزمات الإنسانية.
أما في مجال بناء آليات دولية للمشترك الأخلاقي، فتمت الدعوة إلى تحويل مخرجات هذا المؤتمر إلى مسار مؤسساتي مستدام، من خلال إطلاق “إعلان لندن للمشترك الأخلاقي الإنساني” باعتباره وثيقة مرجعية مفتوحة أمام الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الدولية والثقافية والمدنية. وتشجيع الحكومات والمؤسسات المانحة، والجامعات ومراكز البحث على تخصيص برامج ومنح لدعم الدراسات والمشاريع التطبيقية المرتبطة بالقيم الإنسانية المشتركة والوقاية من النزاعات والحوار بين الحضارات. وكذا تشجيع بناء شراكات بين منظمات المجتمع المدني الدولي من أجل تعزيز مكانة المشتركات القيمية وتثبيت دعاماتها.