لمسات إحسانية: في البدء كان المسجد.. ومن المسجد وإليه

Cover Image for لمسات إحسانية: في البدء كان المسجد.. ومن المسجد وإليه
نشر بتاريخ
المصطفى مسالي
المصطفى مسالي

(1)

المسجد عنوان الرجعة والتوبة بعد التوبة.

تتنكب الطريق عندما تظن أن المنطلق غير المسجد.

من جانب المحراب، ومن على حصيرة المسجد يبدأ السير القاصد لحركة الإسلام نحو ساحات الفعل وميادين الجهاد، وإلا كان وجودها استعراضا وما يغني الاستعراض والقلوب غافلة والمنطلق مخروم.

في البدء كان المسجد ومن المسجد وإليه.

(2)

يتهارش السياسيون ويتعالى لغط الساحة وهذيان العالم وهوسه، وتكثر التكهنات والتخرصات: علاقات بين العباد غافلة عن رب العباد.

الموعد المسجد يا من تريد التوبة والرجعة والإقبال على الله عز وجل، الموعد المسجد يا من تريد تجديد الخلافة من جديد، الموعد المسجد يا من تريد تجديد اللقاء التاريخي النوراني المقدس: لقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بصحابته الكرام، وإلا فكيف يصل بالنبع من هو مقطوع؟

ماذا يفيد أن يتسكع المرء في دروب الغفلة عن الله، ويعرض عن بركات الرباط: انتظار الصلاة بعد الصلاة، ويظن أنه قادر على الفعل، قادر على التغيير، هيهات هيهات فمن لم تحلق به روحه إذ هو على حصيرة المسجد البالية فلن يطير به بساط السندباد.

من فناء الكعبة والمسجد الحرام انطلقت مسيرة عظيمة ابتدأت بصحبة مباركة وثنت بجماعة مجاهدة أقامت دولة على مرأى ومسمع من ملإ القرشيين المتربصين.

المنطلق صحبة وجماعة في فناء الكعبة والمسجد الحرام.

الإسلام الفكري والتوبة الفكرية شتات وسطحية وضياع في ميادين الجدل تواترت ضحاياه وكثرت نكباته.

التوبة الفكرية العقلية انحصار واندثار، وإلا فالمعول عليه اقتباس القلوب من القلوب.

من بوابة المسجد ينبغي أن ندلف، ومن صحبة أهله ينبغي أن نقتبس.

نَفْس يراد لها أن تستقيم لا بد أن تدلف من محراب الاستقامة أول ما تدلف.

 (3)

منطلق التوبة: الصحبة؛ صحبة أهل المسجد أساسا.

قلب دولة الغفلة والتسيب يبدأ أساسا من صحبة أهل المسجد الذاكرين.

يقول الكاتب الألمعي مصطفى صادق الرافعي رحمه الله في سفره التحفة “وحي القلم”: “فالمسجد هو في حقيقته موضع الفكرة الواحدة الطاهرة المصححة لكل ما يزيغ به الاجتماع. هو فكر واحد لكل الرؤوس. ومن ثم فهو حل واحد لكل المشاكل وكما يشق النهر فتقف الأرض عند شاطئيه لا تتقدم، يقام المسجد فتقف الأرض بمعانيها الترابية خلف جدرانه لا تدخله… فما المسجد بناء ولا مكانا كغيره من البناء والمكان، بل هو تصحيح للعالم الذي يموج من حوله ويطرب، فإن في الحياة أسباب الزيغ والباطل والمنافسة والعداوة والكيد ونحوها، وهذه كلها يمحوها المسجد، إذ يجمع الناس مرارا في كل يوم على سلامة الصدر، وبراءة القلب وروحانية النفس، ولا تدخله إنسانية الإنسان إلا طاهرة منزهة مصبغة على حدود جسمها من أعلاه وأسفله شعار الطهر الذي يسمى الوضوء، كأنما يغسل الإنسان آثار الدنيا عن أعضائه قبل دخول المسجد”.

روح المسجد وفيضه مما يطرد الله به الزور، ويكشف به كيد الأنفس والنفاق السياسي المستور.

(4)

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ”إن للمساجد أوتادا، الملائكة جلساؤهم إن غابوا افتقدوهم وإن مرضوا عادوهم وإن كانوا في حاجة أعانوهم، جليس المسجد على ثلاث خصال: أخ مستفاد أو كلمة حكمة أو رحمة منتظرة” رواه الحاكم وقال صحيح على شرطهما.

على الأوتاد نبني ثم ننطلق، وإلا فخيمة التغيير ستعصف بها الرياح: رياح الغفلة، رياح الإسلام الفكري الطاحونية، رياح التسطيح والسطحية المقيتة.

كيف يطيب لي أن أطيل العنق في المجالس، وأنا لم أنل بعد من بركات الرباط، وتهجد الثلث الأخير من الليل، وقراءة القرآن وزيارة القبور، وحلق الذكر؟

المقدمات التربوية أساس كل نهضة وتغيير.

(5)

مسجدي هو من يريد تجديد الخلافة وإعادة الفتل من جديد، يسبق الأذان إلى المسجد، يحث الخطى إليه، يدخل الأوقات الإلهية بأدب، لا تفوته البلاليتان، يتغير لونه لحظة الأذان، وكأني أراه في مسجده تارة متبتلا وأخرى باكيا، وطورا ممرغا جبهته من على حصيرته، ينتظر الصلاة بعد الصلاة، يرابط ما بين العشاءين، وكذلك دأب الصالحين: شغل ما بين العشاءين بالذكر والأنس بالله عز وجل مقبلين عليه بقلوبهم وأرواحهم.

مسجدي هو من يريد إعادة الفتل من جديد، عرفته سواريه، وبكته لياليه، وسكنت إليه جوانبه، وانطوى فيه عالمه. آه كم هو جميل فضاء المسجد، وروحانية أهل المسجد.

مسجدي هو، يحذر الانكفاء والانزواء، ينطلق إلى ساحات العمل والمدافعة والمثافنة السياسية وقلبه مشدود إلى السماء، وإلا فكيف بالأرضي المقطوع أن يعيد الفتل والبناء من جديد؟

يا أيها العُبَيد وأنت في بحر القرن الموصول بقرن الخلافة، ما اسمك وما عنوانك في ميادين الإقبال والدعوة والجهاد والتوبة بعد التوبة؟!