لماذا تناهضون التطبيع؟ أمام قوة الدعاية الإعلامية الصهيونية والمتصهينة، وأمام هذا التيار الجارف من التسطيح والتمييع، نجد أنفسنا مضطرين في كل مناسبة للإجابة عن هذا السؤال الذي تفرضه علينا الأمية السياسية وفشو الرداءة والتفاهة وأيضا البلادة الحسية والمعرفية.
أولاً: مبدئيا وأخلاقيا
في اعتقادي يُعدّ التطبيع، تعارضاً صريحاً مع الثوابت التاريخية للشعب المغربي في دعم القضية الفلسطينية ورفض الاحتلال والاستيطان، فالتعاون مع دولة متهمة دولياً بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، في ظل استمرار العدوان والحصار والتهجير خاصة بعد مجازر 7 أكتوبر2023، هو بكل تأكيد شرعنة للاحتلال، وإسهام غير مباشر في إطالة أمد معاناة الشعب الفلسطيني، وتقويض لمبدأ نصرة المظلوم الذي شكّل ركيزة في الوجدان المغربي الرسمي والشعبي.
ثانياً: سياسيا وسياديا
قرار التوقيع على اتفاق التطبيع لم يُبنَ على نقاش وطني واسع أو تفويض شعبي صريح، بل حتى من وقع عليه رسميا وهو رئيس الوزراء فوجئ به “كأيها الناس”، ومن المعلوم أن الاتفاق جاء في سياق مقايضات جيوسياسية ظرفية، ما يجعله مساراً هشّاً من حيث المشروعية الديمقراطية، ويُثير قلقا بالغا من تغلغل النفوذ الصهيوني في مفاصل استراتيجية (الأمن، التكنولوجيا، المعلومات)، بما قد يمسّ بالقرار السيادي على المدى المتوسط والبعيد.
ثالثاً: أمنيا وعسكريا
أعتقد أن التنسيق الأمني والعسكري أخطر مستويات التطبيع، إذ لا يقتصر على تبادل الخبرات، بل ينقل عقيدة أمنية قائمة على القمع والمراقبة، جرى اختبارها على الشعب الفلسطيني، وتخشى الجبهة والهيئة من انعكاسات ذلك على الحريات العامة، وعلى تحويل المغرب إلى جزء من محاور إقليمية متوترة تخدم أجندات خارجية أكثر مما تخدم الاستقرار الحقيقي، وهذا ما تم اختباره على مدى 5 سنوات من قمع الحريات وقمع المظاهرات ومحاكمة الآراء المختلفة.
رابعاً: اقتصاديا وتنمويا
أعتقد أن الوعود الاقتصادية المصاحبة للتطبيع مبالغ فيها، ولم تُثبت التجربة أنها تحقق تنمية عادلة أو مستدامة، بل يُخشى أن يتحول التعاون إلى علاقة غير متكافئة، تُستنزف فيها الموارد والأسواق المحلية، مقابل مكاسب محدودة لفئات ضيقة، دون أثر ملموس على العدالة الاجتماعية أو التشغيل، وهذه نتائج مؤكدة من سوابق الأردن ومصر ودول إفريقية.
خامساً: شعبيا واجتماعيا
رغم مرور خمس سنوات، ما يزال التطبيع يواجه رفضاً شعبياً واسعاً، يتجلى في الحراك المدني، والبيانات، والمقاطعة، والتضامن المتواصل مع فلسطين، وهذا الرفض يعكس اتساع الفجوة بين السياسات المخزنية الرسمية والضمير الجمعي للمغاربة، واستمرار تجاهل هذا المعطى قد يفضي إلى توترات سياسية وقيمية داخل المجتمع، خاصة مع محاولات النظام الممنهجة والحثيثة لاختراق منظومة القيم داخل المجتمع من خلال مؤسستي العلماء عبر تأميم المنابر والتعليم عبر التطبيع على التربية.
من كل هذا يمكن أن نخلص إلى أن مسار التطبيع، بعد خمس سنوات، لم يعزز الاستقرار والأمن في العالم، ولم يحقق السلام، بل اتسع العدوان الصهيوني ليستبيح دولا ذات سيادة في المنطقة كلبنان وسوريا وخارجها كاليمن وإيران وحتى قطر الحليف والشريك، ولم يحمِ التطبيع أيضا الحقوق الفلسطينية وهذا ما فضحته سنتين من الإبادة الجماعية في غزة، ولم يُنتج مكاسب وطنية محسومة، بل أسهم في تطبيع الظلم وتبييض صورة الاحتلال، وعليه، فالمراجعة الشاملة لهذا المسار، والانحياز الصريح لحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، تظل ضرورة أخلاقية وسياسية، وخطوة منسجمة مع تاريخ المغرب ومكانته في وجدان الأمة.