لقد كان في قصصهم عبرة.. سيدنا أيوب عليه السلام (7)

Cover Image for لقد كان في قصصهم عبرة.. سيدنا أيوب عليه السلام (7)
نشر بتاريخ
سعيد ضياء
سعيد ضياء

قال الله تعالى: وَأَيُّوبَ إِذْ نَاد۪يٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّے مَسَّنِيَ اَ۬لضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ اُ۬لرَّٰحِمِينَۖ (82) فَاسْتَجَبْنَا لَهُۥ فَكَشَفْنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرّٖۖ وَءَاتَيْنَٰهُ أَهْلَهُۥ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةٗ مِّنْ عِندِنَا وَذِكْر۪يٰ لِلْعَٰبِدِينَۖ[سورة الانبياء الآية 82-83]

هذه قصة نبيّ من أنبياء الله، لا يهمّنا أين وقعت، ولا يهمّنا إلى أيّ عرق ينتسب صاحبها، كما لا يهمّنا لونه وشكله ولغته، المهمّ هو أنّه أحد بني آدم الذين اختارهم المولى الكريم سبحانه لخدمته واصطفاهم لنبوته.

في جزء من هذه الأرض الشاسعة، وسط قومه، كان سيدنا أيوب -عليه السلام- بشرا مثلهم، لا يختلف عنهم إلا بدماثة أخلاقه، وسعة برّه، وطلاقة وجهه، وكثرة إحسانه إلى خلق الله.

آتاه الله مالا وفيرا – من كلّ صنف- فكان ينفقه على المساكين والأرامل والأيتام، ويقري الضيف ويعين الملهوف ويصل به الأرحام.

لكنّ المولى عزّ وجلّ يبتلي عباده الصالحين بأنواع البلاء. فيختبر شكرهم ويبلو صبرهم، يرى حالهم عند البسط وعند القبض، عند المنع وعند العطاء، في السراء وفي الضراء.

وبعد سنين طويلة في البسط، ابتلاه الله عزّ وجلّ بالمنع، وامتحنه بذهاب المال والأهل.

“ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، ومتى فتح لك باب الفهم في المنع صار المنع عين العطاء” 1

قال القرطبي رحمه الله تعالى: “… وروي أن أيوب – عليه السلام – كان رجلا من الروم ذا مال عظيم، وكان برا تقيا رحيما بالمساكين، يكفل الأيتام والأرامل، ويكرم الضيف، ويبلغ ابن السبيل، شاكرا لأنعم الله تعالى، وأنه دخل مع قومه على جبار عظيم فخاطبوه في أمر، فجعل أيوب يلين له في القول من أجل زرع كان له فامتحنه الله بذهاب ماله وأهله، وبالضر في جسمه حتى تناثر لحمه وتدود جسمه، حتى أخرجه أهل قريته إلى خارج القرية، وكانت امرأته تخدمه.”

ومسّه ضرّ خطير في بدنه فانثال الدود على جسده الطيب ينهشه نهشا حتى تناثر اللحم، وبرز العظم.

وتنكّر له الأحباب، وتباعد عنه الأصحاب، واستقذره قومه فأخرجوه من قريتهم، ولم يبق معه إلا امرأته.

إذا قلَّ مالي فما خِلٌ يصاحبني … وفي الزيادة كلُ الناس خلاني

كم من عدوٍ لأجل المال صادقني … وكم صديق لفقد المال عاداني 2

ولم يكن مرضا عارضا ليوم أو يومين، أو أسبوع أو أسبوعين، أو شهر أو شهرين، بل لقد طال هذا الداء وتمكّن من جسده المبارك لسنين عديدة وأعوام مديدة. فقد روى سيدنا أنس –رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنَّ أيُّوبَ نبي الله لَبث به بَلاؤُه ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَة، فَرَفَضه الْقَرِيبُ والبَعِيدُ”. الحديث 3

وأصيب الجسد بالهزال، وذهبت تيك النضارة وذبل الجمال، وتغيّر الحال، وانفض عنه الآل.

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: “يذكر تعالى عن أيوب، عليه السلام، ما كان أصابه من البلاء، في ماله وولده وجسده، وذلك أنه كان له من الدواب والأنعام والحرث شيء كثير، وأولاد كثيرة، ومنازل مرضية. فابتلي في ذلك كله، وذهب عن آخره، ثم ابتلي في جسده – يقال: بالجذام في سائر بدنه، ولم يبق منه سليم سوى قلبه ولسانه، يذكر بهما الله عز وجل، حتى عافه الجليس، وأفرد في ناحية من البلد، ولم يبق من الناس أحد يحنو عليه سوى زوجته، كانت تقوم بأمره، ويقال: إنها احتاجت فصارت تخدم الناس من أجله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل” وفي الحديث الآخر: “يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه” .
و لقد صبر سيدنا أيوب عليه السلام صبرا شهد به المولى عزّ وجلّ: اِنَّا وَجَدْنَٰهُ صَابِراٗۖ نِّعْمَ اَ۬لْعَبْدُۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٞۖ (43) [سورة ص الآية 43]

بعد المدة التي كتب الله له أن يقضيها في البلاء، يمنّ المولى الكريم بالعطاء، ويطلق اللسان بالطلب ليجود بالشفاء،

رحم الله ابن عطاء الله السكندري فقد قال “متى أطْلَقَ لسانَكَ بالطَّلبِ؛ فاعْلَمْ أنَّه يُريدُ أنْ يُعطيَكَ.”

ونادى سيدنا أيوب –عليه السلام- ربّه قائلا: أَنِّے مَسَّنِيَ اَ۬لضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ اُ۬لرَّٰحِمِينَۖ 

أي طلب، وأي أدب…

بالله عليك –يا أُخيّ- أتشعر بأنه تعب وضجر؟

أتشمّ من خلال هذا النداء رائحة عدم الرضا وانعدام الصبر؟

والله ما هناك شكوى، ولا تأفّف من البلوى، بل هي النجوى، حينما يناجي الحبيب حبيبه…

قال تعالى: أَنِّے مَسَّنِيَ اَ۬لضُّرُّ “قال القشيري” كان ذلك منه إظهارًا للعجز، لا اعتراضًا، فلا يُنافي الصبر، مع ما فيه من التنفيس عن الضعفاء من الأمة، ليكون أسوة.

وقال الورتجبي: سُئل الجنيد عن قوله: {مسّني الضر}، فقال عرّفه فاقة السؤال، ليمنّ عليه بكرم النوال.” 4.

واسمع إلى هذه الهمسة ما أعذبها، وما ألذّها، وما أحلاها، وَأَنتَ أَرْحَمُ اُ۬لرَّٰحِمِينَۖ 

عرض الحال، ولم يذكر السؤال، وهذا من تمام أدب أهل الكمال…

وكأنه يقول له: علمك –يا سيدي- بحالي يغنيني عن سؤالي.

قال الشيخ سيدي أحمد بن عجيبة –رحمه الله تعالى-: “… وَأَنتَ أَرْحَمُ اُ۬لرَّٰحِمِينَۖ، تلطف في السؤال؛ حيث ذكر نفسَه بما يوجب الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة، ولم يصرح بالمطلوب؛ من كمال أدبه، فكأنه قال: أنت أهل أن تَرحم، وأيوب أهل أن يُرحَم، فارحمه، واكشف عنه ضره الذي مسه. عن أنس: أنه أخبر عن ضعفه حين لم يقدر على النهوض إلى الصلاة، ولم يشتك، وكيف يشكو، والله تعالى يقول إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ.
وقيل: إنما اشتكى إليه؛ تلذذًا بالنجوى، لا تضررًا بالشكوى، والشكاية إليه غاية في القُرب، كما أن الشكاية منه غاية في البُعد”

ورغم شدّة البلاء، فإن سيدنا أيوب –عليه السلام- لم يضق به صدره، ولم ينتقص صبره. ولم يسأم فيذهب أدبه.

لقد بقي شامخا ثابتا صابرا محتسبا، حتى في حالات الضغط التي كان يتعرض لها بين الحين والآخر حينما تلحّ عليه زوجه أن يسأل الله العافية، حتى حينما يمرّ به من يمرّ من قومه فيُسمعونه من علقم القول وقطران العبارة: لعلّه أذنب ذنبا لا يغتفر، لقد طال سقمه وأتمّ في العذاب ثمانية عشر…

ويمنّ الكريم الوهاب، ويكشف عن عبده أيوب السقم والعذاب، ويخرج له من تحت قدميه ماء منه مغتسل بارد وشراب، ويردّ عليه أهله ومثلهم معهم رحمة منه وذكرى لأولي الألباب،

اُ۟رْكُضْ بِرِجْلِكَۖ هَٰذَا مُغْتَسَلُۢ بَارِدٞ وَشَرَابٞۖ (41) وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ أَهْلَهُۥ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةٗ مِّنَّا وَذِكْر۪يٰ لِأُوْلِے اِ۬لَالْبَٰبِۖ [سورة ص الآية 41-42]

ولله درّ الشيخ سيدي أحمد بن عجيبة –رحمه الله تعالى- فقد أحسن الإشارة، وانتقى للبشارة أجمل العبارة، سلوى لأهل الضّرارة: “ما ينزل بالمؤمن من الأوجاع والأسقام والشدائد والنوائب، في النفس أو في الأهل، كله رحمة عظيمة، ومنَّة جسيمة، ويقاس عليه: مفارقة الأحباب والأوطان ومشاق الأسفار والمتاعب البدنية، ويُسمى عند الصوفية: التعرفات الجلالية؛ لأن الله تعالى يتعرف إليهم بها؛ ليعرفوه عيانًا، ولذلك تجدهم يفرحون بها، وينبسطون عند ورودها؛ لما يتنسمون فيها، ويجدون بعدها، من مزيد الاقتراب وكشف الحجاب، وطي مسافة البُعد بينهم وبين رب الأرباب، فهم يؤثرونها على الأعمال الظاهرة؛ لِمَا يتحققون بها من وجود الأعمال الباطنية؛ كالصبر والزهد والرضا والتسليم، وما ينشأ عنها، عند ترقيق البشرية، من تشحيذ الفكرة والنظرة، وغير ذلك من أعمال القلوب”.
وفي الحكم: “إذا فتح لك وجهة من التعرف، فلا تُبالي معها إن قلَّ عملك؛ فإنه ما فتحها لك إلاَّ وهو يريد أن يتعرف إليك منها، ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك، والأعمال أنت مهديها إليه، وأين ما تهديه إليه مما هو مورده عليك؟”.

قال الشيخ ابن عباد رضي الله عنه: معرفة الله تعالى هي غاية المطالب، ونهاية الأماني والمآرب، فإذا واجه اللهُ عبده ببعض أسبابها، وفتح له باب التعرّف له منها، فذلك من النعم الجزيلة عليه، فينبغي ألا يكترث بما يفوته بسبب ذلك من أعمال البر، وما يترتب عليها من جزيل الأجر، وليعلم أنه سلك به مسلك الخاصة المقرّبين، المؤدي إلى حقائق التوحيد واليقين، من غير اكتساب من العبد ولا تَعَمُّلٍ، والأعمالُ التي من شأنها أن يتلبس بها هي باكتسابه وتعمله، وقد لا يسلم من دخول الآفات عليها، والمطالبة بوجود الإخلاص فيها، وقد لا يحصل له ما أمّله من الثواب عند مناقشة الحساب، وأين أحدهما من الآخرة.
ومثاله: ما يُصاب به الإنسان من البلايا والشدائد التي تُنَغِّصُ عليه لذات الدنيا، وتمنعه من كثير من أعمال البر، فإنَّ مرادَ العبد أن يستمر بقاؤه في الدنيا، طيَّبَ العيش ناعمَ البال، ويكون حاله في طلب سعادة الاخرة حال المترفين؛ فلا تسخو نفسه إلا بالأعمال الظاهرة، التي لا كثير مُؤْنَةٍ عليه فيها ولا مشقة، ولا تقطع عنه لذة، ولا يفوته شهوة، ومراد الله منه أن يُطهره من أخلاقه اللئيمة، ويحول بينه وبين صفاته الذميمة، ويُخرجه من أَسْرِ وجوده إلى متسع شهوده، ولا سبيل إلى الوصول إلى هذا المقام على غاية الكمال والتمام، إلا بما يُضادُ مراده، ويشوّش عليه معتادَه، وتكون حاله حينئذ المعاملة بالباطن، ولا مناسبة بينها وبين الأعمال الظاهرة، فإذا فَهِمَ هذا عَلِمَ أن اختيار الله له، ومرادَه منه، خيرٌ من اختياره لنفسه ومراده لها.
وقد رُوِيَ أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه: “إني إذا أنزلت بعبدي بلائي، فدعاني، فماطلتُه بالإجابة، فشكاني، قلت: عبدي كيف أرحمك من شيء به أرحمك”؟ وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “قال الله تعالى: إذا ابتليت عبدي المؤمن فلم يشكني إلى عُوّاده، أنشطته من عقالي، وبدَّلته لحمًا خيرًا من لحمه، ودمًا خيرًا من دمه، ويستأنف العمل”.
ثم نقل عن أبي العباس ابن العريف رضي الله عنه قال: “كان رجل بالمغرب يُدعى أبا الخيَّار، وقد عمّ جسده الجذامُ، ورائحة المسك تُوجد منه على مسافة بعيدة، لقيه بعضُ الناس، فقال له: يا سيدي كأن الله تعالى لم يجد للبلاء مَحلاً من أعدائه حتى أنزله بكم، وأنتم خاصة أوليائه!! فقال لي: اسكت، لا تقل ذلك؛ لأنا لمّا أشرفنا على خزائن العطاء، لم نجد عند الله أشرف ولا أقرب من البلاء، فسألناه إِيّاه، وكيف بك لو رأيت سيّد الزهّاد، وقطبَ العباد، وإمام الأولياء والأوتاد، في غار بأرض طرطوس وجبالها، ولحمُه يتناثر، وجلده يسيل قيحًا وصديدًا، وقد أحاط به الذباب والنمل، فإذا كان الليل لم يقنع بذكر الله وشكره على ما أعطاه من الرحمة، حتى يشدّ نفسه بالحديد، ويستقبل القبلة عامَّةَ ليله حتى يطلع الفجر. هـ.”
 وصلى الله وسلّم على سيدنا محمد وآله وصحبه وحزبه.


[1] الحكم العطائية
[2] لم أقف على صاحب الأبيات
[3] رواه ابن حبان والحاكم وأبو يعلى وصححه الألباني في السلسلة عن أنس بن مالك.  وقال الذهبي في التلخيص: على شرط الشيخين
[4] ذكره الشيخ سيدي احمد بن عجيبة في البحر المديد عند تفسيره للآية 82 من سورة الأنبياء