لعلكم تتقون

هاهو الشهر الأبرك قد أقبل بنوره وعطره، وجاءنا بخيره وطهره، جاء ليربي فينا الإرادة ورباطة الجأش وملكة الصبر، ويعودنا على احتمال الشدائد والجلد أمام العقبات ومصاعب الحياة.
رمضان فرصة العمر السانحة، وموسم البضاعة الرابحة، والكفة الراجحة.
هو مدرسة تربوية لإعداد الرجال وتخريج الأبطال، فيه تعرض علينا الحوافز من أجل أن نرقى بإيماننا ودرجات أعمالنا إلى الأعلى، فنسلك بذلك طريق التقوى ونصبح من المتقين الأخيار.
يقول المولى جل وعلا: يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لَعلكم تتقون.. [سورة البقرة الآية:183].
فقوله سبحانه لعلكم تتقون تعليل لفرضية الصيام، وبيان لفائدته الكبرى وحكمته العظمى..
فالتقوى إذن هي الغاية المنشودة، والدرة المفقودة التي جمعت فلاح الدنيا والآخرة، هي أنفع زاد، وخير لباس، ورأس كل شيء، وجماع كل خير.
والصوم سبب عظيم موصل لها لما فيه من قهر للنفس وكبح لجماحها وكسر لشهواتها، وامتثال لأمر الله واجتناب لنهيه، فالصائم يقبل على الله بكليته، ويجعل من صيامه المعين الأكبر على تزكية نفسه وحفظ جوارحه، فيعيد ما استلبته منه أيدي الشهوات والرغبات، ويمحو ما بدر منه من ذنوب وسيئات، ويتغلب على كل الفتن والمغريات، كما قال طلق بن حبيب: "إذا وقعت الفتنة فأطفئوها بالتقوى".
ثمرات التقوى عظيمة، ونتائجها كبيرة، العاقبة والفلاح والنصر لأهلها، والنور ملازم لأصحابها، والنجاة يوم القيامة لمن حققها، والخسران المبين لمن خالفها.
ولهذا كانت التقوى هي وصيَّة الله لعباده كافة حيث قال سبحانه: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ... [النساء: 131].
ووصية الله للمؤمنين خاصَّة فقد قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 102].
ووصيَّة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى أمَّته؛ فعن أبي ذرٍّ - رضي الله عنه - عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: "اتَّقِ الله حيثما كنتَ، وأَتْبِعِ السيئةَ الحسنةَ تَمْحُها، وخالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حسنٍ" ووصيَّة الصحابة - رضي الله عنهم - لأبنائهم؛ فعن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنَّه كتَب إلى ابنه عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما فقال: " أمَّا بعدُ، فإنِّي أُوصِيك بتَقوَى الله؛ فإنَّه مَن اتَّقَى الله وَقاه، ومَن توكَّل عليه كَفاه..."
وعرفها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - فقال: "التقوى هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقَناعة بالقليل، والاستِعداد ليوم الرحيل".
جعلنا الله وإياكم من المتقين..









