لا نكبة بعد اليوم

Cover Image for لا نكبة بعد اليوم
نشر بتاريخ

كانت نكبة 1948 لحظة مفصلية في التاريخ الفلسطيني والعربي، حيث لم تكن مجرد حدث عابر، بل بداية لمسار طويل من التهجير والاقتلاع وفقدان الأرض والهوية، فمنذ ذلك الحين، ظل الشعب الفلسطيني يعيش حالة من الصراع المفتوح، تتجدد فصوله عبر الحروب والانتفاضات، وتتشكل ملامحه وفق موازين القوى الإقليمية والدولية.

1/ السياق التاريخي للنكبة

جاءت النكبة نتيجة تداخل عوامل عدة، أبرزها السعي لزرع المشروع الصهيوني المدعوم دوليا، وانهيار البنية السياسية العربية آنذاك، فقد أدت حرب 1948 إلى تهجير أكثر من 750 ألف فلسطيني، وتدمير مئات القرى، وتحويل القضية الفلسطينية إلى قضية لاجئين وحقوق مسلوبة، ومنذ ذلك الحين، تشكل الوعي الفلسطيني حول مفاهيم العودة، والمقاومة، والتمسك بالأرض، وتعاقبت بعد ذلك محطات مفصلية، مثل نكسة 1967، التي عمقت الاحتلال ووسعته، وبعدها جاءت الانتفاضة الأولى التي أعادت القضية إلى الواجهة الدولية، وصولا إلى اتفاقيات أوسلو التي شكلت منعطفا سياسيا، وإن بقيت نتائجها محل جدل واسع، فلاهي استعادت الأرض ولا كرست السلام.

2/ التحول بعد 7 أكتوبر

جاءت أحداث 7 أكتوبر 2023، والتي أطلقت عليها المقاومة اسم طوفان الأقصى، لتكون نقطة تحول كبرى في مسار الصراع، فلم يكن الحدث مجرد تصعيد عسكري، بل كشف عن تحولات عميقة في طبيعة المواجهة، وفي إدراك الأطراف المختلفة لمعادلات القوة، ومن أبرز ما أفرزته هذه المرحلة:

1.     إحياء مركزية القضية الفلسطينية في الوعي الدولي، بعد سنوات من التهميش.

2.     تراجع سردية “الصراع المنسي”، حيث عادت فلسطين إلى صدارة الإعلام والسياسة العالمية.

3.     انكشاف ازدواجية المعايير الدولية في التعامل مع حقوق الإنسان والقانون الدولي.

4.     تصاعد التضامن الشعبي العالمي، خاصة في الجامعات والمجتمعات المدنية.

5.     كشف حجم مخططات الهيمنة الصهيو/أمريكية في المنطقة.

6.     تراجع العوامل المصلحية والدوافع الجيواستراتيجية لصالح الصراع الديني العقائدي الصهيو/إنجيلي.

3/ ملامح المرحلة الجديدة

تشير كل المؤشرات بعد 7 أكتوبر إلى أننا أمام مرحلة مختلفة، يمكن وصفها بـ”نهاية النكبة”، ونهاية حقبة وعد بلفور التي طبعت مسار الأحداث وبداية مرحلة “وعد الآخرة”، حيث لم يعد الفلسطيني مجرد ضحية، بل فاعلا مؤثرا جدا رغم حجم التضحيات فهو نجح في هزم المشروع الصهيوني نفسيا وإنسانيا وفي إعادة تشكيل المشهد، ومن أبرز ملامح هذه المرحلة:

1.     تحول في ميزان الخطاب: حيث لم تعد الرواية “الإسرائيلية” مهيمنة كما في السابق، بل باتت تواجه تحديات متزايدة.

2.     صعود دور الفاعلين غير الدوليين: من قبيل حركات المقاومة إلى شبكات تضامن دولية.

3.     إعادة تعريف مفهوم الأمن: لم يعد التفوق العسكري كافيا لضمان الاستقرار، ولو حتى لمن يملك السلاح النووي.

4.     تزايد الضغط القانوني الدولي: من خلال المحاكم الدولية وتقارير المنظمات الحقوقية، التي كشفت همجية الكيان الصهيوني وعنصريته وعزلته سياسيا وحقوقيا.

المؤكد أن النكبة لم تكن مجرد ذكرى تاريخية، بل واقعا مستمرا يتخذ أشكالا جديدة، غير أن ما بعد 7 أكتوبر قد فتح أفقا مختلفا، حيث تغيرت المعادلات، وأعيد صياغة المفاهيم، واقترب الفلسطينيون من استعادة حقوقهم كاملة عبر تحولات سياسية وشعبية دولية متراكمة تعجل بنهاية الكيان الصهيوني وتحقق نبوءات “العقد الثامن”.