كيف يكون الولد قرة عين (3)

إذا كان الولد الصالح قرة عين أبويه فهو ثمرة عمل مضني ومسؤولية كبيرة تحملها الوالدان على عاتقهما منذ نشأة طفلهما. فكما اهتما بصحته الجسدية وهيأته الخارجية لم يهملا تنشئته في ظروف تربية صحية، على نهج السنة النبوية الكريمة التي لابديل عنها، مهما تعالت وكثرت المناهج الغربية ليحمل لنا فلاسفتها عصارة تجاربهم، وكان المعلم الرسول قد سبقهم إلى ذلك ليعطينا أفضل قدوة وأحسن نهج نسير على خطاه، لنبلغ هدفنا المنشود بهدي النبي وسراجه المنير. قال الحبيب المصطفي صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" رواه البيهقي. هكذا كانت التربية تخلقا بأخلاق رسول الله، واتخذت أسسا لها، تمشي على خطاها.
وكما وضحنا، في مقال سابق، كيف أن التربية القرآنية هي أساس متين تستند عليه أجيال الخلافة، فسنرى كيف أن التربية بالحكمة والموعظة الحسنة مع التطلع وربط أبنائنا بالمستقبل لحمل مشعل الرقي والتقدم هي من نهج سنتنا النبوية الشريفة أيضا.
التربية المتوازنة
إن الشباب المتوازن ما هو إلا نتيجة لمرحلة طفولة متوازنة ومستقرة؛ تلقى فيها الطفل جرعات من المحبة والحنان والاحتضان الأسري، وتربى على الفضائل والآداب الإسلامية داخل أسرته الصغيرة، قبل أن ينطلق ليتعايش مع أقرانه، ويؤثر ويتأثر عن قرب بكل من سيساهمون في صقل شخصيته؛ ابتداء من المدرسة وأطفال الحارة الذين لعب وتعارك معهم، فكان مرة غالبا ومرة مغلوبا، ليتعلم بذلك الاعتماد على النفس والتعايش مع الغير. فهو فرد من أفراد المجتمع وجزء لا يتجزء منه، وهو وأقرانه جيل المستقبل "أهل لحمل الرسالة وتأدية الأمانة وقيادة سفينة النجاة لإنقاذ الإنسانية من حيرتها والوصول بها إلى طريق النور والهداية والرشاد والأمن والاستقرار والسعادة" (1).
والطفولة المتوازنة إن تربّت على الجَلد والرجولة والتنافس والتسابق في الخير والاستقامة، كانت شبابا متوازنا سويا مؤمنا له شخصيته المتميزة، وأهل لتحمل المسؤولية. قال عمر رضي الله عنه (اخْشَوْشِنُوا، وَاخْشَوْشِبُوا، وَاخْلَوْلِقُوا، وَتَمَعْدَدُوا) و يقصد به التربية على الخشونة والرجولة والجلد، فإن تربى الطفل على التذلل والحماية الزائدة و الحراسة المشددة كان ضعيف الشخصية، ذليل النفس، قليل الحيلة، منطويا على نفسه، لا يرجى منه نفع. وقد أوصى عمر رضي الله عنه ومن قبله رسولنا الكريم أن نعلم أولادنا الرماية والسباحة والفروسية، حتى يشتد عودهم وتقوى أجسامهم و يكتسبوا بذلك الثقة في أنفسهم، فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.
تربية الشباب
إن شباب الأمة هم جند التحرير والبناء، إذا أحسنا تعليمهم وتربيتهم، "ومتى حصرنا الشباب عن الحركة ولم نُهيّء لهم مجالا لصرف نشاطهم خارج جلسات الأسرة، انفجروا في حركية عنيفة تضطرب ولا تبني، فلابد للشباب من رياضة وخرجات في المعسكر وسياحة.." (2).
إن الشاب المسلم يربى إذن داخل أسرة مسلمة محتضنة، تسلمه لمدرسة الحياة بعد أن تسلَّح بالتربية القرآنية وتشرب من النبع المحمدي، ليخالط رفقاء في المدرسة والحي والجامعة، ويصطدم بتوجهات مختلفة عنه أو متناقضة مع مبادئه التي تعلمها، وعليه أن يكون مؤثرا فيها لا متأثرا بها، لأنه يسير على بينة من أمره، "تدعونا آيات الله لكيلا تقذف بنا خارج مجال الإيمان عواصف المذاهب الجديدة المشركة الغافلة عن الله، الهائمة المهيمة بأفكار العصر وتحاليله المادية الأرضية..." (3).
إن المعركة إذن قائمة ولن تكون لشبابنا المسلم الغلبة إلا إذا كان من أهل النور لا من أهل الظلمات، ولا من أهل الغفلة اللاهية عن ذكر الله، المنصرفة عن سنته في الخلق، لا يتأثر بمغريات الحياة المادية الزائفة الزائلة.
"يجوز أن نروض التكنولوجيا ونكسب معركة التنمية ونباريهم في السرب الحضاري، لكن أن نبني الخلافة الثانية، وأن نكسب معركة إحقاق الحق، وإعادة الإنسانية إلى الفطرة، وحمل رسالة الهداية والنور للعالمين إلى يوم الدين) (4).
إن ما يضمن التوازن والقسط في المجتمع هو مساهمة الشباب لإحقاق حقوق الناس السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ووعيهم بضرورة الوقوف في وجه الظلم والاستبداد، وقول كلمة الحق، والثبات على المواقف، والدفاع عن قضايا الشباب العادلة، وإسماع صوتهم والتعبير عن آلامهم وآمالهم المشروعة.
أهداف التربية المتوازنة
قال الله تعالى في كتابه الحكيم: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم (الرعد، 11).
إن قانون التغيير قائم على التربية المتوازنة الحكيمة لتجديد الإيمان والتطلع للإحسان، ولمساهمة الشباب في هذا التغيير لابد له من تأهيل وتدريب، لأن العلم إمام العمل، ولأن تكوين الشباب واكتشاف ملكاتهم وتنمية قدراتهم، خطوات أساسية لإمداد المجتمع بأطر المستقبل التي تتحمل المسؤولية بقوة وأمانة. فقوة الشباب في فعلهم وحركتهم هي تفجير لمواهبهم واختبار لمقترحاتهم، فعل في حاضرهم وتجريب لمستقبلهم.
والشباب هم أصحاب مشروع مجتمعي، ورسالتهم حمل همومهم والتعبير عن مطالبهم والتفاعل مع قضاياهم واقتراح بدائل لتحسين وضعيتهم.
ولأن في الاتحاد قوة، فعلى الشباب التعايش والمشاركة دون إقصاء طرف، والسعي للتقارب والتنسيق مع مختلف الفاعلين الشبابيين للتعاون فيما كان عليه الاتفاق والتحاور فيما اختلف فيه، بمنطق المسؤولية والإقناع، برفق وتؤدة في القول والعمل، لأن العنف دليل على ضعف الحجة، ولا خير يرجى منه، وما كان العنف في شيء إلا شانه وما كان الرفق في شيء إلا زانه وحسنه.
خاتمة
إن كل المؤثرات البشرية قد تذبل زهرة الأخلاق وتعوج عود الاستقامة عند الشباب المسلم المراهق الذي يدخل في صراع الأجيال، التي تلقي بالسموم حولها، وتمتص رحيق الأغصان إن لم تجد أمامها دعوة هادفة مستميتة ومنصفة، تتلطف وتحبب الدين وتصغي بآذان واعية حكيمة، وتتسلح بالتجربة والخبرة، لأن معرفة القوى المعاكسة والرياح التي تجري بسفينة الحياة إلى وجهة لا يرتضيها الدين هي ضرورة وسلاح.
إن الصراع ما زال قائما بين الحق، الذي لا يزال نية ومبتغى أهل الإيمان، وباطل كاسح ماسح لطمس الهوية، واحتلال مواقع الثقافة الإسلامية وتلقيح بذور الشيطنة.
لكن المشروع الإسلامي الجهادي يسير على خطى ثابتة من أجل تربية قرة أعيننا وفلذات أكبادنا، ليكونوا صالحين ومصلحين في هذا المجتمع المفتون، وليحملوا بدورهم مشعل التقدم والرقي، ويكونوا شامة وسط أقرانهم، وأجيال خلافة على منهاج النبوة.
اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
الهوامش:
(1) الموسوعة الإسلامية في تربية الأولاد، حامد أحمد الطاهر، ج 2، ص 411.
(2) عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص 45.
(3) عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، جزء 2، ص 268.
(4) عبد السلام ياسين، سنة الله، ص 264.











