كيف نعيش الكرم النبوي في شهر الجود؟ الأستاذ فرطوطي يجيب

Cover Image for كيف نعيش الكرم النبوي في شهر الجود؟ الأستاذ فرطوطي يجيب
نشر بتاريخ

في تصريح خص به بوابة العدل والإحسان، قدم الباحث في الفكر الإسلامي المعاصر الأستاذ عبد القادر فرطوطي قراءة تربوية لمفهوم الجود في شهر رمضان، مؤكدا أن استثمار هذا الموسم الإيماني ينبغي أن يتجاوز العطاء المادي إلى بناء الإنسان قلبا وعقلا وسلوكا، اقتداء بهدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي “كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان”.

الجود النبوي… مجاهدة للنفس وحضور في واقع الناس

وفي جوابه عن كيفية ترجمة مفهوم الجود النبوي إلى ممارسات يومية ملموسة، أوضح فرطوطي أن المسلم المغربي: “يحيي سنة الجود؛ حين يجعل من رمضان موسمًا لمجاهدة النفس وذلك بصحبة القرآن: تعليما وحفظا وتدبرا وتلاوة، ثم بثا سلوكيا وذكرا بين الناس، ومواساة لقلوبهم قبل جيوبهم، فيحقق بذلك معنى من معاني الإحسان، استجابة لله تعالى القائل: وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ (البقرة: 110)، وحماية لنفسه وتحريرا لقلبه من الشح، قال سبحانه: وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (الحشر: 9)، فينال تزكية النفس وصفاء القلب ومحبة الله والخلق، وهذا المعنى الأول من معاني الجود في رمضان وغيره.”

وأضاف مبرزا البعد المجتمعي للجود: “أما المعنى الثاني للجود فأسميه جود الشهادة بالقسط، قال تعالى: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ (النساء: 135)؛ إذ الجود في التزكية النبوية ليس انعزالاً تعبديًا، بل حضور في واقع الناس، ومن صور ذلك في المجتمع المغربي: إصلاح ذات البين (وهو خير من كثير من الصدقات)، وخدمة الحيّ و”الحومة”، ومسجدهما، ورعاية الأسر المتعففة بكرامة وصون، فالجود هنا مسؤولية لا صدقة عابرة”.

آثار روحية واجتماعية عميقة

وحول الآثار المترتبة على إحياء سنة الجود في رمضان، بيّن الباحث أنها تمتد إلى بناء الفرد والمجتمع معا.

ففي بعدها الروحي، يسهم الجود ـ بحسب تصريحه ـ في تحقيق التقوى التي هي غاية الصيام مصداقا لقول الله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة: 183)، ونيل محبة الله، إذ “أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس” (حديث صحيح)، إضافة إلى صفاء القلب؛ فالجود “وسيلة لصناعة القلب الحيّ، وكلما امتلأ القلب ذكرا امتلأ عطاء، ثم لأن “الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار” صحيح الترمذي”.

أما اجتماعيا، فيرسخ الجود ثقافة التكافل التي امتدحها القرآن بقوله: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ (الحشر: 9)، ويقوي أواصر الجماعة إذ لا قيام لمجتمع مسلم بقلوب متفرقة، ويواجه نزعات الفردانية المتوحشة بخلق المرحمة والتضامن.

ويرى فرطوطي أن الجود، بمختلف تجلياته، يصنع شخصية متزنة “توازن بين الأعمال الفردية والممتدة إلى الغير”، و”تجود لله بعيدا عن الرياء والسمعة”، وتكون “شاهدة بالقسط لا منسحبة من دنيا الناس.”

تحديات معاصرة ورهانات الوعي والإيمان

وعن أبرز التحديات التي قد تعيق تفعيل سنة الجود في العصر الحالي، أشار فرطوطي إلى جملة من الإكراهات؛ في مقدمتها الخوف من الفقر، مستحضراً قول الله تعالى: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ (البقرة: 268)، ومؤكدا أن مجابهته تكون باليقين في وعد الله: ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا﴾.

كما نبّه إلى خطر “الفردانية الرقمية” التي قد تحوّل العمل الخيري إلى استعراض على وسائل التواصل، معتبراً أن تجاوزها يكون بتجديد النية والقصد “إنما الأعمال بالنيات”، وإحياء صدقة السر، وترسيخ الإخلاص.

وتوقف كذلك عند النزعة الاستهلاكية التي تطبع بعض مظاهر رمضان، مؤكدا أنها “انحراف عن حقيقة الجود النبوي، إذ يتحول الكرم إلى مظهر اجتماعي يُهدده الإسراف الذي حذر منه القرآن بقوله تعالى: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ، والتغلب على ذلك يكون عبر مسار تربوي عملي يبدأ بتصحيح مفهوم الجود ثم بالتخطيط الواعي لميزانية معتدلة تُحوَّل نسبة معتبرة منها إلى ميزانية تكافل، وإحياء سنة البساطة النبوية، وتربية الأسرة جماعيا على العطاء المنظم، مع استثمار فائض الطعام بدل إهداره وطرحه في حاويات القمامة، ومواجهة دوافع الاستهلاك مثل ضغط المقارنات الاجتماعية والفراغ الروحي بكثرة الذكر والصحبة الصالحة، والتفكر في أحوال الناس بغزة العزة والحوز ومن تعرضوا للفيضانات، ثم بناء مبادرات جماعية للتكافل؛ فبهذا يتحول رمضان من موسم تنافس في المظاهر والموائد إلى موسم تزكية وعدل، يثمر صفاء روحيا، وبركة في الرزق، وتقوية للروابط الاجتماعية.”

ويخلص الباحث إلى أن إحياء سنة الجود في رمضان ليس ترفا أخلاقيا، بل هو مشروع تربية شاملة، يعيد ترتيب الأولويات، ويصوغ شخصية المسلم على ميزان الإحسان والعدل، ويجعل من الشهر الفضيل مدرسة سنوية لإعادة بناء الفرد والمجتمع على هدي النبوة.