في الحلقة الثانية من برنامج “التربية بوعي”، الذي تبثه قناة الشاهد الإلكترونية، تناولت الدكتورة السعدية الجغلالي، المتخصصة في علم النفس، موضوع الانتظارات التي يبنيها الآباء والأمهات تجاه أبنائهم، مؤكدة أن الطموح إلى مستقبل أفضل للأبناء أمر طبيعي ومشروع، لكنه يحتاج إلى قدر كبير من الوعي حتى لا يتحول إلى مصدر ضغط نفسي يؤثر في نمو الطفل وتوازنه.
وأوضحت الجغلالي أن معظم الآباء يرسمون في أذهانهم صورا وتصورات لمستقبل أبنائهم، ويتساءلون باستمرار عن مسارهم الدراسي والمهني، وعن اختياراتهم المستقبلية. وترى أن هذه التطلعات تظل إيجابية ما دامت منطلقة من الحرص على مصلحة الأبناء، غير أن الإشكال يبدأ حين تصبح مبنية على ضغوط اجتماعية أو على رغبة الوالدين في إسقاط تجاربهم الشخصية وأحلامهم غير المحققة على أبنائهم.
وأكدت أن ارتفاع سقف التوقعات قد يضع الطفل تحت ضغط نفسي خفي، يجعله يشعر بأنه مطالب دائما بتحقيق نتائج معينة حتى لا يخيب ظن والديه. ومع مرور الوقت، قد ينعكس هذا الشعور سلبا على ثقته بنفسه وعلى طبيعة العلاقة التي تجمعه بأسرته.
وفي المقابل، شددت المتحدثة على أن دور الوالدين لا يتمثل في رسم الطريق كاملا أمام الأبناء، بل في مرافقتهم خلال رحلة اكتشاف ذواتهم وقدراتهم. فالطفل، بحسبها، يحتاج إلى مساحة تسمح له بالتجربة والخطأ والمحاولة من جديد، في ظل حضور أسري داعم ومتفهم.
كما توقفت الجغلالي عند أهمية إدراك خصوصية كل طفل، معتبرة أن من أبرز مبادئ التربية الوالدية الواعية الإيمان بأن لكل طفل شخصيته وميوله وإيقاعه الخاص في التعلم والتفاعل مع محيطه. فالاختلاف بين الأبناء ليس مشكلة ينبغي التخلص منها، بل حقيقة إنسانية تستحق الاحترام والتقدير.
وأشارت إلى أن ملاحظة سلوك الطفل واهتماماته وانفعالاته تساعد الوالدين على فهم احتياجاته الحقيقية، بدل محاولة تشكيله وفق صورة مسبقة أو نموذج جاهز. كما أن احترام الفروق الفردية يسهم في تنشئة أطفال أكثر ثقة بأنفسهم وأكثر قدرة على تقبل الاختلاف لدى الآخرين.
وفي محور آخر، دعت المتخصصة في علم النفس الآباء والأمهات إلى مساءلة مصادر تطلعاتهم وانتظاراتهم، متسائلة عما إذا كانت هذه التطلعات نابعة فعلا من احتياجات الطفل وقدراته، أم أنها متأثرة بالمقارنة مع الآخرين أو برغبة الوالدين في تحقيق أحلام لم تتح لهم فرصة إنجازها.
وترى الجغلالي أن هذا الوعي يساعد الأسر على بناء انتظارات أكثر واقعية واتزانا، يكون هدفها مصلحة الطفل ونموه السليم، لا مجرد تحقيق تصورات مسبقة حول مستقبله.
كما أكدت أهمية التركيز على الجهد الذي يبذله الطفل أكثر من التركيز على النتائج التي يحققها. فالاهتمام المفرط بالنقط والترتيب الدراسي، قد يدفع الطفل إلى ربط قيمته الشخصية بنتائجه فقط، ما يزيد من شعوره بالقلق والخوف من الفشل.
وفي المقابل، فإن تثمين الجهد والمحاولة يعزز لدى الطفل الإيمان بأن التعلم عملية مستمرة، وأن الخطأ جزء طبيعي من مسار التطور والنمو. كما يسهم في بناء الثقة بالنفس وتنمية حب التعلم والاكتشاف بعيدا عن الضغوط المرتبطة بالنتائج.
وختمت الجغلالي الحلقة بالتأكيد على أهمية الحوار المستمر بين الآباء والأبناء، باعتباره أداة أساسية لفهم التوقعات المتبادلة وتعديلها بما يتناسب مع قدرات الطفل واحتياجاته. وأوضحت أن الحوار الحقيقي لا يقتصر على كثرة الكلام أو إعطاء التعليمات، بل يقوم على الإنصات والتفاعل المتبادل وبناء الثقة.
وأكدت أن التربية الوالدية الواعية تقوم على الدعم والمواكبة أكثر مما تقوم على الضغط والفرض، وأن الغاية الأساسية ليست صناعة نسخة أخرى من الوالدين، بل مساعدة كل طفل على اكتشاف إمكاناته الخاصة والوصول إلى أفضل نسخة من ذاته.