كلمة الدكتور عبد الصمد الرضى في ختام أحد الرباطات العشرية الجامعة لهذا الصيف

Cover Image for كلمة الدكتور عبد الصمد الرضى في ختام أحد الرباطات العشرية الجامعة لهذا الصيف
نشر بتاريخ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العامين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والحمد لله الذي جمعنا على ذكره، وألف بين قلوبنا في رحاب الطاعة والمحبة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحمد لله الذي وفقنا لترسيخ المعنى القرآني للرباط في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(آل عمران 200)، بما هو مكوث في بيوت الله وانتظار الصلاة بعد أخرى واتباع لرسول الله إحياء لسنة الرباط في هذا الزمان، فعن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير قال، حدثني داود بن صالح قال، قال لي أبو سلمة بن عبد الرحمن: يا ابن أخي، هل تدري في أي شيء نـزلت هذه الآية: ” اصبروا وصابروا ورابطوا “؟ قال قلت: لا! قال: إنه يا ابن أخي لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يُرَابَطُ فيه، ولكنه انتظار الصلاة خلف الصلاة. دون الغياب عن مواطن المرابطة في الدعوة وبيان الحق ونصرة قضايا أمة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام.

أيها الإخوة الكرام معاشر الحاضرين والحاضرات في هذا الحفل الختامي المبارك، أهل الفضل والوفاء، نقف اليوم في ختام هذا الرباط الجامع المبارك في دورته الخامسة والعشرين خلال عشرة أيام قياما وصياما وتلاوة وحفظا، وذكرا ومذاكرة، وقلوبنا مفعمة بالحمد لله تعالى، على ما منَّ به علينا من اجتماعٍ على الخير، وتواصٍ بالحق، وتواصٍ بالصبر، وتعاون على البر والتقوى، ونسأله أن يلهمنا شكر النعم بدوامها لا بزوالها.

وإن أول ما ينبغي أن نتوجه به هو الشكر لله عز وجل، ثم الشكر الجزيل لكل من حضر وشارك، ولكل من أسهم بصفاء قلب وطيب كلمة أو عمق فكرة أو حسن مبادرة، ولكل من تحمل مشقة الحضور، وترك المشاغل وراءه ظهريا، وعزم عزما أكيدا قويا، فجعل من هذا الرباط مناسبةً لتجديد العهد، وتوثيق الصلة، واستمداد القوة من الصحبة الصالحة والجماعة الصالحة ومع الصحبة الصالحة في الجماعة، كما نتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى إخواننا وأخواتنا المستضيفين، وإلى أهل الخدمة والبذل والعطاء، الذين هيأوا أسباب هذا اللقاء، وخدموا إخوانهم في صمت وتواضع، وبذلوا من أوقاتهم وجهدهم وراحتهم، فكانوا ذوي فضل واسع في نجاح هذا الرباط الجامع. فجزاهم الله عنا خير الجزاء، وبارك في أعمالهم، وجعل ما قدموه في ميزان حسناتهم.

أيها الحضور الكرام

لا يفوتنا في هذا المقام أن نعبر عن عميق تقديرنا واعتزازنا وفرحنا بما يسر الله تعالى على لسان السيد الأمين العام سيدي محمد عبادي من كلام نفيس، جمع بين عمق الرؤية، وصدق التوجيه، واستشراف المستقبل، وربط بين هموم التربية ومقتضيات العمل، وبين بناء الإنسان وبناء الجماعة والمجتمع. لقد كان كلامه زادًا تربويا وفكريًا ونورانيا، يحتاج منا أن ننقله من مجال السمع إلى التشرب إلى الفهم المتوازن، ومن الفهم والاستيعاب الرشيد إلى التمثل الجيد فالتبليغ بالتي هي أحسن.

أيها الإخوة المرابطون

لقد بدا لنا، من خلال ما تدارسناه وتذاكرنا فيه، أن موضوعات هذا الرباط الجامع، على تنوعها، تنتظم في سياق منهجي واحد، وتتجه كلها إلى مقصد جامع: بناء الإنسان الذي يحمل رسالة العدل والإحسان، ويستمد قوته من صلته بالله، ويترجم إيمانه إلى عمل، ويشارك في صناعة المستقبل بروح الصحبة والجماعة والصحبة في الجماعة والشورى حيث تصفية العسل وارتشافه في برامج عمل جلي في الواقع المعيش؛ فـاليقظة القلبية هي البداية؛ إذ لا إشعاع تربوي حقيقي من قلب غافل، ولا تربية مؤثرة من نفس لم تستيقظ لمعنى العبودية والمسؤولية. فإذا استيقظ القلب، وأشرقت فيه أنوار الإيمان، أصبح صاحبه قادرًا على أن يكون مصدر إشعاع، وأن يحمل هم التربية، وأن ينقل الخير إلى غيره بالفعل قبل القول أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[ الأنعام: 122]

ثم تأتي الشورى، تربيةً وممارسةً، لتجعل من هذا الإيمان الفردي قوةً جماعيةً راشدة؛ فهي ليست مجرد آلية لاتخاذ القرارات، وإنما هي تربية على حسن الاستماع، وصادق التجرد، وقبول الحق، واحترام الرأي، وتحمل المسؤولية، وإشراك العقول والقلوب في حمل الأمانة.

وأما المنهاج النبوي في بناء الرجال وتعاقب الأجيال، فيقدم لنا النموذج العملي في صناعة الإنسان الرسالي؛ إنسان العدل والإحسان، إنسانٍ يتربى على الإيمان، ويتدرج في مدارج الإحسان، ويتعلم في مدرسة الصحبة والمحبة، ثم يحمل الأمانة إلى من بعده، حتى تتصل حلقات البناء، ويتعاقب الرجال، وتتوارث الأجيال المعنى والرسالة.

وهكذا تتكامل الدائرة المنيرية؛ يقظة قلبية تُثمر إشعاعًا تربويًا، وإشعاع تربوي يبني الإنسان، وإنسان متربٍّ يمارس الشورى ويعيشها، وشورى راشدة تُحسن حمل الأمانة، ومنهاج نبوي يبني الرجال ويصل الأجيال، وأجيال متعاقبة تحفظ العهد وتجدد العمل. وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ (41) وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ (42) [سورة النجم].

وهذا كله لا يستقيم إلا بروحٍ تسكنها السكينة الدائمة؛ سكينة القلب بالله، والثقة بوعده، والطمأنينة إلى نصره وتأييده، مهما اشتدت الصعاب أو طال الطريق، وإن لنا في حصص التعارف المعمق لدروسا في اليقين، وشواهد في التاريخ، وأثارة علم نافع ممن سبقونا بالإيمان، وممن عايشونا، وممن سيلحقون بنا بعد إن شاء الله.

أيها المرابطون

نخرج من هذا الرباط الجامع إذن، ونحن نستحضر الانشراح الظاهر والباطن؛ انشراح الصدر بالحق، وانشراح النفس للخير، وانشراح الأفق للمستقبل، وأن نكون من أهل قوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ.

ونخرج كذلك ونحن نحمل الاستبشار بموعود الله تعالى، طامعين في واسع رحمته، واثقين بوعده، غير مستعجلين للثمرة، ولكن ثابتين على الطريق، مؤمنين بأن ما عند الله لا يُنال بالتمني، وإنما بالصبر والصدق والبذل والعلم والعمل وسائر الخصال والشعب حقق الله لنا ذلك.

ومن هنا، فإن ختام هذا الرباط الجامع ليس نهايةً، بل هو بداية جديدة؛ بداية لعزمٍ متجدد، ولعملٍ جاد، ولجهدٍ متواصل، ولقيامٍ بالأمانة كلٌّ من موقعه، وبقدر استطاعته، وفي حدود مسؤوليته.

فلنجعل من هذه الأيام المباركة زادًا لأيامنا القادمة، ومن هذه الصحبة قوةً على مواصلة الطريق، ومن هذه الكلمات عهودًا عملية، ومن هذه المعاني سلوكًا حيًا في واقعنا.

ولنغادر هذا المكان ونحن نبذل الوسع لله تعالى في أن نحفظ يقظة قلوبنا، ويوسع دائرة إشعاعنا الإيماني الإحساني، ويرسخ فينا معاني الشورى وأخلاقها، ونستمسك بالمنهاج النبوي في بناء الرجال وتعاقب الأجيال، ونواصل العمل…

ورحم الله الإمام إذ يقول: قطف 583

بِمِنْهَاجِ خَيْرِ الخَلْقِ صَحْبِي تَطَلَّعُوا

إِلَى قِمَّة الإحْسَانِ والثَّغْرُ باسِمُ
وَفِي القَلْبِ عَزْمٌ لا تلينُ قَناتُه

إذا وَهَنَتْ في الخافِقَيْنِ عَزَائِمُ
إلى المَجْدِ أسْرَوْا واسِعاتٍ خُطاهُمُ

بتَعبئةٍ قد نظمتها نَواظِمُ
أَتاهم بشيرٌ مُخبِرٌ بِخلافةٍ

على إِثْرِ نكباتٍ تَلتها قواصم
فَقَامُوا يَشيدون الخِلافَةَ حُكْمُهَا

بِميزانِ شَرْعِ اللهِ في الناسِ قائمُ
وَبالعدلِ والإحسانِ قُمْنا لِرَبنَا

نُقاتِلُ عَنْ قُرآنِهِ وَنُسَالمُ
فصَلِّ إلهي ثُم سَلِّمْ عَلَى الذِي

لِنُصْرَتِهِ أَقْلامُنا والصَّوَارِمُ

وحرر يوم 14 صفر الخير الموافق ل 29 يوليوز 2026م

والسلام عليكم ورحمة الله