يمثّل السلوك إلى الله الطريق العملي الذي يسلكه المؤمن في تزكية نفسه وتهذيب روحه، طلبًا للقرب من الله تعالى وسمواً في مقامات الإحسان، وفي هذا الأفق التربوي، يطلّ علينا الأستاذ والكاتب عبد الكريم العلمي من خلال كتابه القَيم “السلوك إلى الله عند الإمام عبد السلام ياسين”، الذي يشكّل إضافة نوعية في مجال التربية والسلوك الإيماني، والذي يأتي ليقدّم قراءة تربوية وتأصيلية لتصوّر السلوك إلى الله في بعديه الفردي والجماعي، كما بلوره الإمام عبد السلام ياسين ضمن مشروعه التربوي والفكري.
1. الرؤية والرجاء
ينطلق هذا الكتاب من رؤية عميقة مفادها أن السلوك إلى الله هو سير الإنسان بعقله وقلبه وجوارحه في الطريق إلى الله؛ سيرٌ يقوم على القصد، عملٌ لا كلام، وأن المعوّل فيه، بإذن الله وكرمه وتوفيقه، على الهمم العالية والإرادات الصادقة التي يبعثها الله عز وجل في الأفئدة والأرواح. وقد صدرت الطبعة الأولى منه عن دار أفريقيا الشرق للنشر والتوزيع سنة 1444 هـ، الموافق لـ2022م، ويقع في 336 صفحة من الحجم الكبير.
يتكوّن الكتاب من تقديم بقلم فضيلة الأستاذ فتح الله أرسلان، الناطق الرسمي باسم الجماعة، تليه مقدمة، ثم أربعة فصول، وثلاثة ملاحق، توزّعت بعناية لتؤسس تصورًا متكاملًا للسلوك إلى الله في بعديه الفردي والجماعي.
2. الكاتب والصحبة
وصاحب هذا الكتاب، الأستاذ عبد الكريم العلمي، عضو مجلس الإرشاد ورئيس مجلس الشورى، خصّه الله بصحبة وملازمة الإمام رحمه الله، فكان من ثمرة ذلك أن كتب وتحدّث في موضوع السلوك والصحبة عن تجربة ومعايشة، مما يجعله أحقّ بالخوض في هذا المجال، وأصدق تعبيرًا عنه.
ومن باب الشهادة الشخصية، لا يزال عالقًا بذاكرتي لقاء مبارك جمعنا بأستاذي عبد الكريم العلمي بمدينة تطوان منذ خمسٍ وعشرين سنة، وقد سألته آنذاك عن كيفية الحفاظ على القلوب والروابط الإنسانية داخل الجماعة، وعن أسباب تعثر بعضها، فكان جوابه: “لا يكون السلوك إلى الله إلا عبرنا، أي عبر بعضنا البعض”. وقد بقيت هذه الكلمة راسخة في ذهني، مؤكِّدة لديّ أن السلوك إلى الله، كما يطرحه هذا الكتاب، هو سلوك جماعي، جهادي، وتربوي، لا تنفصل فيه تزكية الفرد عن بناء الجماعة.
ومن هذا الأفق تتضح بنية الكتاب ومداخله التربوية؛ حيث يندرج المؤلَّف ضمن مشروعٍ تربويٍّ وسلوكيٍّ يروم تأصيل السلوك إلى الله بوصفه مسارًا جامعًا بين تزكية الفرد وبناء الجماعة، حيث لا ينفصل البعد الروحي عن البعد العملي والتنظيمي. ومن هذا المنطلق، يشتغل الأستاذ عبد الكريم على مفهوم الصحبة بوصفها حجر الزاوية في السير إلى الله، ويؤطرها داخل أفق جماعي يجعلها رافعة للإحسان وشرطا لاستمراريته وفعاليته.
3. محتويات الكتاب
يفتتح الكتاب بتقديم ومقدمة، يحددان الإطار العام للسلوك الإحساني، ثم ينتقل في فصله الأول ليَبسط ملامح السلوك الجهادي الجماعي انطلاقًا من تجربة الإمام الأولى في الزاوية، التي وُسِمت بالسلوك الفردي، ثم من يقظته القلبية التي كانت من ثمارها صياغة المنهاج النبوي، المستند كليًّا إلى الهدي النبوي؛ تأصيلاً للمفاهيم وتوضيحًا لمعالمه، مع إبراز مقاصده، وفي مقدمتها جمع الجماعة على وحدة السلوك، أي على اللُّبّ الإحساني.
وفي الفصل الثاني، والمعنون “بالحوار الأخير” يأخذنا الكتاب في سفر من خلال حوار يعمق فيه الإمام مفهوم السلوك الجهادي عبر الحديث عن الصحبة في الجماعة والصحبة والجماعة، ويسيجه بثوابت أساسية منها:
* ضرورة الجمع بين الصحبة والجماعة؛ فهما مطلبان لا يفترقان.
* ضرورة ارتباط الجهاد بالتربية، وجمع ما تفرق وتفكك في الأمة.
* يعول في تمثل السلوك على الهمم العالية والإرادات البانية.
يعرج بنا الكاتب في الفصل الثالث إلى بيان معالم السلوك الجماعي المتزن، الذي يجعل العدل والإحسان قرينين متلازمين، مؤكداً على وجوب الجمع بين جهاد إقامة دولة العدل، وجهاد بلوغ مراتب الإحسان، والذي لا يتأتى إلا بصحبة متلازمة مع الجماعة، تجمع بين الدلالة على الله والجهاد في سبيل الله، نورها مقتبس من قلوب العارفين بالله، وسقاؤها وغذاؤها ذكر الله، وتربتها وهواؤها الصدق مع الله، حتى يتجاوز السالك همه الفردي إلى هم الأمة، صبراً مع الجماعة وبذلاً في سبيل الله.
ويختم الكاتب فصله الرابع والمعنون بـ”ما العمل؟” بالحديث عن مفهوم الشورى والجماعة، ويربطه بمعاني التحاب في الله، وحفظ الجماعة والحرص على وحدة الصحبة والجماعة، وعلى ثبات رجالها، فالشورى من لب الإحسان، كما أنها من جوهر العدل، ولا حياة للجماعة إلا بهذه الناظمة، وهي العماد على صعيد الفكر والفهم والرأي والسياسة.
ويذيل الكاتب كتابه بخاتمة جامعة قاصدة وواضحة، يجمل فيها خلاصاته حول الموضوع، وبثلاثة ملاحق:
● ورقة الصحبة في الجماعة
● حوار الإمام المجدد مع الدكتور محمد باسك منار.
● الورقة المنظمة لعمل الأمين العام للجماعة، ومجلس الإرشاد.
والحمد لله رب العالمين.