تقديم عام
تتناول هذه الدراسة كلمة الأستاذ عبد الكريم العلمي رئيس مجلس شورى جماعة العدل والإحسان بالتحليل، مستثمرة مقاربات لغوية وسياسية واقتصادية واجتماعية، بهدف الكشف عن بنيتها الخطابية ووظيفتها التداولية، واستجلاء رؤيتها للواقع المحلي والدولي، وربط ذلك بالسياق الداخلي للجماعة، وتخلص إلى أن الخطاب قد يتجاوز كونه كلمة تنظيمية عابرة إلى كونه بياناً استراتيجياً يؤسس لرؤية تغييرية شاملة، قوامها التكامل بين التزكية الإيمانية والفعل السياسي والاجتماعي.
وبذلك تكون الخطابات الصادرة عن الهيئات القيادية للحركات الإسلامية عموما وقيادات العدل والإحسان خصوصا مادة خصبة للتحليل؛ لما تحمله من تداخل ودمج بين هموم المعاش وهموم المعاد الفردية والجماعية، بين واقع الدعوة ومآلات الدولة، وقلما تجد خطابا في زمننا يتميز بهذا التنوع الموضوعي بلغة سلسة لا تكلف فيها، وضمن هذا الإطار تندرج كلمة الأستاذ عبد الكريم العلمي، إذ يُفترض أنها تتجاوز حدود التوجيه التنظيمي والتربوي الداخليين إلى السير تأسيا بالإمام، وتأسيسا لرؤية شاملة للواقع وتحولات المرحلة.
وبناء عليه ستسعى هذه العجالة إلى محاولة الإجابة عن السؤال الآتي: هل استطاع رئيس مجلس الشورى بخطابه المركب – في ظل السياقات الدولية والإقليمية والمحلية والداخلية – إعادة بناء الواقع لغوياً، وتأطيره سياسياً، وتفسيره اقتصادياً واجتماعياً، في إطار مشروع تغييري معارض ذي مرجعية تربوية إيمانية نبوية؟ أم أن خطابه كان مجرد سرد أملته الضرورة التنظيمية الداخلية؟ قبل ركوب غمار الإجابة عن هذا السؤال أشير إلى مسألتين أساسيتين:
الأولى: يُعدّ الأستاذ عبد الكريم العلمي من أبرز قيادات جماعة العدل والإحسان، حيث يشغل رئاسة مجلس الشورى؛ أعلى هيئة تقريرية بعد مجلس الإرشاد، ما يجعله فاعلاً ومشاركا أساسياً في رسم التوجهات الاستراتيجية وتدبير القرار داخل الجماعة.
ينتمي إلى القيادة العليا؛ باعتباره عضوا في مجلس الإرشاد، ومن ذوي السابقة، لذلك فهو يؤدي دوراً محورياً في الربط بين المرجعية التربوية – باعتبار صحبته الطويلة للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله – والموقف السياسي في وصل التزكية؛ أساس البناء؛ بالفعل التغييري الجماعي.
وعلى أساس ذلك تتميز خطاباته بالجمع بين التزكية والتحليل السياسي النقدي، مع قوة حجاجية وكثافة مفهومية، وتوظيف ثنائيات قيمية حادة قاصدة لا تحتمل التأويل، وربط دائم بين القضايا الوطنية وقضايا الأمة والسياق الدولي. ولعل العبارة الشهيرة: “لسنا في ضيعة أحد” 1 تختزل موقفه من قضايا السيادة والعدالة ورفض الاستبداد…
هذا، وله دور مهم في المرحلة الراهنة في تأطير النقاش الداخلي تربويا: من خلال كتابه. “السلوك إلى الله..” 2 واستشراف المستقبل، وبناء خطاب يجمع بين التربية والجهاد السياسي البنائي، وكأني به يردد كلام الإمام: “تتمزق أوصالنا إن تعرضنا لأول صعوبة وليس معنا الإحسان. تفشل محاولتنا إن غاب العدل في برنامجنا، بل إن لم يكن العدل أول بند وأوسطه وأبرزه في برنامجنا” 3.
الثانية: تتعلق بالتحليل اللغوي “المدمج” الذي سنحاول نهجه خلال هذه القراءة، وأشير إلى أنه يشكّل امتداداً نوعياً للتحليل الكيفي، وبذلك لن نكتفي بتوصيف البنية الخطابية لكلمة الأستاذ عبد الكريم، بل سنسعى إلى الكشف عن الانتظامات العميقة التي تحكم إنتاج المعنى داخل الخطاب، حتى نتمكن من الإجابة عن السؤال الإشكالية السابق؛ ذلك أن اللغة، وفق بعض التصورات، يمكن تعريفها تجريبيًا “من خلال مجموع تجلياتها الفعلية في الاستعمال” 4، وبالتالي فهي ليست مجرد بنية لغوية، بل هي تمثيل ذهني-اجتماعي من خلاله تُعيد القيادات بناء الواقع وتوجيه الإدراك.
مقاربة الخطاب: السؤال الإشكالية
يطرح تحليل خطاب رئيس مجلس الشورى لجماعة العدل والإحسان سؤالًا مركزيًا حول طبيعته: هل هو مجرد خطاب تنظيمي فرضته سياقات داخلية، أم أنه بناء خطابي مركب يعيد تشكيل الواقع ويؤسس لرؤية تغييرية؟
تكشف القراءة التركيبية، في ضوء مجموع تجليات اللغة الفعلية في الاستعمال الخطابي والتحليل السياسي والاجتماعي، أن خطاب رئيس مجلس الشورى يتجاوز بكثير حدود الوظيفة التنظيمية، ليُشكّل بنية دلالية واستراتيجية متكاملة تعيد إنتاج الواقع وتؤطره ضمن مشروع مجتمعي تغييري ذي مرجعية تربوية منهاجية، بشقيها: العدل والإحسان.
وعن هذا الشعار يقول الإمام رحمه الله: “نحمل إخوتي شعار العدل والإحسان ليكون لواؤنا بين الدعوات ثائرا خفاقا بخفقان حب الله في قلوبنا، وخفقان الحب في الله، والذلة على المؤمنين، وحب المساكين، والجهاد في سبيل الله والمستضعفين، وليكون عنواننا في السياسة منشورا مشهورا، له أصالته من القرآن وله واقعيته من غضبنا لما تنتهكه الطبقة المترفة المستكبرة من حقوق الله وحقوق العباد” 5.
وعلى المستوى اللغوي، لا يكتفي الخطاب بوصف الأحداث أو نقل الوقائع، بل يمارس فعلًا تأويليًا مقصديا؛ يعيد بناء الواقع عبر آليات لغوية دقيقة، تقوم على التكثيف الدلالي والتأطير المفهومي والحجاج البنيوي؛ بمعنى أوسع وأدق: يعتمد الخطاب على ثلاث آليات مركزية: التكثيف الدلالي الذي يختزل المعاني في صيغ لغوية مشحونة، والتأطير المفهومي الذي يعيد تعريف الأحداث ويوجه تأويلها، والحجاج البنيوي الذي ينظم الخطاب في نسق إقناعي متدرج، وبفعل هذا التكامل، يتحول الخطاب من مستوى الوصف إلى مستوى إنتاج المعنى وبناء الرؤية.
فالأحداث الكبرى، وعلى رأسها “طوفان الأقصى”، لا تُعرض – في الخطاب – كوقائع عسكرية معزولة، بل تُعاد صياغتها باعتبارها مفاصل تاريخية كاشفة لبنية النظام الدولي واختلالاته وازدواجية معاييره الأخلاقية والقيمية كما ورد في قوله:
“طوفان الأقصى… أعاد للقضية الفلسطينية وهجها وحيويتها رغم الأثمان الباهظة” 6 وبتعبير مدرسي بسيط، يمكن تلخيص بنية الخطاب على الشكل التالي: ــــ عرض: “طوفان الأقصى” – تفسير: “كشف حقيقة الصهاينة” – حكم: “جناية وجريمة كبرى” – دعوة: “العودة الصادقة للشعب” – هذا تدرج حجاجي بنيوي واضح ؛ يحاصر المطبع وأعوانه والمتلكئ أو المشكك، أو من يدور في فلكهم.
وتعمل العبارات المكثفة من قبيل: “التعامل مع البلد كضيعة مشتركة بين الحكام وأعوانهم” 7، بوصفها نماذج تفسيرية تختزل أنساقًا كاملة من المعاني السياسية والاقتصادية والقيمية، كما يؤسس الخطاب لبعد قيمي عميق عبر قوله: “لا مخرج من هذا الارتهان إلا بالعودة الصادقة للشعب… والصدق الكامل مع الله عز وجل” 8، وبهذا المعنى، يتحول الخطاب إلى أداة لإنتاج “واقع إدراكي” جديد، يعيد ترتيب العلاقة بين الحدث والمعنى، بين الحاكم والمحكوم، بين المقدمات والنتائج.
“والصدق الكامل مع الله عز وجل”، ينظر إليه باعتباره منظومة دلالية مركّبة؛ وهو ما أشرنا إليه سابقا ووسمناه بـ(التكثيف الدلالي)، حيث لا يَرِد الصدق في الخطاب باعتباره قيمة أخلاقية بسيطة، بل بوصفه مفهومًا مركبًا يجمع بين عدة أبعاد أهمها: الصدق مع الله، الإرادة السياسية الصادقة، الصدق الاجتماعي المتمثل في رفع الظلم، ثم إنهاء الريع والاحتكار، وقبله وأثناءه وبعده، ودائما أبدا: البعد التربوي: إصلاح التعليم والقيم وصيانة الهوية الإسلامية.
أما من حيث التأطير السياسي، فإن الخطاب لا يقف عند حدود التعليق أو التعبير عن موقف ظرفي، بل يبني رؤية سياسية متماسكة تقوم على تحديد واضح لبنية التدافع السلمي، سواء في بعدها الدولي من خلال نقد التحالفات المهيمنة، كما في قوله: “الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران… نتيجة لهذا الطوفان” 9، أو في بعدها الداخلي عبر تشخيص أعطاب الاستبداد وغياب الديمقراطية، مؤكدا أنه: “لا بد لنا… من ديمقراطية حقيقية والقطع مع الواجهات البهلوانية” 10.
والمثير، هو أنه لا يكتفي في خطابه بالنقد، بل يقترح أفقًا بديلاً يتمثل هنا في: “العودة الصادقة للشعب والإنصات الحقيقي لصوته” 11، مما يوحي أن جماعته لا تتفرج وتتحين فرص الفشل، بل تقترح البدائل قبل وقوع الكوارث، وهذا ما يجعلها قوة اقتراحية بامتياز، تبني اقتراحها على التأسيس لخطاب مضاد للهيمنة، لكنه يقبل الرأي والرأي الآخر صدقا لا تكتيكا.
ويتعمق هذا البعد في التحليل الاقتصادي والاجتماعي، حيث يكشف الخطاب عن وعي بنيوي طبيعة الاختلالات، فلا يقتصر على رصد المظاهر، بل يتجه إلى تفكيك منطقها العميق؛ من ذلك تصوير الوضع في البلد باعتباره: “ضيعة مشتركة… يستحوذون على ما فوق الأرض وما تحت الأرض” 12، ويحيل ذلك إلى نمط ريعي احتكاري؛ انعكس سلبا على التحولات في طبيعة الدولة الاجتماعية، ومن أهم تجلياته ــــــ حسب الخطاب ــــــــ صحيا: “الاتجار حتى بصحة المواطنين بمسلسل بات مفضوحا” 13؛ اجتماعيا، وهو ما حذرت منه الجماعة سلفا، ويحذر منه العلمي بتوصيف يربط بين الاختراق الثقافي والبنية السياسية والاقتصادية في وحدة تحليلية واحدة خوفا من: “أجيال ممسوخة لا تصلح لبناء 14.
غير أن السمة الأكثر تميزًا في هذا الخطاب تتجلى في مرجعيته المنهاجية، حيث لا يتم توظيف الدين كأداة تبرير لاحقة، بل كإطار مؤسس للفعل السياسي والاجتماعي. فالخطاب ينطلق من منطق تربوي يقوم على الربط بين التزكية والإرادة الصادقة في الغد الأفضل، رافضًا نموذج: “الورع القاعد”، وهو مرفوض في المنهاج النبوي كذلك، ومستدعيًا نموذج: “الأقوياء بالعلم والخبرة الأمناء بخوف الله والوفاء بعهده” 15، وهي نفس عبارة الإمام ياسين رحمه الله إذ يقول: “همُّ الأُمة لا يحمله الورع القاعد لكن يحمله وينهض بمقتضياته الأقويــاء بالعلم والخبرة، الأمنـاء بخوف الله والوفاء بعهده” 16.
وعلى أساسه يُستنتج أن عملية التغيير تتأسس على ثلاثية مترابطة: قاعدتها بناء الإنسان وتزكيته، وأضلاعها تنظيم الجماعة الحارس والمؤطر، وقمتها تغيير الواقع عبر السلمية والجهاد السياسي البنائي المتئد الرافض للعنف والاعتقال التعسفي بكل تجلياته، علما أن “الجهاد السياسي التربوي البنائي أصعب منالا وأشق طريقا” 17.
كما يتسم الخطاب ببنية تداولية متعددة الطبقات، تجعله قادرًا على مخاطبة دوائر مختلفة في آن واحد؛ فهو خطاب تأطير داخلي في سياق: “الدورة الرابعة والأخيرة للولاية الحالية” 18. وخطاب سياسي موجه للرأي العام، وخطاب تعبوي يستنهض الأمة، وخطاب أخلاقي يستهدف الضمير الإنساني، خاصة في قوله: “الضمير الإنساني لا يزال حيا” 19.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الخطاب يتحرك داخل سياق تنظيمي محدد، غير أن هذه الوظيفة لا تختزل مضمونه، بل تشكل الإطار الذي سمح بإبراز رؤية استراتيجية أوسع، باعتباره: “مدعاة لاستخلاص الدروس وأخذ العبر حكاما وشعوبا” 20.
الخاتمة
تُفضي هذه القراءة إلى أن خطاب رئيس مجلس الشورى لجماعة العدل والإحسان الأستاذ عبد الكريم العلمي، لا يمكن اختزاله في كونه خطابًا تنظيميًا عابرًا، بل هو بنية خطابية مركبة نجحت في إعادة بناء الواقع لغويًا، وتأطيره سياسيًا، وتفسيره اقتصاديًا واجتماعيًا، ضمن أفق مشروع تغييري معارض يستند إلى مرجعية تربوية إيمانية مستمدة من المنهاج النبوي. ويكتسب هذا الخطاب دلالته العميقة من قدرته على تحويل الحدث إلى رؤية، كما في قوله: “الأحداث… مدعاة لاستخلاص الدروس وأخذ العبر” 21، والرؤية إلى تكليف، والتكليف إلى برنامج عملي يجمع بين التزكية والفعل السياسي البنائي.
وفي ظل ظرفية دولية وإقليمية متحولة، تتسم بتآكل المرجعيات الأخلاقية، يبرز هذا الخطاب كمحاولة لإعادة تأسيس المعنى السياسي على قاعدة أخلاقية، تجعل من: “الصدق الكامل مع الله” 22 مدخلاً لإصلاح الواقع، ومن: “الجهاد السياسي التربوي البنائي” 23 أفقًا استراتيجيًا للتغيير.
ومن ثم، فإن قيمته لا تكمن فقط في مضامينه، بل في معماره العميق الذي ينسج علاقة عضوية بين الوعي والإرادة والفعل، وفق التصور المنهاجي الذي يرى أن التغيير الحقيقي لا يتحقق إلا بتكامل التربية والجهاد، واستمرار الرباط ثم الرباط في أفق غايتي الاستخلاف والإحسان.
[2] “السلوك إلى الله عند الإمام عبد السلام ياسين” هَدف مؤلفه من خلال صفحاته، التي تجاوزت الثلاثمائة، وعن طريق تنويع المداخل وتتبّع المسارات إيجاد تأويل موحّد، بين أبناء الأستاذ ياسين وتلامذته، لمفهوم “الصحبة في الجماعة” الذي قال به الإمام.
[3] عبد السلام ياسين، حوارات مع عبد السلام ياسين، دار إقدام للطباعة والنشر والتوزيع، إستانبول، السنة الطبعة الأولى: 2023، ص: 183.
[4] فان دايك، تيون أ. (1998). الإيديولوجيا: مقاربة متعددة التخصصات (Ideology: A Multidisciplinary Approach). ص: 32، لندن: دار ساج للنشر (SAGE Publications).
[5] عبد السلام ياسين، حوارات.
[6] كلمة الأستاذ العلمي رئيس مجلس الشورى، 2026.
[7] نفسه.
[8] نفسه.
[9] نفسه.
[10] نفسه.
[11] نفسه.
[12] نفسه.
[13] نفسه.
[14] نفسه.
[15] نفسه.
[16] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، ص: 69.
[17] كلمة الأستاذ العلمي رئيس مجلس الشورى، 2026.
[18] نفسه.
[19] نفسه.
[20] نفسه.
[21] نفسه.
[22] نفسه.
[23] نفسه.