قراءة في الوصية الشعرية للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله

Cover Image for قراءة في الوصية الشعرية للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله
نشر بتاريخ

نصيحتك حبي أخي في حياتي
وهذي الوصية من مرمســــي
بنية روحي يا أخت الجهـــــاد
إليك كساء من سنــــــــــــدس
إليك عصارة عمر مضــــــى
تصرم في النجح و المبــــأس
إليكــــــم وصية من قد ثـــوى
دجى القبر شخص له و نسـى
ويبقى إله الورى شاهـــــــــدا
رقيبـا على من عرى أو كسي
أن تجد من يعظك على كل الأحوال، بالليل و النهار، في السر و العلن، ومن ينصحك كتابة ومشافهة وباللغة التي تفهمها، وبالأسلوب الذي يليق بحيثيتك الاجتماعية، فهذا يمكن أن يقع وأن تستوعبه العقول وإن كان لا يتحقق إلا للأكابر، أما أن يعظك من هو تَاو في قبره راحل عن دنياه، مقبل على الآخرة، فهذا مما تضيق به حويصلات العقول، ولا يرقى لفهمه ذوو الألباب، إلا إذا كان لهم حظ من الله، أو سبقت لهم من الله الحسنى.

لقد وعظنا الإمام المرشد رحمه الله حيا وميتا، صحيحا وسقيما، في بيته وفي المسجد، وفي المنتزه وفي السجن، في كتبه ومسموعاته ومرئياته، باللسان العربي الأمازيغي وكذا الأجنبي وهو في كل ذلك لا يخرج كلامه عن هم واحد لم ينفك عنه طوال حياته، وعن فكرة جوهرية واحدة لا تجد لفكرته تبديلا، ولا تجد لكلمته تحويلا ألا وهي: ما مصيرك عند الله، و ما اسمك في الملإ الأعلى غدا؟ وذلك بمواجهة الذات بالسؤال المليح الصريح: أي إيمان هو إيماني؟ و ما قضيتي مع ربي؟… أم أن المنطق الأول كان خطأ حين اندفعت في حماس أزعم أني مهاجر إلى الله ناصر لدين الله مجاهد في سبيل الله بينما قلبي هواء وخواء) 1 .

كلمة واحدة هي بمثابة مشروع عمري يمحور عليه المرء حياته، ويجعله نصب عينيه في كل حركاته وسكناته، ويرتب على أساسه اهتماماته وأولوياته.

بصمة وأية بصمة طبع بها الإمام المرشد حياته ودشن بها آخرته، صدقة جارية لمن بعده من المسلمين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وصية شعرية وهنا نقول لماذا الشعر؟

يذكرنا بأهميته من جهة ويربطنا باللغة العربية لأنها لغة القرآن. وهذا نلاحظه في هداياه رحمة الله عليه عند زيارته وهي ما يسميها بقرى الضيف. كانت غالبا شعرا.

إذن تركيزه على الشعر له دلالته، ارتباطا بلغة القرآن وكذا دوره في ترقيق القلوب والوعظ وتبليغ بعض الرسائل.

والوصية هي عبارة دائما عن نصيحة من الميت للأهل (مادية، دنيوية دائما) أما هو فإنه يرتفع بنا إلى ما هو أسمى فيجعلها رحمه الله نصيحة وتذكرة.

يبدأها رحمه الله بالمحبة (حِبِّي) يخطو خطى الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم والأنبياء نصحه يبدأ بالكلام عن المحبة حتى يقبل المنصوح نصيحته.

مصداقا لقوله تعالى: ونَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا ولاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ 2 . وقوله تعالى: فقولا له قولا لينا، لعله يتذكر أو يخشى 3 . تبشير محبة ورحمة.

هذا النموذج الذي هو سلوك الأنبياء، هو نموذج لرسائل النصح درج عليه في كتابته كلها رحمه الله يا حبيبي يا حفيد رسول الله) الإسلام أو الطوفان. كله رحمة وتبشير حتى يلقى الاستجابة من المنصوح.

ويعتبر نفسه عند كتابته هذه الوصية رحمه الله، أنه غادر الدنيا، و الجميل أنه يخص المؤمنات بكلام عميق قائلا بنية روحي) فهناك إشادة بجهادهن في حقل الدعوة، فلهن بعد ذلك كل التقدير و الجزاء وهو كساء من سندس) لما أبلينه في الحياة الدنيا.

والخطاب موجه للمؤمنة إليك عصارة عمر قد مضى) يتكلم عما قدمه من مشروع وزبدة للفكر الذي نور به رحمه الله هذه الأمة، وقد كانت المرأة قضية أساسية في مشروعه رحمه الله التجديدي.

ما تبقى من الوصية هو تذكير بمشروع تجديدي أسسه وأرادنا أن نصل به إلى أعلى مراتب الإحسان ومشارف العدل، ذلك المشروع الذي ينبني على التربية بما تحمله الكلمة من معنى التزكية والتطهير، فهي أسمى وظيفة للإنسان عبر الزمان، لها ركائز ولبنات التي هي الخصال العشر، تكون الثلاث الأولى منها أمهات الخصال والسبع الباقية هي تطبيق لمن جمع الخصال الثلاث الأولى واقتحم العقبات.


[1] تنوير المومنات، ج 1.
[2] سورة هود.
[3] سورة طه الآية 43.