قتلى وجرحى على الطريق!

Cover Image for قتلى وجرحى على الطريق!
نشر بتاريخ

لن يكون حديثي عن حادثة سير من حوادث السير المروعة التي تحصد الأرواح وتكبد الخسائر، إنه حديث عن طريق خاص إن فقدنا فيه البوصلة تهنا لكثرة السبل التي تفرقنا عنه، وإن ذهب نوره تخبطنا وسرنا على غير هدى، ولم نبصر آفاته، وإن لم نحمل معنا الزاد لن نكمل السير فيه ونتوقف عند أول عقبة نصادفها، وإن انفردنا أصابتنا الوحشة وفَتَرَتْ عَزائمنا، عنه يقول ابن القيم: “كم فيها (الطريق) من قتيل وسليب وجريح وأسير وطريد!”[1].

إنه سير وسلوك إلى الله، والسلوك إلى الله طي للمسافات المعنوية فالله منزه عن المكان والزمان، والمقصود منه القيام بحقيقة العبودية وفق ما قرره الشارع من أوامر ونواهي، “والمؤمنون العارفون بالله وبأمره قاموا له بحقيقة العبودية ظاهراً وباطناً، وقدموا قلوبهم في الخدمة، وجعلوا الأعضاء تبعاً لها، فأقاموا الملك وجنوده في خدمة المعبود، وهذا هو حقيقة العبودية”[2].

فما السبيل للوصول إلى بر الأمان والفوز بالنعيم الدائم؟ والطريق كما أخبرنا الحبيب قد حُفَّت بالمكاره، إذ يقول عليه الصلاة والسلام: “حُفَّت النار بالشهوات، وحفت الجنة بالمكاره”[3]، ما السبيل للنجاة؟ والله عز وجل يقول: وإن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كان على رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا [مريم: 71]، فنحن من الورود على يقين ومن النجاة في شك، ألا من خبير يرشدنا ويطوي عنا المسافات؟

أمر الله عز وجل عباده باتباع الطريق المستقيم، وحدد لهم معالمها على لسان رسله، وكان القرآن خاتم الكتب، فكان هدى دالا على الطريق وعقباتها ونورا يستضيء به من أراد النجاة، وبيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم مناراتها وأحوال سالكيها، وفصل العلماء في الحجب والموانع التي قد تحول بين  العبد وربه، “عسى أن يقطعها بحسن توفيق الله تعالى بسلامة، ولا ينقطع في عقباتها المهلكة فيهلك مع الهالكين” [4]، لأنهم نظروا في طبيعة الطريق، فوجدوه “وعرا وسبيلا صعبا، كثير العقبات، شديد المشقات، بعيد المسافات، عظيم الآفات، كثير العوائق والموانع، خفي المهالك والقواطع، غزير الأعداء والقطاع، عزيز الأتباع والأشياع”[5].

ويرشدنا القرآن الكريم أن “خير الزاد التقوى”، ويصف لنا المتقين وجزاءهم ترغيبا في أن نسلك طريقهم حتى نفوز برضوان من الله وجنات فيها نعيم مقيم، وتمثلها سيد الخلق سلوكا فكان “قرآنا يمشي على الأرض” ليكون قدوة لأتباعه، وعرف العلماء التقوى تعاريف متعددة العبارات، وتتفق في كونها قياما بما أمر الله به وتجنب ما نهى عنه خوفا من غضبه وطمعا في رحمته، وما أجمل جواب أبي هريرة حينما سئل عن التقوى فأجاب سائله بصورة حسية ليقرب له المعنى، يقول له: “هل أخذت طريقا ذا شوك؟ قال: نعم، قال: فكيف صنعت؟ قال: إذا رأيت الشوك عدلت عنه، أو جاوزته، أو قصرت عنه، قال: ذاك التقوى”[6].

وبما أن السلوك إلى الله سلوك قلبي، فسلامة الوصول مرتبطة بسلامة القلب وبما يحصل فيه من تقوى الله وخشيته، “فالتقوى هي التي تؤهله للانتفاع بهذا الكتاب (القرآن). هي التي تفتح مغاليق القلب له فيدخل ويؤدي دوره هناك. هي التي تهيئ لهذا القلب أن يلتقط وأن يتلقى وأن يستجيب”[7].

 يسلم القلب  إذا تشرب  معاني الإيمان وترقى في مدارج  الإحسان، بمجالسة الصالحين وصحبة المؤمنين لـ”يستمد قلب من قلب بالمحبة والمخالطَة والتعاون على سلوك الطريق المقربة إلى الله”[8]، فآيات الله توصي بالكينونة مع المؤمنين كشرط من شروط اقتحام العقبة[9]، وتوصي بمعية الصادقين، وتوصي خير الخلق  أن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، “لا ليكتسب هو من رفقتهم وخُلتهم إيمانا… لكن أوصاه لتسمع فلانة [وفلان] وتتفقه وتطمئن إلى أن صحبة جماعة حية بحياة الحب في الله شرط من شرائط السير إلى الله، والقرب من الله”[10]، وكذلك نبهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن “الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ”[11].

إن ما يعترض السالك في طريقه من عوائق تحول بينه وبين ربه، إنما ينشأ من جانب النفس والشيطان، “فالنفس تدعو إلى الطغيان وإيثار الحياة الدنيا، والرب تعالي يدعو العبد إلى خوفه ونهي النفس عن الهوى، والقلب بين الداعيين، يميل إلى هذا الداعي مرة وإلى هذا مرة، وهذا موضع المحنة والابتلاء”، [12] والفوز والنجاة لمن نهى النفس عن الهوى وأعرض عن شهواتها وحملها على طاعة خالقها؛ يقول الله تعالى: وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى [النازعات: [40-41].

أما كيد الشيطان وغوايته فقد حذرنا الله تعالى ورسوله منهما، وأُمِرنا باتخاذه عدوا، فما من طريق خير إلا والشيطان يعترضه ويقطعه على السالك، فقد أقسم على غواية الإنسان والتربص به من كل جانب كما جاء في سورة الأعراف [16-17] قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين.

 والنفس تفسد من وسوسة الشيطان و”تخبث حين لا تتزكى ولا تتطهر، فيجد الشيطان فيها ركنا ممهدا، أو تنجس بالكفر والنفاق فكلها ظلام وكلها مملكة إبليس، ويحالف الشيطان نوازع الشهوانية والغضبية العدوانية الأنانية في الإنسان، ويستغلها ليمارس أشغاله”[13].

للشيطان وللنفس مداخل قد تخفى عن الإنسان، فتأتي الرذيلة في ثوب الفضيلة، وتُزَين المعصية وتُهَوَّن عاقبتها، وتُلبَس مفرداتِ الطاعة وأحكامَها، “وطب القلوب يعالج الأنفس لِينزع منها بالتربية، أي بالصحبة والذكر والملازمة والعبادة، تلك الحظوظ الدنيئة، ويرفعها ويرقيها في سلم الإحسان”[14].

فانجُ يا عبد الله/ أمة الله، حتى لا تكون ذلك “القتيل والسليب والجريح والأسير والطريد”، اهرُب من قرناء الغفلة، وارْتَمِ في أحضان قوم صالحين، وابك على ربك ليرزقك محبتهم، عسى أن تنجوَ من وَرطة الانحشار في زمرة الهالكين. فإن حب الصالحين يُثمر حب الله… إن لم تستخلصكَ صحبة الصادقين ومخالطتهم ومجالستهم من رُقاد غفلتك فمن ينْتشلك من وِهادِ رُفقتك؟”[15].

مراجع

[1]-  مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ابن قيم الجوزية، المحقق: محمد المعتصم بالله البغدادي، الناشر: دار الكتاب العربي – بيروت، ط. 3/ 1416ه-1996م، 2/240.
[2] – بدائع الفوائد، ابن قيم الجوزية، الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، 3/192.
[3]-  رواه البخاري (6487) بلفظ (حجبت)، ورواه مسلم (2822) واللفظ له. من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
[4]-  منهاج العابدين إلى جنة رب العالمين، أبو حامد الغزالي، ص: 49.
[5] – منهاج العابدين إلى جنة رب العالمين، أبو حامد الغزالي، ص: 49.
[6] – رواه البيهقي في الزهد الكبير (973).
[7]-  في ظلال القرآن، سيد قطب دار الشروق القاهرة، ط: 17/1412 هـ، 1/ 38.
– تنوير المؤمنات، عبد السلام ياسين، 1/ 245 [8]
[9]-  يقول الله عز وجل:﴿ فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ﴾[البلد: 11-10].
[10]- تنوير المؤمنات، عبد السلام ياسين، 2/38.
[11]- أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب من يؤمر أن يجالس، رقم: 4833. والترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في أخذ المال بحقه، رقم: 2378، واللفظ لهما. وهو حديث حسن.
[12]- إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان، ابن قيم الجوزية، 1/ 126.
[13]- مقدمات في المنهاج، عبد السلام ياسين، ص: 66.
[14]- الإحسان، عبد السلام ياسين، 1/ 80.
[15] – نفسه، ص: 164، 162.