قانون إعدام الأسرى من محكمة الأرض إلى عدالة السماء

Cover Image for قانون إعدام الأسرى من محكمة الأرض إلى عدالة السماء
نشر بتاريخ

وأنا أتابع ما سطّرته محاكم الأرض وقوانينها في كيانٍ غاصبٍ جرّد نفسه من آخر بقايا الإنسانية، حين أقرّ تشريعًا يُجيز إعدام الأسرى بعد أن يُنهكوا تنكيلًا وتعذيبًا، ويُزجّ بهم في غياهب العقوبات وأقبية الإذلال؛ أدركت أنّنا لسنا أمام قانون، بل أمام وثيقة إدانة، ولا أمام محكمة، بل أمام مسرح دمٍ مُشرعن.

تشريعٌ لا يعبّر عن قوةٍ ولا سيادة، بل عن خوفٍ وعُريٍ أخلاقي، يجعل العالم اليوم شاهدًا على أبشع ما أفرزته الإنسانية، وعلى أسوأ نسخة بشرية خرجت إلى الوجود. مشهدٌ يفرض على العالم، شاء أم أبى، أن يقرّ ويعترف بسادية هذا الكيان ودمويته، وبانحداره الأخلاقي غير المسبوق.

ويشاء الله العزيز الجبّار المتكبّر أن يجعل هذا الكيان مكشوفًا مفضوحًا؛ فانكشفت سوأته، وسقطت سرديّته الزائفة التي طالما تغنّى بها لأكثر من نصف قرن، وتهاوت الأكاذيب التي احتمى بها طويلًا خلف شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان.

ويشاء الرحمن الرحيم أن يكون هذا الزمان زمن الفضيحة الكبرى، وأن يجعل طوفان الأقصى بداية سقوطه، ونقطة انتحاره التاريخي، وبداية اندحاره الأخلاقي والسياسي والإنساني.

وكأنّ الحق سبحانه وتعالى يردّنا اليوم، بالوقائع والأدلة والحجج والبراهين، إلى كتابه العزيز، لنقرأ القرآن الكريم قراءة وعيٍ وتدبّر، فنقف عند تلك الآيات البيّنات التي وصفت اليهود الصهاينة قتلة الأنبياء والمرسلين، فقال جلّ في علاه:  لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [سورة المائدة: 82].

وقد ظهرت عداوتهم اليوم ظهور الشمس في كبد السماء، لا للمؤمنين فحسب، بل للمسلمين كافة، وصدق ربّنا سبحانه، وهو أصدق القائلين وأرحم الراحمين.

أقف اليوم أمام جرأةٍ مقيتة لمجرمي الحرب من قادة الكيان، وهم ينتشون بسنّ قانون الإعدام، وكأنّ أكثر من سبعين ألف شهيد ارتقوا على يد الآلة الهمجية، خلال سنتين من بداية طوفان غزة العزّة، لم يكونوا بشرًا، بل مجرّد أرقام، أو حشرات، في ميزانهم الأسود.

الكيان الغاصب يمارس الإعدام بالقانون وبغير قانون؛ يقتل في الحرب كما يقتل في السِّلم، يقتل الأطفال والرضّع كما يقتل الحوامل والعجزة، يقتل النساء كما يقتل الرجال والشيوخ؛ لا عهد له ولا ذمّة، ولا وازع أخلاقي يردعه، ولا قيمة إنسانية تحكم سلوكه.

واليوم، يشهد العالم الذي طالما حاجج بالديمقراطية وحقوق الإنسان، أنّ صورة الكيان الغاصب قد أصبحت مكشوفة مفضوحة، صورة نازية بامتياز، ملوّنة بأصباغ السادية، ومزخرفة بدماء الأبرياء.

وفي هذا المقام، تحضرني كلمات الشهيد سيد قطب، مع أخته السيدة حميدة، قبيل إعدامه، حين قال قولته الخالدة: «إنهم لا يستطيعون ضرًّا ولا نفعًا… إن الأعمار بيد الله، وهم لا يستطيعون التحكّم في حياتي، ولا إطالة الأعمار ولا تقصيرها… كل ذلك بيد الله، والله من ورائهم محيط».

وأمّا الذي لا يعرفه الطغاة مجرمو الحرب، بقيادة النتن وإيتمار بن غفير، فأنّ الشهادة في سبيل الله هي مطلب الأسرى، وأنّ الإسراع بتنفيذ الإعدام ليس إلا إسراعًا في تنفيذ قدر الله، وصدق الله العظيم: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [سورة آل عمران: 169].

هي حياةٌ حقيقية ينعم بها الشهداء في كنف ربّهم، فرحين، مستبشرين، مبتهجين، كما قال سبحانه: فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [سورة آل عمران: 170].

هي الجنة إذن… هي الشهادة… هي الفوز وربّ الكعبة.

وعن أنس رضي الله عنه، في مشهد بدر الخالد، قال: انطلق رسول الله ﷺ وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، فقال ﷺ: «قوموا إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض»، فقال عمير بن الحمام الأنصاري: بخٍ بخٍ! ثم ألقى تمراته، وقال: «لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة»، فقاتل حتى قُتل، فكان من أهلها. (رواه الإمام مسلم).

وهكذا يكتب الله سننه في الأرض: تمضي محاكم الأرض بقوانينها الظالمة، وترتفع القضايا إلى عدالة السماء، يمضي الطغاة إلى مزابل التاريخ، ويمضي الشهداء إلى جنّات الخلود، ويبقى الحق عاليًا لا يُقنَّن، ويبقى الدم الطاهر شاهدًا لا يُمحى، ويبقى قانون إعدام الأسرى شاهد إدانة أبدية على القاتل، وعنوان فشلٍ أخلاقي لا تُنقذه كل محاكم الأرض.