ضمن الفقرة الثانية من نصيحة الوفاء، التي اختتمت بها جماعة العدل والإحسان فعاليات الذكرى الثالثة عشرة لرحيل إمامها المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى، يوم السبت 27 دجنبر 2025، تحت عنوان «سنة الله في النصر والتمكين»، قدمت الدكتورة كريمة البعوني مداخلة موسومة بـ«غزوة الأحزاب: وعد من الله لا يتخلف، وعمل دؤوب من موقن لا يتوقف»، تناولت فيها ثلاثة محاور:
المحور الأول: غزوة الأحزاب: السياق التاريخي والأسباب والنتائج.
المحور الثاني: طوفان الأقصى في ضوء غزوة الأحزاب: أوجه التشابه والاختلاف.
المحور الثالث: الدروس المستفادة في واقع الأمة المعاصر، وعلاقتها بالنصر والتمكين.
قدمت المتحدثة لمداخلتها بسؤالين؛ خص الأول الغاية من استدعاء أحداث وصراعات ارتبطت بميلاد الإسلام مع اختلاف السياقات والأوضاع وتباين الظروف والأحوال، والثاني سبب اختيار غزوة الأحزاب دون غيرها من الغزوات.

أما الإجابة عن السؤال الأول فقد اقتبستها من كلام للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى: “دراسة السيرة النبوية في المجتمع الجاهلي الأول تعطينا نموذج النشأة، ومعيار القيمة، وحقيقة التاريخ، وحظ الجهد البشري، وحياطة العناية الإلهية، وشروط هذه العناية. تعطينا صورة لسنة الله في فترة الميلاد الإسلامي نستهدي بملامحها العامة في سيرة التجدد الإسلامي”. وأما اختيار غزوة الأحزاب فقد أعزته لكونها غزوة امتحن الله فيها إيمان وإيقان وإرادة المؤمنين الأوائل رضي الله عنهم يوم أجمعت الأحزاب على قتالهم واستئصال دينهم، تعلم منها الصحابة الكرام أن “لا غالب إلا الله”، وهو نفس الدرس الذي تعلمناه في معركة طوفان الأقصى.
في المحور الأول؛ ذكرت البعوني بالسياق التاريخ للغزوة، التي وقعت في السنة الخامسة للهجرة، بعدما أيقنت طوائف الكفار أنها لن تستطيع مغالبة الإسلام إذا حاربته منفردة، فأجمعوا أمرهم على تأليب العرب ضد الإسلام وحشدهم في تحالف واسع قوامه أكثر من عشرة آلاف مقاتل ضد ثلاثة آلاف من المسلمين في المدينة.. وكان من دوافع هذا التحالف: رغبة قريش في الانتقام بعد هزائم غزوتي بدر وأحد، وعداوة يهود بني النضير ورغبتهم في استئصال الدعوة المحمدية بعدما أجلاهم الرسول صلى الله عليه وسلم من المدينة، إضافة إلى قلق زعماء الجزيرة من أن تصبح المدينة مركز قوة موحدة بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم.
فلما عرف المسلمون حجم هذا الخطر، وأن مجابهة هذه الجيوش الضخمة ليس طريقا للنصر، لجأت القيادة النبوية الحكيمة إلى تدبير مكيدة أشار بها الصحابي الجليل سلمان الفارسي، وهي حفر خندق عميق يحيط بالمدينة ويفصل بين المجاهدين وجيوش التحالف. وهذه خطة عسكرية دفاعية فريدة وناجحة لم تسمع العرب بمثلها قبلا، كانت نتيجتها فشل الأعداء في اقتحام الخندق، بعد حصار دام قرابة شهر حتى دب الخلاف بين الأحزاب، وأرسل الله ريحا عاصفة وجنودا لم يروها، فانهزموا وتغير ميزان القوة لصالح المسلمين.

في المحور الثاني تناولت المتحدثة أوجه التشابه بين غزوة الخندق ومعركة طوفان الأقصى، أولها الجذور التاريخية للصراع بين الإسلام واليهود الصهاينة، حيث تمثل معركة طوفان الأقصى امتدادا لتحالف أحزاب الكفر ضد المسلمين، وإحياء لعدائهم الدفين للإسلام.
ثم إن الله تعالى أنزل قرآنا في وصف حال المؤمنين وتصديقهم بوعد الله تعالى وحال المنافقين الذين في قلوبهم مرض، ومعركة طوفان الأقصى فضحت المنافقين والمتخاذلين، وأحيت في الأمة المعاني القرآنية الجليلة كصدق الإيمان، والصبر على البلاء والوفاء بالعهد مع الله وبيع الأنفس لله، والرحمة والإيثار والبذل..
وفي غزوة الأحزاب ذاق المجاهدون شدة الجوع والبرد والتعب والخوف والفزع والحصار ما يقارب الشهر، وذاق مثل ذلك إخواننا في غزة من جراء العدوان الصهيوني الغاصب ما يزيد عن سنتين، تحت القصف والتقتيل والتدمير والتهجير والتجويع والتعذيب والفقد والأسر والآلام والأحزان، مما لا تقوى على حمله الجبال.

وفي الغزوة كان الغدر والخيانة والخذلان من بني قريظة، وفي طوفان الأقصى لقي إخواننا في غزة في نفوسهم من خذلان الأنظمة الإسلامية والعربية ما كان أشد وقعا وأعمق تأثيرا وأقسى حسرة.
وخطة المجاهدين الدفاعية في غزوة الأحزاب كانت غير مسبوقة، وكذا كانت خطط المقاومين في غزة..
أما الاختلاف فقد كان في قدرة الرسول صلى الله عليه وسلم على حماية النساء والأطفال في حصون آمنة فلم يلحقهم الأذى، في حين لم تستطع المقاومة تأمين المرأة الغزاوية لأن العدوان الغاصب لم يترك بيتا ولا مسجدا ولا مدرسة ولا مشفى.. إلا دمره، ومع ذلك فإن المرأة الفلسطينية المجاهدة الصابرة المحتسبة أحيت نموذج الصحابيات المجاهدات أمثال سيدتنا أم عمارة..
وضمّنت البعوني المحور الثالث الدروس المستفادة في واقع الأمة المعاصر، مستقرئة شروط النصر والتمكين كما يلي:
1- حسن التوكل على الله تعالى، مقرونا بالجهد البشري المنظم والمخطط والعمل الدؤوب الذي لا يتوقف، وعلى نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم سار المجاهدون الصادقون الذين حملوا اللواء المحمدي في غزة..
2- بناء الإرادة الجماعية الفاعلة عاطفة وعملا؛ حيث كان من بركات الغزوة الشاة الضعيفة لجابر بن عبد الله التي دعا الرسول صلى الله عليه وسلم إليها المجاهدين فسمى وأكل وتوارد الناس تباعا، كل يأكل حتى يشبع، والواقعة تبين حرص الرسول الكريم على المجاهدين ورحمته بهم. ونسترشد منها إلى تربية الأجيال على العاطفة الجماعية والخلق الجماعي، كما نتعلم أن الروابط العاطفية الجماعية لنموذج المجتمع المسلم جوهرها البذل والإيثار وخدمة الغير..
3- الاسترشاد بالهدي النبوي في التربية على اليقين والاستبشار بوعد الله، حيث أخفى صلى الله عليه وسلم مظاهر القلق بعدما علم بنقض بني قريظة لعهدهم وصاح مكبرا: “الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين”.