في دراسة نقدية.. د. منار يفكك مستجدات المنظومة الانتخابية ويؤكد: لا قطيعة مع سابقاتها

Cover Image for في دراسة نقدية.. د. منار يفكك مستجدات المنظومة الانتخابية ويؤكد: لا قطيعة مع سابقاتها
نشر بتاريخ

أكد الدكتور محمد باسك منار، في دراسة نقدية مقارنة معمقة للإطار التشريعي الجديد، أن “انتخابات مجلس النواب لعام 2026 قد تعرف بعض السمات الجديدة، لكنها لن تكون انتخابات مغايرة على مستوى وظائفها وحدودها للانتخابات التي سبقتها”، وكشف الباحث في دراسته الصادرة عن المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات في ماي 2026، أن المنظومة القانونية التي نشرت في يناير 2026 تنطوي على “تناقضات جوهرية خطيرة”، مبرزا أن التعديلات الأخيرة لن تحدث قطيعة مع الأنماط الانتخابية السابقة.

ويرى الدكتور منار أن الممارسة الانتخابية في المغرب أثبتت “محدودية المقاربة القانونية والتنظيمية”، مشيرا إلى أن المشرع أغفل قضايا أساسية تمس جوهر العملية الديمقراطية، ومن أبرز هذه القضايا مسألة القاسم الانتخابي الذي احتسب على أساس المسجلين، مما يجعل لغير المصوتين تأثيرا في توزيع المقاعد، وهو ما وصفه بـ”التعديل الشاذ” الذي تم الإبقاء عليه دون تصحيح.

وأشارت الدراسة إلى أن المسار الذي سلكه إعداد هذه التعديلات لم يتجاوز ثلاثة أشهر من المجلس الوزاري إلى المصادقة، مما يعكس استمرارية في النهج القديم. وشدد الباحث على أن هذه المنظومة، رغم ما قد تحمله من تفاصيل تقنية، تظل محكومة بحدود الوظائف السياسية التي رسمت للانتخابات في التجارب الماضية.

قرينة البراءة وموانع الترشح الجديدة

اعتبرت الدراسة أن القانون التنظيمي رقم 53.25 تضمن ما وصفه الباحث بـ”المنحى الشاذ”، متمثلا في إمكانية المنع من الترشح “بمجرد الضبط في حالة تلبس بإحدى الجنح”، موضحا أن هذا المقتضى يعد “مسا واضحا بمبدأ قرينة البراءة الذي له قيمة دستورية”، على اعتبار أن حالة التلبس ليست سوى وصف إجرائي لجريمة مشتبه فيها، ولا يجب أن تسقط حق المواطن في الترشح قبل صدور حكم بات.

وحذر الباحث من خطورة هذا التوجه قائلا: “لقد أصبح من الممكن أن يضبط شخص في حالة تلبس أو يصدر في حقه حكم ابتدائي أو استئنافي، ثم تكون فيما بعد براءته، لكن بعد أن يكون قد منع من حقه في الترشح، الذي هو حق دستوري أساسي”. وانتقدت الدراسة مسايرة المحكمة الدستورية للمشرع في هذا الجانب، متجاوزة قراراتها السابقة التي كانت تربط المنع من الأهلية بالأحكام النهائية حصرا.

وفي سياق متصل، أبدت الدراسة استغرابا من توسيع منع الترشح ليشمل جميع الموظفين والأطر التابعين لوزارة الداخلية أو العاملين بها. وتساءل الباحث مستنكرا: “كيف يمنع مئات المواطنين من حقهم في الترشح لانتخابات فقط بسبب كونهم موظفين أو عاملين بوزارة الداخلية، وقد يتعلق الأمر بموظفين وعاملين لا نفوذ لهم في مجال إدارة الانتخابات”، معتبرا هذا التوسع غير مبرر قانونيا أو منطقيا.

ومن جانب آخر، رحب الباحث ببعض المقتضيات التي رآها إيجابية، مثل “ربط منع الأهلية للترشيح بحكم نهائي بالعزل من مسؤولية انتدابية”، ومضاعفة فترة منع الترشح للمسؤولين في الدوائر التي زاولوا فيها مهامهم من سنتين إلى أربع سنوات، مما يساهم في فك الارتباط بين النفوذ الإداري والعملية الانتخابية.

هيمنة متزايدة لوزارة الداخلية بالمغرب

سجلت الدراسة “تعزيز مكانة وزارة الداخلية ودورها في إدارة الانتخابات” من خلال إسناد مهام قانونية جديدة لها، حيث أصبحت هي الجهة المخولة بمطالبة المحكمة الدستورية بتجريد النواب من عضويتهم، ورفع النزاعات المتعلقة بحالات التنافي. ويرى الباحث أن هذا التوسع “يكرس الابتعاد عن مطلب الإدارة المستقلة للانتخابات” الذي نادت به القوى السياسية منذ عقود.

وأشار الدكتور منار إلى وجود “مفارقة تدل على تحولات عميقة في طبيعة الأحزاب السياسية”، حيث أصبحت هذه الأحزاب تتوجه لوزارة الداخلية باعتبارها الضامن للنزاهة بدلا من المطالبة باستقلال الإدارة الانتخابية. كما لفت إلى هيمنة الوزارة على الإعداد التشريعي، حيث كانت هي من حددت “ما يجب تعديله وما لا يجب تعديله”، وكان جواب وزيرها الغالب على مقترحات البرلمانيين هو “تعديل مرفوض”.

ومن الناحية السياسية، اعتبرت الدراسة أن تكليف الملك لوزير الداخلية مباشرة بالإعداد للانتخابات في خطاب العرش 2025 يعد خروجا عن التقليد المعمول به منذ دستور 2011، وذكر ما جاء في توجيهاته: “أعطينا توجيهاتنا السامية لوزير الداخلية من أجل الإعداد الجيد للانتخابات التشريعية المقبلة”، وهذا يعزز مركزية الوزارة في المشهد الانتخابي.

كما انتقد الباحث غياب الإرادة في تطوير آليات التصويت، حيث أبقى التعديل على التصويت بالوكالة مع الاكتفاء برقمنته، متسائلا: “ألم يكن ممكنا – على الأقل – تخصيص منصة رقمية للتصويت الإلكتروني وليس لمجرد إنجاز الوكالة؟” ويرى أن هذه الخيارات التقنية تعكس رغبة في التحكم في العملية الانتخابية أكثر من السعي لتحديثها الفعلي.

القاسم الانتخابي والثغرات التقنية المستمرة

توقفت الدراسة عند قضية “القاسم الانتخابي” الذي يحتسب على أساس المسجلين، معتبرة أن استمراره “يمس في الجوهر بالحق في التصويت”. وأكد الباحث أن بقاء هذا المقتضى منذ عام 2021 دون تصحيح يعد إبقاء على ثغرة جوهرية تجعل أصوات المقاطعين وغير المصوتين مؤثرة في توزيع المقاعد البرلمانية، مما يضرب عدالة التمثيل في الصميم.

وفيما يخص العتبة الانتخابية، لاحظ الباحث أن المشرع استمر في حذفها رغم أن “وجود العتبة يسهم في ترشيد الوجود الحزبي داخل البرلمان”. ويرى منار تناقضا صارخا بين تسهيل دخول الأحزاب للبرلمان عبر إلغاء العتبة، وبين التشديد الكبير في شروط تأسيس الأحزاب التي رفعت إلى 2000 عضو مؤسس على الأقل، مما يخلق مشهدا سياسيا مشوها.

أما بخصوص مغاربة الخارج، فقد سجلت الدراسة استمرار حرمانهم من دوائر انتخابية خاصة بهم، حيث “لم يؤخذ بما اقترحته بعض الأحزاب السياسية من تخصيص نسبة لترشحهم عبر لائحة وطنية”. واقتصرت التعديلات على السماح لهم بالترشح في الدوائر المحلية والجهوية داخل الوطن، وهو ما اعتبره الباحث عدم استجابة لمطالب تمثيلية هذه الفئة الواسعة من المواطنين.

وخلصت الدراسة في هذا المحور إلى أن هذه النقائص ليست مجرد تفاصيل تقنية، بل هي “مسائل تمس صميم عدالة التمثيل السياسي”. ويرى الباحث أن الإطار التشريعي لعام 2026 لم يجرؤ على معالجة هذه الاختلالات الهيكلية، مفضلا التركيز على جوانب شكلية لا تغير من طبيعة التوازنات السياسية القائمة.

تشديد العقوبات ومواجهة الذكاء الاصطناعي

أكد الدكتور منار أن “الطابع البارز الذي طبع التعديلات هو تشديد العقوبات”، وهو ما اعتبره في مجمله “أمرا إيجابيا بحكم أنه يصب في محاصرة الفساد الانتخابي”. ومن أبرز ملامح هذا التشديد، رفع عقوبة كسر صناديق الاقتراع من الحبس لسنتين كحد أقصى إلى “السجن من 5 سنوات إلى 10 سنوات” مع مضاعفة الغرامات المالية.

ولفت منار إلى أن المشرع أدخل تجريما صريحا لاستخدام التكنولوجيا في تزييف إرادة الناخبين، حيث نص على تجريم نشر محتويات كاذبة عبر “أدوات الذكاء الاصطناعي” أو منصات التواصل الاجتماعي بقصد التشهير أو المساس بنزاهة العمليات الانتخابية. وبينما نوه الباحث بمواكبة التطورات الرقمية المتسارعة؛ انتقد في الوقت ذاته الصياغات التي قد تمس بحرية التعبير تحت ذريعة منع “التشكيك في صدقية ونزاهة الانتخابات”.

بيد أن الباحث أثار تساؤلا جوهريا حول فعالية هذه المقاربة: “هل يكفي الردع الزجري لمحاربة الفساد الانتخابي؟”، وذكر بأن القوانين السابقة تضمنت دائما مستجدات زجرية، لكن ذلك لم يمنع استمرار الفساد.

ويرى منار أن الاكتفاء بالمدخل الزجري دون إصلاح سياسي شامل يظل ناقصا. فالتشديد في العقوبات، رغم أهميته، قد يتحول إلى أداة للتضييق على المراقبة الشعبية والنقاش العام حول جودة العملية الانتخابية، خاصة في ظل المصطلحات الفضفاضة التي قد تستخدم لملاحقة المنتقدين للمسار الانتخابي.

هيمنة الإدارة وتهميش دور الأحزاب

انتقدت الدراسة الظرفية التي أعدت فيها القوانين، حيث اتسمت بـ”هيمنة تشريعية واضحة للأغلبية الحكومية”، مما أدى إلى رفض معظم تعديلات المعارضة. وسجل الباحث بأسف “محدودية المشاركة الفعلية للأحزاب السياسية في الإصلاح الانتخابي”، حيث إن الكثير من المقتضيات المقررة لا وجود لها في مذكرات الأحزاب.

ولفت الباحث في مفارقة عجيبة إلى ضيق الوقت الممنوح للأحزاب لتقديم مقترحاتها، حيث طلب منها ذلك في أقل من شهر صادف عطلة غشت، وهي “مدة غير كافية” لمناقشة قضايا مصيرية. كما أثارت الدراسة تساؤلات حول جدوى الدعم المالي المتعدد الأوجه للأحزاب، متسائلة: “ألا يشكل هذا الدعم المالي المتعدد الأوجه سببا من أسباب التعددية الحزبية المميعة؟”، ومحذرة من تحوله إلى ريع سياسي يفسد العمل الحزبي.

ورغم اعترافه ببعض الجوانب الإيجابية مثل توسيع آجال الطعن وتطوير الرقمنة وتشجيع تمثيلية النساء والشباب، إلا أن الدكتور منار يخلص إلى أن التقييم العام يؤكد “استمرار تغليب المقاربة القانونية والتنظيمية في التعامل مع الانتخابات”، ويرى أن هذه المقاربة أثبتت محدوديتها في إحداث تغيير حقيقي في المشهد السياسي المغربي.

وشدد الباحث على أن التمويل العمومي لم ينجح في رفع الفعالية الانتخابية للأحزاب طيلة ثلاثة عقود، مما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى السياسة الحالية. وتبقى انتخابات 2026، وفق هذه الدراسة التحليلية، محطة تقنية أكثر منها سياسية، في ظل غياب إصلاحات تلمس جوهر العملية التمثيلية وتضمن استقلاليتها التامة.