يصور كثير من الأعداء الإسلام دينا إرهابيا متعطشا للدماء معاد للسلام ومتشوقا للقتال، وهو تحامل تنفيه أدلة الأصول والمبادئ وتكذبه شواهد التاريخ، فالإسلام دين سلام، اشتقاقا من اسمه وانطلاقا من غايته، لهذا جعل الجهاد بمعنى القتال حدثا استثنائيا في حياة المسلمين، وأحاطه بشروط وضمانات تجعل منه فعلا دفاعيا واضطراريا حماية لاستقرار البشرية وسعادتها، وفق فلسفة إحيائية بنائية لا صراعية إفنائية.
ونحن في شهر الله ذي القعدة، الذي هو من الأشهر الحرم التي جعلها الله للْعَرَب قِوَامًا تَعْتَدِلُ عِنْدَها، فَكَانَتْ لَا تَسْفِكُ دَما، وَلَا تُغيِرُ على بعضها، وَهِيَ رَجَبٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، ثَلَاثَة سَرْدٌ وَوَاحِد فَرْدٌ، ثلاثة سرد أي متتابعة وواحد فرد هو رجب.
أقف بين يدي سؤال ورد على لسان القرشيين والصحابة أيضا رضي الله عنهم عن حكم القتال في الأشهر الحرم، بسبب واقعة ذكرتها كتب السير، وهي ما حصل لسرية عبد الله بن جحش، فجاء البيان الإلاهي شاملا في آية واحدة – والراجح أنها غير منسوخة – مقعدا للقواعد وواضعا للأصول، وأولها دعم الإسلام لكل مبادرة ولكل مكسب إنساني يدعم السلام ويحد من الحرب والعدوان زمانيا أو مكانيا، ويعتبر خرق فترات الهدنة والسلام المتفق عليها كبيرة من الكبائر وجريمة شنيعة. ثانيها أنه يرتب الأولويات فيستثني الدفاع عن النفس ودوس المقدسات وانتهاك الحرمات فالمقصود قتال الابتداء، لا قتال الدفع. ثالثها يعتبر أن زرع بذور الكراهية والعدوان بين الناس ونشر الفتن والمؤامرات وزعزعة استقرار المجتمعات هو أشد أثرا وأخطر من القتال نفسه. وفي الأخير يقر قاعدة أزلية دائمة وهي استمرارية الحرب على أهل الإسلام والإيمان من أهل الكفر لردهم عن دينهم إن استطاعوا، إذ أن المصالح العارضة لا تحجب الغاية الأصيلة، ثم رتب الجزاء الدنيوي والأخروي على الردة الثابتة غير المرجوع عنها.
یَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ قِتَالࣲ فِیهِۖ قُلۡ قِتَالࣱ فِیهِ كَبِیرࣱۚ وَصَدٌّ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِ وَكُفۡرُۢ بِهِۦ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَإِخۡرَاجُ أَهۡلِهِۦ مِنۡهُ أَكۡبَرُ عِندَ ٱللَّهِۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَكۡبَرُ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۗ وَلَا یَزَالُونَ یُقَـٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ یَرُدُّوكُمۡ عَن دِینِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَـٰعُوا۟ وَمَن یَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِینِهِۦ فَیَمُتۡ وَهُوَ كَافِرࣱ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡـَٔاخِرَةِۖ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ [البقرة: 217].
ففلسفة القتال في الإسلام تقوم في أصلها النظري والفقهي على أن القتال ليس غاية، بل وسيلة استثنائية تلجئ إليها الضرورة لحماية الإنسان والمجتمع ورد العدوان، ضمن ضوابط أخلاقية وشرعية، ويمكن فهمها من خلال عدة قواعد:
1- الأصل هو السلم لا الحرب
فالإسلام لا يجعل الحرب هي الحالة الطبيعية بين الناس، بل الأصل هو التعايش والعلاقات السلمية. وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا [الأنفال: 61]، أي إذا اتجه الطرف الآخر للسلم، فالأصل قبول ذلك، والقتال هو معنى واحد من معاني الجهاد، وحتى “فقه القطيعة” 1 الذي يقسم العالم إلى دار إسلام ودار حرب، ينبغي أن نعي أنه فقه نشأ تحت ظل “حكم السيف” وأنه ينبغي تجاوز مقولاته وفتاويه، بل ينبغي “أن نَتَحرر من هذا الفقه التاريخي لنؤَسس على قواعد التبليغ النبوي ونحمل للناس الدعوة في أسواقهم ومنتدياتهم وقبائلهم وبواديهم وحواضرهم كما كان فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم” 2.
2- الدفاع عن النفس ورد العدوان
وقد وضعت الشريعة الإسلامية مبررات للقتال لعل من أبرزها:
– مناصرة الحق: الَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوٓا۟ أَوْلِيَآءَ ٱلشَّيْطَٰنِ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا [النساء: 76].
– الدفاع عن النفس: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا [البقرة: 190] فالقيد الأساسي هنا الذين يقاتلونكم أي الدفاع عن النفس مع تناسب العدوان مع الرد لا مجاوزة الحد.
– حماية المجتمع: وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضࣲ لَّهُدِّمَتۡ صَوَ ٰمِعُ وَبِیَعࣱ وَصَلَوَ ٰتࣱ وَمَسَـٰجِدُ یُذۡكَرُ فِیهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِیرࣰاۗ [الحج: 40].
– رفع الاضطهاد: وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَـٰتِلُونَ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِینَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَاۤءِ وَٱلۡوِلۡدَ ٰنِ ٱلَّذِینَ یَقُولُونَ رَبَّنَاۤ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَـٰذِهِ ٱلۡقَرۡیَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِیࣰّا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِیرًا [النساء: 75]. فمن دواعي القتال أيضًا نصرة المظلومين إذا تعرّضوا للقهر الشديد ومساعدتهم على التحرر بأنواعه، أي أن البعد الإنساني حاضر، لا مجرد المصلحة المادية.
– حماية حرية الاعتقاد: وَقَـٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةࣱ وَیَكُونَ ٱلدِّینُ لِلَّهِۖ فَإِنِ ٱنتَهَوۡا۟ فَلَا عُدۡوَ ٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّـٰلِمِینَ [البقرة: 193].
– رد العدوان الخارجي: ٱلَّذِینَ أُخۡرِجُوا۟ مِن دِیَـٰرِهِم بِغَیۡرِ حَقٍّ إِلَّاۤ أَن یَقُولُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُۗ (…) وَلَیَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن یَنصُرُهُۥۤ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِیٌّ عَزِیزٌ [الحج: 40].
3- قتال أخلاقي مضبوط بحدود الشرع
الحرب في الإسلام ليست مفتوحة بلا حدود أو قيود، بل مقيدة بضوابط أخلاقية، فالبعد الروحي والأخلاقي حاضر بقوة أثناء القتال، حيث يُطلب الانضباط الأخلاقي؛ من تجديد النية فلا تكون للبطش أو الانتقام، وتجنب الظلم والطغيان، والعفو والرحمة عند القدرة، وإكرام الأسرى ومعاملتهم بإنسانية. وبالتالي فاتفاقيات الأسرى ومناهضة التعذيب هي اتفاقات مقدرة شرعا لها كل الاعتبار والاحترام والالتزام، ومن هذه الضوابط:
– تحريم الغدر وخيانة العهد: وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوۡمٍ خِیَانَةࣰ فَٱنۢبِذۡ إِلَیۡهِمۡ عَلَىٰ سَوَاۤءٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ ٱلۡخَاۤىِٕنِینَ [الأنفال: 58].
– عدم قتل المدنيين وغير المشاركين في القتال: إِنَّمَا ٱلسَّبِیلُ عَلَى ٱلَّذِینَ یَظۡلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَیَبۡغُونَ فِی ٱلۡأَرۡضِ بِغَیۡرِ ٱلۡحَقِّۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ [الشورى: 42].
– تحرم التمثيل بالجثث: فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النهبى والمثلة. رواه البخارى في “الصحيح” عن آدم بن أبي إياس، عن عبد الله بن عامر أنه قدم على أبي بكر الصديق برأس البطريق فأنكر ذلك، فقال: يا خليفة رسول الله، فإنهم يفعلون ذلك بنا. قال: فاستنان بفارس والروم، لا يحمل إلي رأس، فإنما يكفي الكتاب والخبر.
– عدم الفساد والإفساد: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا بعَث سَريَّةً قال اغزُوا بِسمِ اللهِ وفي سبيلِ اللهِ فقاتِلوا مَن كفَر باللهِ لا تغُلُّوا ولا تغدِروا ولا تُمثِّلوا ولا تقتُلوا وليدًا ولا امرأةً ولا شيخًا، مع إنهاء الحرب متى زال سببها، فإذا توقف العدوان أو طلب الصلح، يفترض التوقف عن القتال، فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ [البقرة: 193]، فالحرب مرتبطة بسبب، ولا تستمر لذاتها.
– احترام العهود والمواثيق: إِلَّا ٱلَّذِینَ عَـٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِینَ ثُمَّ لَمۡ یَنقُصُوكُمۡ شَیۡـࣰٔا وَلَمۡ یُظَـٰهِرُوا۟ عَلَیۡكُمۡ أَحَدࣰا فَأَتِمُّوۤا۟ إِلَیۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِینَ [التوبة: 4]. قَـٰتِلُوهُمۡ یُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ بِأَیۡدِیكُمۡ وَیُخۡزِهِمۡ وَیَنصُرۡكُمۡ عَلَیۡهِمۡ وَیَشۡفِ صُدُورَ قَوۡمࣲ مُّؤۡمِنِینَ [التوبة: 14].
وقد توسع الفقه الإسلامي في أحكام الجهاد بمنطق غلبة السيف لا بمنطق الحوار وحسن الجوار.
4- تحريم القتال بين المسلمين والمؤمنين
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً [النساء: 92]، وقد يكون الاجتهاد في التقدير خطأ، واستنفاذ كل سبل الحوار والإصلاح والتحاكم، ومن هنا كان اللجوء إلى حل المنازعات بالطرق السلمية في المحاكم والمنظمات الدولية أحد وجوه الرشد الإنساني المعتبرة إسلاميا، فوحدة الأمة أصل، وكل دعوة إلى التفرقة والتجزئة والتشرذم كيف ما كان المبرر والسبب هي دعوة شيطانية إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: 92]، مع التأكيد على فرضية التوحد في مقاتلة الكفار والمشركين وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [التوبة: 36]، كافة أي جميعا، أو كافين لعدوانهم وطغيانهم، وهذا أمر موجه للأمة المحمدية، فالقتل أنفى للقتل.
وختاما وجب التمييز بين المبادئ الإسلامية النظرية وممارسات الدول أو الجماعات عبر التاريخ، فقد وقعت وتقع حروب توسعية أو سياسية باسم الإسلام، لكنها لا تمثل بالضرورة الفلسفة الأصلية للشريعة، ففلسفة القتال في الإسلام مقيّدة أخلاقيا، دفاعية في أصلها، مرتبطة بسبب، وتنتهي بزواله، مع تقديم السلم والعدل متى أمكن، لكن هل معنى هذا أن نغيِّب فريضة الجهاد؟ لا، “وإنما معناه أن الذي أمرنا بالجهاد أمرنا قبله بإعداد القوة إعداداً طويلا، وعلمنا بالمِثال والمقال أن الجهاد أصناف أولها الدعوة والتبليغ والحكمة والموعظة الحسنة ومجادلة الناس بالتي هي أحسن” 3.