فلسطين بوابة التحول التاريخي: قراءة تحليلية لمسارات الصراع والوعي بعد طوفان الأقصى

Cover Image for فلسطين بوابة التحول التاريخي: قراءة تحليلية لمسارات الصراع والوعي بعد طوفان الأقصى
نشر بتاريخ

منذ اندلاع طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023، وما أعقبه من تحولات إقليمية ودولية عميقة، دخلت القضية الفلسطينية مرحلة جديدة غير مسبوقة من تداخل القوة والشرعية والصورة، وأُعيد تشكيل الخريطة الذهنية والسياسية للنقاش العالمي حولها، بما فتح مساحات واسعة لإعادة قراءة تاريخ الصراع وحدوده المفاهيمية. في هذا السياق، برزت مؤشرات دالّة على حجم التحول الجاري، من بينها ما صرّح به الباحث الفرنسي في قضايا الإسلام السياسي فرانسوا بورغا حين قال: “إنني أكنّ احتراماً وتقديراً أكبر لقادة حماس أكثر من قادة دولة إسرائيل، ولا أعتقد أنني الوحيد الذي يعتقد ذلك، بل على العكس تماما” 1، وهو تصريح بدا صادماً حين صدر عن مفكر غربي ينتمي إلى فضاء سياسي وإعلامي شديد الانحياز تقليدياً للرواية الإسرائيلية، وكشف عن تحول أعمق يطرأ داخل المجتمعات الغربية، نتيجة التناقضات التي فضحها طوفان الأقصى في الخطاب الرسمي والإعلامي الغربي حول مفهومي المقاومة والإرهاب.

لقد انهارت، تحت وطأة هذا الحدث، مقولات راسخة مثل “الجيش الذي لا يُقهَر”، وتصدعت الرواية الغربية، وعادت فلسطين إلى مركز السياسة الدولية على نحو لم تعرفه منذ الانتفاضة الثانية. وأمام هذا التحول، وجدت الشعوب العربية والإسلامية نفسها أمام سؤال وجودي جديد: إلى أين تتجه القضية، وبأي بوصلة تُقرأ التحولات القادمة؟ كما فرضت الحرب الأخيرة أسئلة مركزية تتعلق بوظيفة المفاهيم في النظام الدولي: من يحدد ماهية المقاومة؟ وكيف يُعاد إنتاج صفة الإرهاب في الإعلام الغربي؟ ولماذا تُشرعن إسرائيل استعمال القوة بصورة تلقائية، بينما تُجرَّم المقاومة الفلسطينية وفق المعايير نفسها التي وُضعت أصلاً لحماية المدنيين بموجب اتفاقيات جنيف (1949)؟ 2.

لقد أثبتت المقاومة الفلسطينية، بفضل صمودها وقدراتها العسكرية النوعية وتماسك جبهتها الشعبية، أن الصراع لم يعد شأناً أمنياً محدوداً ولا اشتباكاً حدودياً عابراً، بل بات صراعَ إراداتٍ كبرى يعيد تشكيل المشهد الدولي. وكشف طوفان الأقصى عن مظاهر انهيار داخلي في البنية الصهيونية اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، بما يطرح سؤالاً استراتيجياً عميقاً: هل نحن أمام بداية نهاية منظومة استعمارية كاملة، أم مجرد جولة عسكرية في صراع طويل؟

إقليمياً، تراجعت أولويات التطبيع، واتضح أن السلام الإقليمي الذي جرى تسويقه لسنوات كان هشّاً يفتقر إلى قاعدة اجتماعية صلبة، في الوقت الذي تقوّى فيه صوت القوى الشعبية في العالم العربي والإسلامي التي تؤكد أن فلسطين لم تفقد مركزيتها، وأنها ليست ورقة تفاوضية عابرة، بل روح الأمة النابضة. كما برهن الطوفان أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تخلق شرعية في ذاتها، وأن الكيان الذي يفتقر إلى الشرعية الأخلاقية محكوم بالاهتزاز والانهيار، مهما امتلك من عتاد وتقنيات.

وعلى المستوى الدولي، بدا واضحاً أن الغرب فقد القدرة على حجب الحقيقة، وأن العالم يشهد تحولاً عميقاً في الوعي الجمعي؛ حيث خرجت الملايين في مدن العالم المختلفة تندد بالاحتلال وبالجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني. ولم يعد هذا التحول العميق في الضمير العالمي عابراً أو ظرفياً، بل أصبح يمثّل بداية تشكل رأي عام دولي جديد يقرأ المسألة الفلسطينية خارج سردية “الحرب على الإرهاب”، ويفتح الباب أمام إعادة تعريف مفاهيم القوة والشرعية والعدالة في النظام الدولي.

من خلال هذه التحولات المتداخلة، يتضح أن طوفان الأقصى لم يكن حدثاً عسكرياً فحسب، بل شكّل منعطفاً معرفياً يحتم إعادة قراءة المسارات الكبرى للقضية الفلسطينية ضمن ثلاثة إطارات متلازمة:

– مسار تاريخي أنتج بنية الاستعمار الاستيطاني وتطور الإرهاب الصهيوني تحت غطاء الدعم الغربي.

– مسار مقاوم حاولت خلاله القوى الفلسطينية ترسيخ مشروعيتها القانونية والسياسية، رغم محاولات الوصم والتجريم.

– مسار استشرافي يرصد مآلات القضية الفلسطينية ضمن التحولات التاريخية بحيث يبرز في خضم هذا المشهد، السؤال الأكثر عمقاً: كيف تُقرأ فلسطين في ميزان حركية التاريخ؟ وهنا تتقدم رؤية فكرية استثنائية قدّمها الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، الذي جعل من فلسطين محوراً بنيوياً في مشروعه الفكري والاستشرافي، لا بوصفها أرضاً محتلة فحسب، بل باعتبارها مركزاً لاستئناف حركة التاريخ الإسلامي، ونقطة انعطاف في مسار الأمة نحو الموعود الإلهي وحتمية النصر لدين الله الحق، بما يمنح قراءة هذه التحولات بعداً يتجاوز اللحظة السياسية نحو أفق سنني وحضاري أوسع.

أولاً: الجذور التاريخية لمسار الصراع: من وعد بلفور إلى طوفان الأقصى

إن فهم مسارات القضية الفلسطينية بعد طوفان الأقصى يستوجب العودة إلى منطق تشكّل القوة داخل فلسطين منذ بداية القرن العشرين، حين أُصدِر وعد بلفور سنة 1917، الذي صاغه وزير الخارجية البريطاني جيمس بلفور وأعطى بموجبه الضوء الأخضر لإقامة “وطن قومي لليهود” في فلسطين.

لم يكن هذا الوعد مجرد وثيقة سياسية عابرة، بل كان امتداداً لبنية كاملة من المصالح الاستعمارية التي رأت في الحركة الصهيونية أداة استراتيجية لتأمين طريق الهند، وبأهداف كبرى متعددة وغير معلنة، ليس أقلها خشية بريطانيا من النهوض الكبير في حركة التحرر القومي العربية، وبالتالي نهجت سياسة فرق تسد من خلال إدخال قومية أخرى بكل تعسف داخل الوطن العربي ليتسنى مجابهة اليهود بالعرب 3. وهو ما كانت تصرح به الصحافة البريطانية آنذاك بدون مواربة، كتبت في هذا الصدد صحيفة سانداي كرونيكل: “لا يوجد جنس آخر في العالم كله يستطيع أن يقوم بهذه الخدمات لنا غير اليهود أنفسهم.. ولدينا في القوة الصهيونية القوة المحركة التي ستجعل امتداد الامبراطورية البريطانية إلى فلسطين مصدر كبرياء وركن قوة” 4. وكتبت صحيفة يفننغ ستاندارد: “لقد أوضحت المصالح البريطانية منذ وقت طويل ضرورة قيام دولة جاهزة بين مصر وحكومة تركية معادية، والصهيونية تزودنا بالحل” 5.

وقد وظّفت بريطانيا منذ البداية نظام الانتداب ليكون مظلة قانونية تُنفّذ من خلالها مضمون الوعد، عبر تسهيل الهجرة اليهودية، وتمكين العصابات الصهيونية من بناء قوة عسكرية موازية؛ وفي الوقت الذي كان فيه تنفيذ هذا الوعد المشؤوم ساريا كانت القوات البريطانية ترتكب خلال نفس المدة عددا من المذابح في حق الفلسطينيين، وقمعت بشدة ثوراتهم، وأبرزها ثورة عام 1920، وثورة البراق عام 1929، وثورة عز الدين القسّام عام 1935، ثم الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936.  

وهكذا؛ يد تقدم السلاح لليهود، ويد تذبح أصحاب الأرض، في عملية تم التخطيط لها بإحكام، ولتكتمل الحبكة الدرامية، وجه اليهود أسلحتهم نحو القوات البريطانية نفسها، وذلك بهدف إرباك الوضع داخل فلسطين من خلال محاولة سحب شرعية المقاومة من أصحاب الأرض لصالح الوافدين الصهاينة، الذين تكتلوا ضمن عصابات تنهج العنف المسلح، وترفع شعارات الاستقلال لتمويه الرأي العام العالمي.

يقول الكاتب والمفكر الفلسطيني عبد القادر ياسين 6: “بينما سمح للصهاينة أن  يبنوا مصانع أسلحة وذخيرة، ويتسلحون ويقيمون فرق عسكرية، كان في المقابل إذا ألقي القبض على فلسطيني معه مظروف طلق ناري فارغ، يحكمون عليه بالإعدام، لذلك لم تكن بين أيدي العرب الفلسطينيين أي أسلحة تذكر مقابل تسلح كامل لليهود الصهاينة” 7.

بلغ الإرهاب الصهيوني مرحلة شديدة العنف مع تفجير فندق الملك داوود سنة 1946 الذي نفذته عصابة “الأرغون” الصهيونية، وأسفر عن مقتل 91 شخصاً من العرب واليهود والبريطانيين 8، لتستمر العمليات الإرهابية الخاصة بالعصابات الصهيونية من أمثال: “الهاغاناه” وزعيمها دافيد بن غوريون، وعصابة “الأرغون” المنشقة عنها، وزعيمها أبراهام تيهومي، وعصابة “شتيرن” المنشقة عن الأرغون، وزعيمها ابراهام شتيرن، وبعد أن قامت الشرطة البريطانية بقتله، شكّل أتباعه عصابة سرية جديدة تحت اسم “ليحي”، اشتهرت بشكل خاص باستخدام الاغتيال كأداة للإرهاب، وقد برز بين صفوف هذه العصابة إسحاق شامير، الذي سيصبح رئيسا للحكومة الإسرائيلية سنة 1983 9.

ثم جاءت مجزرة دير ياسين في 10 أبريـل عـام 1948، لتكون بوابة التطهير العرقي، عندما أقدم الصهاينة على قتل المئات مـن النـساء والأطفـال والـشيوخ 10، بكل برودة أعصاب، وذلك بهدف بـث الرعـب فـي قلـوب الـسكان الفلسطينيين، وإرغامهم بذلك على مغادرة أراضـيهم. وكانت هي أولى المجازر ذات التأثير الكبير على الأحداث فيما بعد.

بعد إنشاء إسرائيل سنة 1948، انتقل الإرهاب الصهيوني من مستوى العصابات إلى إرهاب الدولة، وتجسد ذلك في مجازر قبية 11، في الأول من أكتوبر من سنة 1953 حيث قامـت القـوات الصهيونية بمهاجمة قرية قبية 12، وقتلت 75 شخـصاً من النساء والأطفال والرجال، وعدد كبير من الجرحى، ثـم دمـرت القريـة ومسجدها ومدرستها وخزان مياهها 13، وكانت المذبحة التي ارتكبها الإرهاب الصهيوني في هذه القرية مثالا على نية الصهاينة الواضحة في نهج الإبادة الجماعية للفلسطينيين منذ البداية، حيث كانت الأوامر واضحة جلية من القيادة السياسية والعسكرية الصهيونية، والتي ذكرها قائد الوحدة المكلفة بهذا الهجوم في مذكراته “آرييل شارون”: “كانت هذه الأوامر واضحة تماما، يجب أن تكون قبية أمثولة ومثالا” 14.

وفـي 28 و29 مارس من العام التالي 1954، قامـت تلـك القـوات بمهاجمـة قريـة غالين، وقتلت 14 شخصاً ثم دمرت القريـة، وبعـد أقـل مـن عـام فـي 8 فبراير 1955 هاجمت القوات الـصهيونية قطـاع غـزة وقتلـت 60 شخصاً 15، ولكي لا تسلم جبهـة مـن الجبهـات العربيـة الأخرى من الإرهاب الصهيوني، قامت القـوات الـصهيونية الإرهابية النظاميـة بمباغتـة قريـة البطحية فـي سـوريا فـي 11 و12 دجنبر 1955، وقتلـت خمسين شخصاً، وأسرت 28، ثم عـاودت تلـك القـوات الهجـوم علـى قـرى الـضفة الغربيـة، فهاجمـت قلقيليـة فـي 10 و11 أكتـوبر من سنة 1956، حيث قتلت 48 مدنياً، وقبل ساعات من بدء العدوان الثلاثي علـى مـصر مـساء 29 أكتوبر سنة 1956 اختار الصهاينة عــرب الأراضي المحتلة الواقعة تحت سـيطرتهم هـدفاً لإرهابهـم، فهاجمـت قرية كفر قاسم فقتلت مـنهم 49 شخـصا 16، دون تمييز بين الرجال والنساء والأطفال، وكـان احتلالهـم لقطـاع غـزة سنة 1956 مناسبة لممارسة الصهاينة متعتهم المفضلة: “الإرهاب”. لتتسع العمليات الإرهابية على نطاق أوسع سنة 1967، حيث أفـاد العـديد مـن المـراقبين الـدوليين بأنهم شاهدوا بشكل مباشر عمليات الإعـدام الجمـاعي والقبـور الجماعيـة. ليستمر الإرهاب الصهيوني بعد سنة 1967 كسياسة ممنهجة منظمة تقوم بها الدولة الصهيونية، وترعاها الدول العظمى، ويقوم بالتغطية عليها الإعلام الدولي المتبني للرواية الإسرائيلية في غالبيته.

ليس هدفنا من ذكر هذا العدد من المجازر التي ارتكبها الصهاينة في حق الفلسطينيين، – رغم أننا لم نحط بغالبيتها – هو إعادة إنتاج سردية الاستضعاف، مقابل نوسطالجيا حمراء محفوظة حقوقها في اسم جنس بشري يعتبر نفسه فوق بقية الأجناس، أو إعادة إنتاج بكائيات تنسخ نفسها لتنتج في الأخير استسلاما ضعيفا خانعا راضيا. إن عدد المجازر المرتكبة من طرف الصهاينة مستعصية على العد أو الإحصاء، والمسار الدموي لم ينقطع، بل توسع مع توسع الدولة العبرية نفسها، وتحول إلى سلوك بنيوي يعيد إنتاج نفسه في كل حرب أو مواجهة. إنها سياسة يومية متبعة تقوم بها الدولة، كما يمارسها الأفراد بكل متعة، ويباركها نظام دولي لا يرى إلا رد فعل الفلسطيني الذي أخرج من أرضه واغتصبت أراضيه وقتل ذويه وانتهكت جميع حقوقه، فيحاول أن يمارس حقه في المقاومة والدفاع عن نفسه؛ ليجد نفسه أمام آلة دعائية جبارة تنعته بالإرهابي الهمجي غير المتحضر.

أية حضارة هاته التي تمنع المظلوم من الدفاع عن نفسه وتنعته بالإرهابي، وتمنح الظالم حق الاعتداء دون حتى أدنى شجب أو إدانة؟

عندما يتحدث البعض عن سيرورة الأحداث بعد السابع من أكتوبر، وأنها لن تكون كما كانت قبله، فمن ضمن هذه المستجدات المتغيرة هو الموقف من الإرهاب الصهيوني، ليس فقط المواقف الشعبية المجتمعية، بل حتى الحكومات ستجد نفسها أمام حرج كبير في استمرار دعمها اللامحدود لآلة إجرامية لا تعرف التوقف. ليس جديدا أن يخرج من داخل الدول الغربية من ينتقد الإرهاب الصهيوني، فقد كانت هناك دائما أصوات تسمي الأمور بمسمياتها: إبادة جماعية، تطهير عرقي، ونذكر على سبيل المثال كتاب “التطهير العرقي في فلسطين” للمؤرخ الإسرائيلي – المناهض للصهيونية – “إيلان بابيه”، الذي يسلط الضوء على الروايات الإسرائيلية الزائفة للتاريخ، فيشير إلى أن مسؤولي الاحتلال قادوا حملات تشويه ممنهجة لطمس تاريخ نكبة 1948، قائلا: “لو حدث هذا في القرن الحادي والعشرين، لكان سُمِّي تطهيرا عِرقيا” 17.

نعيش الآن القرن الواحد والعشرون، ونعيش فيه نكبة أخرى تجاوزت النكبة الأولى من حيث عدد الضحايا والتدمير والسادية، وأكيد أن بينهما نكبات ونكبات، فلماذا العالم المتحضر لم يصل بعد إلى المستوى الحضاري الذي يخوله تسمية ما يقع بالإبادة الجماعية، أو التطهير العرقي كما كان يأمل “إيلان بابيه”، ويتوقف عن دعم الفاعل المجرم؟

أسئلة تلو أخرى ستبقى بدون إجابات حقيقية حتى يعترف العالم “المتحضّر” بأنه شارك في أكبر جريمة تقع في التاريخ الحديث، وأنه منع المظلوم من الدفاع عن نفسه، وساعد الظالم في الاستمرار في ظلمه. وليس له إلا أن يعترف؛ فما قامت به الدولة الصهيونية بعد السابع من أكتوبر، في ظل التطور الإعلامي العابر للحدود والرقابة، سيساهم في إيصال الحقيقة مهما كانت درجة قوة انتشار الدعاية الإعلامية الكلاسيكية المغرضة. ولن يستطيع لا المؤيدون لإسرائيل، ولا الساكتون الصامتون أن يدفعوا عن أنفسهم تهمة التواطؤ، لأن الجريمة الصهيونية أكبر من أن تسكت عنها الإنسانية، وقد شاهدنا بعد طوفان الأقصى، كيف تنهار الحواجز الوهمية بين المفاهيم، وتتضح بشكل جلي؛ حتى بالنسبة لمن غشت الآلة الإعلامية المتواطئة بصرهم وبصيرتهم، المعنى الحقيقي لمصطلح الإرهاب، والتعريف الصائب لمفهوم المقاومة.

ثانياً: مسارات المقاومة الفلسطينية ومحاولة ترسيخ المشروعية القانونية

“هذه هي المرة الأولى في التاريخ المعاصر التي تجري فيها محاولات إبادة للشعب الفلسطيني، أنا حضرت نكبة 48 وحرب 56 و67 كلها بمثابة مزحات أمام ما يحدث اليوم” 18.

شخصية المؤرخ الفلسطيني عبد القادر ياسين 19، ليست شخصية طارئة على الأحداث بالمنطقة، أو أحد المفكرين الذين يتناولون موضوع القضية الفلسطينية في المنتديات والمحافل الدولية، ينتهي اهتمامهم بالموضوع بانتهاء المحفل؛ عبد القادر ياسين ابن فلسطين، وعايش نكبة 1948، “ولد في 26 يناير 1936 في مدينة يافا، وقبيل وصول العصابات الصهيونية إلى مدينته عام 1948 ذهب مع أهله إلى مصر، في رحلة كان من المفترض أن تكون قصيرة، لكنه خرج مطلع عام 1948 من بيته، ولم يعد إليه مرة أخرى” 20، وبالتالي فعندما يتحدث شخص مثله ينبغي الاستماع إليه بشكل جيد.

إن ما فعله الصهاينة بغزة بعد السابع من أكتوبر يدحض كل المغالطات حول شرعية المقاومة، ويجعل من المسار التاريخي الذي سلكته منذ نكبة 1948، مسارا طبيعيا كان ينبغي أن تسلكه كسيرورة حتمية. لنرجع قليلا إلى ما قبل نكبة 1948، ونتساءل بتجرد: هل كان وعد بلفور ذا صبغة قانونية مؤسساتية أم كان مجرد تصريح سياسي لا ينطوي على أي التزام قانوني؟ 21 وهل كان لبريطانيا الحق أساسا في منح طائفة معينة مشتتة في العالم، وعدا بإقامة دولة لهم على أرض لا تملكها؟ ألا يعتبر هذا الوعد – حسب شرعة المتعاقدين المتعارف عليها – مشوبا بانعدام الأهلية عند التعاقد، فقد أعطى من لا يملك لمن لا يستحق 22.

ألا يعتبر الوجود الصهيوني على أرض فلسطين مخالفا لكل المواثيق والعهود والاتفاقيات الدولية، التي تعتبر حق تقرير الشعوب لمصيرها حقا مقدسا؛ لماذا يستثنى حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإنشاء دولته المستقلة؟

ثم إن الجمعية العامة للأمم المتحدة أصدرت قرارا في 10 دجنبر سنة 1969، جاء فيه أن “الجمعية العامة تؤكد من جديد حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف”، بل في خطوة متقدمة أعلنت الجمعية العامة في قرارٍ لها، عام 1970، اعترفت فيه لشعب فلسطين بالتساوي في الحقوق وبحق تقرير مصيره بنفسه وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، فأنشأت قاعدة عرفية جديدة مؤداها التسليم للشعوب الخاضعة للسيطرة الاستعمارية أو الاحتلال الأجنبي أو لنُظم عنصرية، بالنضال المسلح من أجل الحصول على الحق في تقرير المصير 23.

إن النضال المسلح ضد الاحتلال هو حق تكفله كل القوانين الدولية والأعراف الإنسانية، وهو ما قام به الشعب الفلسطيني لانتزاع حقه في تقرير مصيره، فبأي حق يتم نعت نضاله بالإرهاب؟

في الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الصادر بسان فرانسيسكو سنة 1945 وفي البند 51 منه، نجد مدبجا بوضوح: “ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة” 24. قد يجادل البعض بأن فلسطين ليست لها عضوية كاملة بالأمم المتحدة، وبالتالي فهذه المادة ليست شاملة لها، فهناك قرارات أخرى للجمعية العامة كانت تالية على ميثاق الأمم المتحدة، عضدته وأكدت خصوصيته، حول “حق الفلسطينيين غير القابل للتصرف، وحقه في استعادة حقوقه بكل الوسائل” 25.

بل أكثر من ذلك هناك تفصيلات عامة أخرى، في تشريعات أممية خاصة بالحروب، والقواعد الإنسانية المرتبطة بها، شرّع فيها القانون الدولي المقاومة المسلحة من أجل الدفاع عن النفس وحماية الممتلكات ووحدة إقليم الدولة المحتلة 26. فالبروتوكول الأول الملحق باتفاقيات جنيف والمتعلق بالمنازعات المسلحة، أشار بشكل واضح إلى مشروعية المقاومة المسلحة من أجل التحرر، والتي جاء فيها: “تتضمن الأوضاع المشار إليها المنازعات المسلحة التي تناضل فيها الشعوب ضد التسلط كحق الشعوب في تقرير المصير” 27. ووضعت المادة الثانية والمادة الرابعة من اتفاقية جنيف الثالثة الخاصة بأسرى الحرب سنة 1949، وقبلها المادة الأولى من اتفاقية لاهاي الخاصة باحترام قواعد الحرب البرية سنة 1907، شروطا محددة لاكتساب أي مقاومة مسلحة للشرعية الدولية؛ منها أن يكون لهم رئيس مسؤول، وأن يكون حمل السلاح علنا، وتكون لهم علامة مميزة وظاهرة، وأن يلتزموا في مقاومتهم بقوانين الحرب 28.

إن الحركة الوطنية الفلسطينية منذ بداياتها، وعلى رأسها حركة المقاومة الإسلامية “حماس” حاولت أن تجعل مقاومتها منسجمة مع هذه المعايير المسطرة التي تمنح الشعوب المحتلة حق الدفاع عن نفسها.

انطلاقا من هذا المعطى القانوني فإن مواقف الدول الغربية من القضية الفلسطينية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، التي تصنف راعية رسمية للكيان الصهيوني، تعتبر منافية بشكل مبدئي للمواثيق والمعاهدات الدولية، وأن تصنيفها للمقاومة الفلسطينية ضمن المنظمات الإرهابية هو تصنيف أقل ما يمكن أن يوصف به أنه منحاز للمعتدي دون صاحب الحق، وأن هذه الازدواجية في التعبير عن المواقف، تعتبر مشاركة ضمنية في الاعتداءات الهمجية المنظمة على شعب مسالم ظلم بشكل متكرر، بحيث تعطي للصهاينة الضوء الأخضر لاستمرارهم في همجيتهم دون هاجس المحاسبة.

ثالثاً: طوفان الأقصى: من لحظة الانفجار المعنوي إلى إعادة تشكيل المشهد الفلسطيني والعالمي

شكّل طوفان الأقصى صدمة عميقة للنظام الرمزي الذي بنت عليه إسرائيل صورة تفوقها المطلق، إذ لم يقتصر أثره على تفكيك منظومة الردع العسكرية، بل زعزع في الوقت نفسه مرتكزات الخطاب الغربي الذي وجد نفسه عاجزًا عن تفسير الحدث خارج معجمه التقليدي القائم على نزع الشرعية عن المقاومة. غير أن التحولات المتراكمة داخل المجتمعات الغربية، ولا سيما في الأوساط الأكاديمية والشبابية، كشفت عن تآكل فعلي في قدرة السردية الإسرائيلية على احتواء المشهد أو ضبط تأويلاته، وهو ما يفسر الغضب غير المسبوق الذي أثاره تصريح “فرانسوا بورغا”، إذ رأت فيه القوى اليمينية الفرنسية تهديدًا مباشرًا لبنية خطابية راسخة تقوم على تصنيف المقاومة ضمن خانة “الإرهاب”. كما أسهم الطوفان في تعرية هشاشة الرواية الإسرائيلية داخليًا وخارجيًا، وتوسيع دائرة التعاطف العالمي مع الشعب الفلسطيني، وإعادة فتح النقاش حول شرعية المقاومة في مواجهة الاستعمار الاستيطاني، فضلًا عن فضح الازدواجية البنيوية في الخطاب الغربي المتعلق بحقوق الإنسان.

وعليه، لا يمكن اختزال طوفان الأقصى في كونه حدثاً عسكرياً طارئاً أو لحظة صدام عابرة، بل يتعين فهمه بوصفه نقطة انعطاف مفصلية أعادت تشكيل البنية الإدراكية العالمية للقضية الفلسطينية، وأحدثت تصدّعاً عميقاً في أنماط التمثّل التقليدية التي ظلت تؤطرها على مدى عقود. فقد أسهم هذا الحدث في زحزحة الإطار السردي المهيمن، وفتح المجال أمام مقاربات أكثر تعقيداً لطبيعة الصراع وتموضعاته الرمزية والسياسية. وفي أعقاب هذه المرحلة، انفتحت القضية الفلسطينية على مسارات مركبة يمكن تفكيكها من خلال حزمة من التحولات الكبرى التي أعادت توزيع مركز الثقل داخل المجالين الإعلامي والسياسي الدوليين:

– شهدت صورة المقاومة انتقالاً لافتاً من نطاق التجريم المسبق إلى فضاء النقاش العمومي العلني داخل المجتمعات الغربية، ولا سيما في الأوساط الأكاديمية والإعلامية، بما يمثل تحولاً بنيوياً في أنماط التلقي والتمثيل، مرشحاً لأن تتوسع آثاره على المدى المتوسط والبعيد. ولم تعد المقاومة تُستحضر بوصفها خطاباً هامشياً أو خارجاً عن الشرعية الرمزية، بل أصبحت موضوعاً مشروعاً للجدل وإعادة التقييم داخل دوائر كانت تاريخياً مغلقة أمام مثل هذا النقاش.

– بدأت السردية الإسرائيلية تعرف تآكلاً ملحوظاً في قدرتها على احتكار المعنى وتأطير الحدث، بفعل التدفق غير المسبوق لمواد التوثيق البصري والسمعي التي كشفت عن حجم الانتهاكات الميدانية، وأضعفت فاعلية خطاب الضحية الذي طالما استند إلى دعم سياسي وإعلامي واسع. وقد أسهم هذا التحول في إحداث فجوة متنامية بين الخطاب الرسمي الإسرائيلي والتمثلات المتداولة داخل الرأي العام العالمي.

– استعادت القضية الفلسطينية موقعها في مركز الأجندة السياسية الدولية، بعد سنوات من محاولات التهميش والتجاوز عبر مسارات التطبيع وإعادة الترتيب الجيوسياسي للمنطقة. ولم تعد فلسطين قضية هامشية في خطاب العلاقات الدولية، بل عادت لتفرض حضورها بوصفها نقطة توتر مركزية في بنية النظام الدولي، ومجالاً كاشفاً لاختلالات عميقة في منظومات القانون الدولي والشرعية الأممية.

– أعادت هذه اللحظة المفصلية طرح مفهوم الأمن الإقليمي على نحو جذري، إذ كشفت عن هشاشة التصورات الأمنية التي قامت عليها السياسات الإسرائيلية لعقود، ودفعت مراكز البحث الغربية إلى مراجعة افتراضاتها النظرية بشأن الردع والاستقرار في الشرق الأوسط. وقد برز ذلك في الانتقال من خطاب “التفوق الأمني” إلى خطاب أكثر حذراً يقرّ بتعقيد البيئة الاستراتيجية وبقابلية النماذج الأمنية التقليدية للتآكل والانكشاف.

رابعا: الرؤية الاستشرافية للإمام عبد السلام ياسين… فلسطين بوابة التحول التاريخي

إذا كان طوفان الأقصى قد مثّل في الزمن السياسي المعاصر لحظة كاشفة لاختلال موازين القوة، فإن الرؤية التي صاغها الإمام عبد السلام ياسين للقضية الفلسطينية تمثل في الزمن المعرفي للأمة، لحظة تأسيسية لإعادة بناء معنى التاريخ نفسه. ففلسطين، في هذا الأفق، لا تُفهم باعتبارها نزاعاً على الأرض أو السيادة، بل باعتبارها مفصلا تاريخيا حاسما تتقاطع فيه السنن الإلهية مع هندسة الصراع العالمي، ونقطة ارتكاز لفهم موقع الأمة بين الاستخلاف والاستتباع، وبين الوعد الرباني ومكر القوى الجاهلية. يقول الإمام بجلاء: “قضية فلسطين بداية المواجهة الحاسمة بين الحق والباطل، بين الجاهلية والإسلام. مع الجاهلية تنبؤ يهودي بمملكة صهيون الألفية. ومع الإسلام وعد الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بالنصر المبين، وبالخلافة على منهاج النبوة، وبظهور هذا الدين على الدين كله ولو كره المشركون، ولو كره الكافرون” 29، فهنا لا تُقرأ فلسطين كفرع من فروع الصراع، بل كأصله ومبدئه، وكعنوان مكثَّف لمعركة المعنى في التاريخ.

وتنبثق من هذا التصور قراءة دقيقة لموقع المقاومة الفلسطينية في الوعي الإسلامي المعاصر، باعتبارها ظاهرة كاشفة لا مجرّد فعل سياسي. ففي نظر الإمام، لم تكن المقاومة مجرد رد فعل، بل أداة فضح تاريخية للأنظمة والشعارات التي صنعتها النخب العربية والدولية. ويعبّر عن ذلك بقوله: “وظهرت في تفرد المقاومة الفلسطينية بالوقوف أمام اليهود وقوفا فضح زعماء الثورات وعباقرة صنع السلام. وهو المصطلح المنافق للاستسلام والانهزام” 30. وبهذا المعنى، تتحول المقاومة إلى معيار أخلاقي لقياس صدقية المشاريع السياسية، لا مجرد حالة عسكرية تُقاس بنتائج المعارك.

ولا يكتمل البناء التحليلي في رؤية الإمام من دون تفكيك بنية النظام الدولي الذي تُدار داخله القضية الفلسطينية. فهو لا ينظر إلى إسرائيل ككيان منفصل، بل كأداة وظيفية داخل منظومة هيمنة أوسع. يقول في هذا السياق: “تاريخ نعيشه دون أن نفقه له معنى غير معنى الهجوم الإمبريالي، وكون دولة اليهود بيدقا في رقعة أمريكا، لو كان القرآن دليلنا وكنا أهل القرآن نتلو لفظه ونحمل أمانته ونحيا به لرأينا بنور الله إمساك اليهود بزمام القضية كلها، وتحكمهم في مصائر الشعوب، من خلف ستار الدولة العظمى والمتوسطة والصغيرة، بل من عقر دار المسلمين، لهم من بعض الحكام على المسلمين نصراء ونظراء ومعجبون” 31. وبهذا الفهم، تغدو فلسطين مفتاحاً معرفياً لفهم أنماط الهيمنة العالمية، لا مجرد ساحة من ساحاتها.

وفي المستوى الأعمق من الرؤية الاستشرافية، يشدد الإمام على أن شرط النصر لا يكمن في توازن القوة وحده، بل في إعادة تشكيل الوعي على أساس قرآني. فهو يحذّر بلهجة صارمة من أي مشروع تحرري يُبنى خارج هذا الأفق، قائلاً: “لن يكون لنا النفس الطويل، ولا الثقة بنصر الله، ولا القدرة على إعداد العدة في الأمد البعيد، إن لم نجعل جوهر القضية في وعينا وحركتنا مطابقا لتعليم القرآن في المسألة، مستنيرا بهديه، مسايرا له في تفسيره إلى أعماق النفس اليهودية الخبيثة، والقلب اليهودي الأشد قسوة من كل القلوب، وكفر يهود ونفاقهم ومكرهم وصدهم عن سبيل الله” 32. وبهذا تتحول فلسطين من قضية سياسية إلى معيار مركزي لصدق الانتماء القرآني ذاته.

إن تأكيد الإمام في سرديته التحليلية، أن اختزال الصراع في كونه هجوماً إمبريالياً فقط يُفقده جوهره الغيبي والتاريخي الأعمق ليس إطناباً لغوياً، بل استراتيجية فكرية تهدف إلى خلخلة الوعي السائد. أما في قراءته للمسار العربي الرسمي، فإنه يرى فيه سلسلة من الانكسارات التي تراكمت باسم تحرير فلسطين، حتى فقدت القضية نفسها مكانتها في الضمير السياسي الرسمي. ويعبر عن هذا المأزق بمرارة تاريخية: “حروب عربية إسرائيلية طاحنة نتج عنها مزيد من النكسات والنكبات وخيبات الأمل، سقطت أنظمة وقامت أخرى، ونفذ حكم الإعدام في خونة، ومازال آخرون ينتظرون إقامة الحدود، وكلهم يبررون وجودهم زاعمين أنهم من أجل القضية يوجدون، ومن أجل استعادة الوطن السليب والحق المغتصب يعملون، لكن أين أصبحنا اليوم من القضية، بل أين أصبحت القضية منا؟” 33؛ هنا يتحول السؤال من كونه توصيـفاً للواقع إلى محاكمة أخلاقية للتاريخ السياسي العربي المعاصر.

ووفق هذا المنظور، لا تعود فلسطين مجرد ملف في العلاقات الدولية، بل تغدو الميزان الذي تُقاس به صدقية مشروع النهضة الإسلامية كله. فهي بوابة العبور من زمن القابلية للاستعمار إلى زمن الاستخلاف، ومن وهم القوة إلى حقيقة الشرعية، ومن السياسة الواقعية إلى السياسة المؤمنة بسنن الله. ومن هنا، فإن ما بعد طوفان الأقصى لا يختزل في مآلات الهدنة أو الحرب، بل يقرأ باعتباره احتمالا تاريخيا جديدا لإعادة توجيه مسار الأمة، حيث تلتقي الرؤية الاستشرافية بالإرادة الشعبية، ويتحول الجرح الفلسطيني من مأساة مفتوحة إلى محرك للتاريخ.

خاتمة

إن المسارات الكبرى للقضية الفلسطينية بعد طوفان الأقصى تكشف أن ما جرى لا يمكن اختزاله في حدث عسكري ولا في جولة من جولات الصراع التقليدي، بل في لحظة تاريخية مفصلية أعادت تشكيل وعي العالم بطبيعة الصراع، وبحدود القوة، وبأزمات الشرعية داخل النظام الدولي. فقد انكسرت سرديات راسخة، وتصدّعت أنماط تمثّل استقرت لعقود، وانفتح الأفق أمام قراءة أكثر تعقيداً لمعنى المقاومة، وصورة الاستعمار، ووظيفة القانون الدولي في عالم تحكمه موازين الهيمنة أكثر مما تحكمه مبادئ العدالة.

لقد أظهر الطوفان أن فلسطين لم تعد مجرد قضية إقليمية، بل غدت مرآةً كاشفة لاختلالات النظام العالمي، ومختبراً حياً لإعادة تعريف مفاهيم السيادة والشرعية والإنسانية. وبينما تتراجع قدرة الخطاب الغربي على احتكار المعنى، وتتآكل السردية الإسرائيلية تحت وطأة الوقائع المتكشفة، يبرز وعي عالمي جديد لا يقرأ الصراع من داخل ثنائية الأمن والإرهاب، بل من داخل سؤال أعمق؛ يتصل بالحق التاريخي، والعدالة المغيّبة، وشرعية مقاومة الشعوب للاحتلال والاستعمار الاستيطاني.

وفي هذا الأفق، تكتسب الرؤية الاستشرافية للإمام عبد السلام ياسين مكانتها بوصفها قراءة تتجاوز اللحظة السياسية نحو أفق سنني وحضاري أرحب، إذ تُعاد فلسطين فيها إلى موقعها بوصفها مفصلاً تاريخياً حاسماً في مسار الأمة، وميزاناً أخلاقياً لصدق مشاريع النهضة والتحرر. فالقضية لا تُختزل في حدود جغرافية ولا في تفاوض سياسي، بل تنفتح على معنى أعمق يتصل بموقع الأمة بين الاستتباع والاستخلاف، وبين منطق القوة المجردة ومنطق الحق المؤسس على السنن الإلهية.

وعليه، فإن ما بعد طوفان الأقصى لا يُقرأ كمرحلة انتقالية عابرة، بل كاحتمال تاريخي مفتوح، تتقاطع فيه إرادة الشعوب مع تحولات النظام الدولي، وتتجاور فيه مشاهد الألم مع إمكانات النهوض. فلسطين، في هذا السياق، ليست جرحاً مفتوحاً في الجسد العربي والإسلامي فحسب، بل بوصلةً للتاريخ، ومعيارا لمعنى العدالة في عالم مضطرب، وبوابة لإعادة طرح سؤال الإنسان عن حريته وكرامته ومكانه في مسار الحضارة.


[1] فرانسوا، بورغا. متابعة إخبارية على الموقع الإلكتروني الجزيرة نت، تاريخ الاطلاع: 29/03/2024:
https://www.aljazeera.net/politics/2024/1/10/أعلن-احترامه-لقادة-حماس-حملة-ضد-المفكر

[2] المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة 1945.
[3] نفسه، ص 135- 136.
[4] ايميل، توما. جذور القضية الفلسطينية، منظمة التحرير الفلسطينية، دار الجليل، دمشق، 1981، ص 87.
[5] نفسه، ص 88.
[6] كاتب ومفكر فلسطيني، ولد بيافا سنة 1937، له عدة مؤلفات ودراسات حول القضية الفلسطينية.
[7] ياسين، عبد القادر. برنامج أرشيفهم وتاريخنا: ملف الإرهاب الصهيوني قبل تأسيس دولة إسرائيل، ج 1، قناة الجزيرة الفضائية، قطر، 2013. تاريخ الاطلاع: 30/11/2025، https://www.youtube.com/watch?v=n_WYFdibCPM
[8] الجزيرة الوثائقية، تفجير فندق الملك داوود.. جريمة الصهاينة المسكوت عنها، تاريخ الاطلاع: 30/11/2025، https://doc.aljazeera.net/history/2020/10/12/تفجير-فندق-الملك-داوود-جريمة-الصهاينة.
[9] ماهر، الشريف. جذور الإرهاب الصهيوني، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2023، تاريخ الاطلاع، 11/04/2024، https://www.palestine-studies.org/ar/node/1654849
[10] إيميل، حبيبي. كفر قاسم، المجزرة السياسية، حيفا، منشورات عربسك، 1976، ص 82.
[11] الحمد، جواد. الشعب الفلسطيني ضحية الإرهاب والمذابح الصهيونية، مركز دراسات الشرق الأوسط، 1995، ص 24.
[12] نفسه.
[13] هيئة الموسوعة الفلسطينية، الموسوعة الفلسطينية، المجلد الثالث، الطبعة1، 1984، ص 502.
[14] مذكرات آرييل شارون، ترجمة أنطوان عبير، بيروت، مكتبة بيسان، 1991، ص 110.
[15] أبو النمل، حسين. قطاع غزة 1948-1967 تطورات اقتصادية وسياسية واجتماعية وعسكرية، بيروت، مركز الأبحاث منظمة التحرير الفلسطينية، 1979، ص 121.
[16] الحمد، جواد. مرجع سابق، ص 29.
[17] إيلان، بابيه. التطهير العرقي في فلسطين، نقلا عن الموقع الإلكتروني الجزيرة نت، تاريخ الاطلاع: 02/12/2025. https://www.aljazeera.net/midan/miscellaneous/2023/11/12/
[18] ياسين، عبد القادر. حديث مع المؤرخ عبد القادر ياسين، الموقع الإلكتروني TRT عربي، 30 نونبر 2025، تاريخ الاطلاع، 12/04/2024،  16810043https://www.trtarabi.com/issues/
[19] سبق تعريفه.
[20] ياسين، عبد القادر. لهذا فشلت مشاريع توطين الفلسطينيين خارج أرضهم، الموقع الإلكتروني الجزيرة نت، 28 نونبر 2023، تاريخ الاطلاع، 12/04/2024، https://www.aljazeera.net/culture/2023/11/28/.
[21] شعبان، عبد الحسين. وعد بلفور في مئويته، مجلة المستقبل العربي، المجلد 40، العدد 467، ص 148.
[22] حنا، إلياس. الوضع القانوني للمقاومة العربية في الأرض المحتلة، منظمة التحرير الفلسطينية مركز الأبحاث، بيروت، لبنان. 1968، ص 13.
[23] عبد الحي، أحمد. دور الأمم المتحدة في تثبيت وجود إسرائيل وإهدار كيان فلسطين: القضية الفلسطينية في نصف قرن، منشورات فلسطين المسلمة، ط 1،  لندن، ص 81-82.
[24] المادة 51 من ميثاق الامم المتحدة 1945.
[25] عادل، إحسان. فلسطين دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة، الأهلية للنشر، ط 1، عمان، الأردن، 2014، ص 17.
[26] فوده، عز الدين. الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية في ضوء القانون الدولي العام، منظمة التحرير الفلسطينية، مركز الأبحاث، بيروت، لبنان، 1969، ص 150.
[27] المادة الأولى والرابعة من البروتوكول الأول الملحق باتفاقيات جنيف 1977.
[28] المادة الأولى من اتفاقية لاهاي الخاصة باحترام قواعد الحرب البرية لعام 1907، والمادة 4/2 من اتفاقية جنيف الثالثة الخاصة بأسرى الحرب لعام 1949.
[29] ياسين، عبد السلام. سنة الله، مطبعة النجاح لجديدة، ط 1، الدار البيضاء، 2005-1426، ص 119.
[30] ياسين، عبد السلام. القرآن والنبوة، دار لبنان للطباعة والنشر، لبنان، 1431 ط 1-2010، ص 70.
[31] ياسين، عبد السلام. مرجع سابق، ص 67.
[32] نفسه، ص 65.
[33] ياسين، عبد السلام. الحماس الرخيص “افتتاحية”، مجلة الجماعة، العدد 15، شهر ربيع الأول 1404، ص 8.