فضل زيارة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم

Cover Image for فضل زيارة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم
نشر بتاريخ

حين يرد ذكر المدينة المنورة في وجدان المؤمن، فإنما يستحضر موطنا تشرف بخطوات سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وأرضا اختارها الله لتكون دار هجرته ومهوى أفئدة المحبين إلى يوم الدين. فالمدينة أشرقت يوم دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرا، وسماها المدينة المنورة، بعد أن كانت تعرف بيثرب، فجعلها حرما آمنا كما جعل مكة حرما بدعوة خليله إبراهيم عليه السلام.

إن حضور المدينة في وجدان المؤمن حضور متجدد، ينهل معناه من مقام النبي صلى الله عليه وسلم فيها، ويتشكل من تفاعل الذاكرة الإيمانية مع معالمها، فكل موضع فيها يستدعي معنى من معاني السيرة، وكل أثر يشي بإشراقة من إشراقات النبوة، حتى كأن الزائر يعيش تواصلا وجدانيا مع زمن الرسالة، يستحضر به مقامات الصحبة، وأحوال الجهاد، ومشاهد التربية النبوية، وقد كانت المدينة المنورة محل ود النبي صلى الله عليه وسلم وعنايته، أحبها حبا عميقا حتى رفع الدعاء قائلا: “اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد”.

ومن أخص ما يتجلى للزائر في هذا المقام المبارك انبعاث محبة النبي صلى الله عليه وسلم في القلب، وهي محبة تتجاوز حدود الشعور العاطفي لتصبح مبدأ موجها للسلوك؛ إذ بها يتشكل وعي الاتباع، وتستنهض همة الاقتداء. وقد دل الهدي النبوي على أن كمال الإيمان لا يتحقق إلا بترسخ هذه المحبة في سويداء القلب، حتى تصير ميزانا توزن به الروابط كلها.

وقد تجلت هذه المحبة في الرعيل الأول، حيث استبطنت القلوب حضور النبي صلى الله عليه وسلم، حتى غدا أصلا في ترتيب الأولويات وبناء المواقف. فكان الصحابة رضي الله عنهم يستمدون من هذا الحب طاقة على الثبات والبذل، ويتحول فيهم إلى وعي رسالي يتجاوز حدود الذات إلى حمل أعباء الدعوة، فقد جاء سيدنا عمر بن الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنك أحب إلي من نفسي وأهلي وولدي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه) فمحبة الحبيب المصطفى شرط الإيمان.

وبالمثل مثلت مواقف الصحابيات صورة بالغة الدلالة في صدق المحبة، حيث انصهرت العاطفة في معنى الوفاء للنبي صلى الله عليه وسلم، بما يكشف عن عمق الأثر التربوي الذي أحدثته الصحبة في النفوس، فقد خرجت امرأة من الأنصار- وهي السميراء بنت قيس المشهورة بأم حكيم – يوم أحد تبحث عن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن سمعت بمقتل كثير من الصحابة، فقيل لها: قتل زوجك، فقالت: ما فعل رسول الله؟ فقيل لها: قتل أبوك، فقالت: ما فعل رسول الله؟ فقيل لها: قتل أخوك، فقالت: ما فعل رسول الله؟ حتى قيل لها: ها هو ذا. فلما رأته قالت كلمتها الخالدة: “كل مصيبة بعدك جلل يا رسول الله”.

ومن أروع مشاهد الحب ما وقع لسيدنا بلال رضي الله عنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، لما ضاقت عليه المدينة، لأن كل موضع فيها كان يوقظ في نفسه ذكرى الحبيب المصطفى. فلما عاد بعد سنين، وقصد قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأذن للصلاة، بكى وأهل المدينة معه بكاء شديدا، استحضارا للأيام التي كان فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم.

في المدينة تسكن الأرواح في حضرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويستشعر المؤمن بحب رسول الله أن المكان مغمور ببركة أنواره، فترفعه روحانيته إلى عيش أحداث من السيرة النبوية. فمنذ خروجك من مكة المكرمة في طريق الهجرة تندهش لطول المسافة التي قطعها الحبيب المصطفى وهو يمشي على تلك التضاريس البركانية الوعرة هاربا من بطش كفار قريش. فتستحضر معاناته والصحابة الكرام بداية دعوة الإسلام.

وتتوقف أمام ميقات ذي الحليفة الذي منه أحرم رسول الله لأداء حجة الوداع، فتسترجع خطبة الوداع ووصاياه صلى الله عليه وسلم، فهذا مسجد قباء أول مسجد شيد في الإسلام، ومنه تغوص في مشاهد المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وإقبال الوفود المبايعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وانخراط الصحابة والصحابيات لبناء الدولة الإسلامية وتوسيعها وتبليغ دعوة الله.

وذاك جبل أحد محب رسول الله ومحبوبه صلى الله عليه وسلم، لا يزال شامخا يحرس المدينة ويؤوي إليه أرواح الشهداء، محتفظا بأسرار تخطيطات الغزوة ودروسها.

وتصل ثنية الوداع قبل دخول المدينة المنورة؛ ذلك المكان المرتفع الذي يودع ويستقبل أهل المدينة مسافريهم به، فتسترجع فرحة أهل المدينة وإنشاد صبيانهم النشيد المشهور؛ طلع البدر علينا من ثنية الوداع، مستقبلين النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام في هجرتهم المباركة.

 ثم يعود الزائر في ذهنه إلى غزوة تبوك، تلك الحملة المباركة التي خرج فيها جيش المسلمين بإيعاز النبي صلى الله عليه وسلم، لمواجهة الروم في الشمال، وانتهت دون قتال مباشر، لكنها أظهرت عزة المسلمين وصدق إيمانهم، وكشفت مكائد المنافقين ووضعت حدا للتهديدات الرومية.

وعندما تصل إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث الحجرات، وحيث الروضة الشريفة التي تحتضن قلبا أرحم بالبشر من أنفسهم. هنا تأخذك الأجواء الروحانية إلى زمن رسول الله، فتشعر وكأنك تعيش بين ظهراني الحبيب وأصحابه. هنا كان الحبيب يصلي ويدعو، وهنا كانت دموعه تسيل في جوف الليل وهو ينادي ربه لأجل أمته، وهنا كان يجالس صحابته، فتعيش أحداث السيرة النبوية وكأنها أحداث مسلسل يومي من سيرة الرحمة المهداة للعالمين عليه أفضل الصلاة والسلام، وسيرة الصحابة والصحابيات رضي الله عنهم وأرضاهم، تتعمق في أسرار أنوارها وعظاتها، فكل موضع بالمدينة يذكرك بسيرة الحبيب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وكل آذان يوقظ في روحك ذكرى دعوته، وكل صلاة في مسجده تزيدك تعلقا واقتداء به.

إن زيارة المدينة في أفقها العميق، يعيد ترتيب العلاقة بالنبي صلى الله عليه وسلم ويجدد الصلة بسيرته وهديه. فهي مناسبة لاستحضار النموذج النبوي في كليته، والوقوف على معاني الرحمة والعدل والجهاد والبذل، بما يفضي إلى إعادة بناء الذات المؤمنة على أساس الاقتداء.

وعلى هذا الأساس، تتجاوز محبة النبي صلى الله عليه وسلم بعدها الفردي لتغدو ركيزة في مشروع النهوض بالأمة؛ إذ بها تتوحد المرجعية وتستقيم الوجهة، وتنبعث الإرادة في استئناف الفعل الحضاري على منهاج النبوة. فكما كان الجيل الأول، حين امتلأت قلوبه بهذه المحبة، قادرا على تحويل الإيمان إلى واقع معيش، فإن استعادة هذا المعنى يظل شرطا في كل محاولة لاستئناف الشهود الحضاري.

فالرجاء أن يفيض الله تعالى على القلوب من هذا المعنى ما يحييها، وأن يجعل محبة نبيه صلى الله عليه وسلم منطلقا للسير على هديه، وأن يجمعنا به في دار الخلود.