في الأسبوع الذي خرج فيه المنتخب المغربي من ربع نهائي كأس العالم أمام فرنسا، امتلأت التعليقات تحت المنشورات الرياضية بجملة تكررت بصيغ شتى واحدة منها تقول: «المغرب ستعود في طائرتين: واحدة تحمل اللاعبين وأخرى تحمل الأهداف». هو تعليق على شكل نكته، لكنها لم تكن نكتة عابرة؛ كانت واحدة من عشرات القوالب اللفظية التي تنتقل بين الحسابات في ساعات المباريات الكبرى، فتتبدل فيها أسماء المنتخبات ويبقى المعنى: التشفي.
الانطباع السائد في الأوساط الإعلامية والشعبية ولكل متابع؛ أن هذا الخطاب صار ظاهرة عامة، وأن خلفه من ينظمه ويغذيه. غير أن الانطباع شيء والقياس شيء آخر. لاختبار هذا الانطباع، جمعت هيئة تحرير بوابة العدل والإحسان وحلّلت 14.777 وحدة نصية – بين تدوينات وتعليقات – نشرت في فيسبوك على طول النافذة التي اخترناها بكأس العالم بين 14 يونيو و10 يوليوز 2026، وأخضعناها لتصنيف منهجي حاول أن يجيب عن ثلاثة أسئلة: هل الخطاب موجود؟ ما حجمه مقارنة بنقيضه؟ ومن يقف خلفه؟
كيف اشتغلنا
انطلق العمل من جمع مزدوج ومتوازن. في الجهة الأولى بحثنا في فيسبوك بعبارات عدائية رصدناها ميدانيا – من نعوت إثنية إلى نكات الترحيل والتعيير بالخسارة – فأنتجت 548 تدوينة. وفي الجهة المقابلة بحثنا بعبارات التآخي الصريحة – «خاوة خاوة»، «لا للفتنة»، «الشعبين الشقيقين» – فأنتجت 1.829 تدوينة. ثم جرفنا تعليقات المصادر العشرة الأكثر نشرا في كل جهة بالسقف نفسه والأداة نفسها، حرصا على أن تتساوى الكفتان في الفرصة. وكل وحدة نصية في هذا التحقيق تخص العينة المدروسة، وليس كل ما كُتب في الموضوع.
أولا: خطاب الكراهية موجود وله بصمته
من أصل 14.777 وحدة، صنفت 626 وحدة خطابا سلبيا صريحا، أي 4,2%. وهذا الرقم على ضآلته يثبت أن الظاهرة ليست وهما ولا اختلاقا إعلاميا؛ وإنما هي قائمة وقابلة للعد. لكنه في الوقت نفسه يضعها في حجمها: أقلية عددية داخل بحر من التفاعل في الموضوع.

شكل 1 – التوزيع العام للمادة المدروسة
قاموس التنكّر: كيف يتخفى الازدراء في ثوب رياضي؟
أهم ما يميز هذا الخطاب أنه قليلا ما يظهر شتيمة مباشرة. تفكيك الوحدات السلبية يكشف ستة أنماط، أكثرها حضورا هو النعوت الإثنية الجماعية، يليها التشبيه الحيواني، ثم التعيير بالهزيمة:

شكل 2 – تشريح الخطاب السلبي حسب الفئة
عمليا، يشتغل هذا الخطاب بأربع حيل لغوية متكررة. الأولى تحريف الاسم تحقيرا، فيصير المنتخب المغربي «المخربي» والجزائر «الخزائر». والثانية جرد إنجازات ساخرة على هيئة فخر مقلوب:
- «إنجازات المغرب: بطولة رابع العالم، كأس أفريقيا أونلاين، فوطة ميندي»
والثالثة صياغة السخرية في قالب خبر عاجل باستعمال رموز التنبيه، تقليدا لنبرة الصحافة الرياضية. والرابعة – وهي الأخطر – انتحال صوت الطرف الآخر لتمرير الطعن باسمه:
- «أنا جزائري وسأشجع فرنسا لأنها تحتفظ بجماجم أجدادنا في متاحفها».
هنا تحديدا يغادر التنابز ملعب الكرة إلى ذاكرة الشعوب الجريحة: الاستعمار، الجماجم في المتاحف، طوابير الغاز. وهذا البُعد بالذات هو ما يجعل وصف «الفتنة» مبرَّرا في هذه الحالات، لا مجرد وصف انفعالي.
باتجاه من تصوَّب السهام؟
التنابز متبادل بامتياز، ولا يوجد طرف يحتكر موقع الضحية أو موقع المعتدي. المغرب هو الأكثر استهدافا في هذه العينة (277 وحدة)، تليه مصر (193) ثم الجزائر (167). ويفسَّر تقدم المغرب بطبيعة الحدث نفسه: تأهله الأبعد، أو المستوى الذي قدمه في مباراة خروجه جعله محور التدوينات، فاجتذب خصومه أكثر. أي أن اتجاه الاستهداف مشروط بمن يتصدر المشهد، لا بعداوة ثابتة لطرف دون آخر.
شكل 3 – اتجاه الاستهداف داخل الخطاب السلبي
ثانيا: المفاجأة – الغلبة للنقيض
لو توقفنا في التحقيق عند الرقم السابق، لأنتجنا صورة ناقصة تجعل الفتنة هي الغالبة بين الشعوب. فالسؤال الذي لا يُطرح عادة هو: كم يبلغ حجم الخطاب المضاد؟ وحين قسناه بالأداة نفسها والمنهج نفسه، جاءت النتيجة فارقة: 2.974 وحدة إيجابية صريحة، أي 20,1% – نحو خمسة أضعاف الخطاب السلبي.
والأهم من النسبة العامة ما يكشفه التوزيع حسب الوعاء. فحتى داخل المادة التي جُمعت عمدا بكلمات عدائية – وهي مادة منحازة سلفا لصالح الكراهية – تفوقت الوحدات الإيجابية على السلبية:
شكل 4 – الإيجابي مقابل السلبي في كل وعاء
في الوعاء العدائي: 495 وحدة إيجابية مقابل 305 سلبية. أي أن الباحث عن الكراهية بأدق كلماتها يجد تحتها تضامنا أكثر مما يجد عداء. أما وعاء التآخي فكان الفارق فيه ساحقا: 2.228 إيجابية مقابل 64 سلبية فقط.
وهذا التضامن ليس مجاملات عامة، بل يتخذ في كثير من الأحيان صيغة العبور الصريح للحدود الوطنية:
- «أنا جزائري حر وسوف أشجع المنتخب المغربي كما شجعته منذ بداية المونديال»
- «لا داعي للفرقة بين مصر والمغرب، فنحن إخوة يجمعنا التاريخ واللغة والمصير»

جدول 1 – نسبة الإيجابي إلى السلبي في كل وعاء
ثالثا: الاختبار الحاسم – شبكات أم عفوية؟
يبقى السؤال الذي شغلنا أثناء التحقيق: من يقف خلف هذا الخطاب؟ هل ثمة شبكات منظمة تغذيه، أم إنه انفعال جماهيري متفرق؟ ولأن الإجابة عن سؤال كهذا لا تُبنى على الانطباع، أخضعنا المادة لأربعة اختبارات تُستعمل عادة في كشف التنسيق الرقمي.
اختبار التزامن
رصدنا 36 عنقودا من التدوينات شبه المتطابقة، بعضها نُشر في اللحظة نفسها تقريبا من حسابات مختلفة – وهو مؤشر مثير للريبة للوهلة الأولى. لكن الفحص الأدق قلب الاستنتاج: لم يظهر أي مصدر واحد في أكثر من عنقود. الـ137 صفحة وحسابا التي شاركت في هذه العناقيد ظهرت كل منها في عنقود واحد فقط لا غير.
والفارق هنا جوهري: الشبكة المنظمة تُنتج نواة ثابتة تدفع عبارات متعددة عبر الوقت. أما ما رصدناه فهو العكس تماما: كل عبارة رائجة تلقفها جمهور مختلف، كل واحد منه مرة واحدة. وهذه تدرج ضمن بصمة العدوى الفيروسية، وليست دليلا على التنسيق.
اختبار كثافة النشاط
على مستوى التعليقات جاءت الصورة أوضح: 91% من الحسابات علقت مرة واحدة فقط طوال الفترة، و8% علقت بين مرتين وأربع، ولم يتجاوز 1% منها خمس مشاركات. ومن بين أصحاب التعليقات السلبية، لم يكرر أي حساب واحد خطابه أكثر من مرة. وهذا يشير إلى غياب مروجين متخصصين في التضخيم على الأقل في العينة المرصودة للدراسة، وغيابها في هذه العينة ليس دليلا على غيابها بشكل مطلق.

شكل 5 – توزيع نشاط الحسابات
اختبار الانتحال
اختبرنا أخيرا فرضية متداولة: أن حسابات بعينها تتقمص هويات وطنية متعددة لإشعال التراشق من الجهتين. تتبعنا 15 حسابا أعلن انتماءه الوطني صراحة («أنا جزائري»، «أنا مغربي»، «أنا مصري»)، فلم يجمع أي منها بين هويتين. الفرضية، في حدود هذه العينة، لم تجد ما يسندها.
الاستثناء الوحيد الذي يستحق التسجيل هو حالات معدودة من الإغراق الفردي: حساب واحد كرر العبارة نفسها سبع مرات، وآخر نشر أربع تدوينات متطابقة في اللحظة ذاتها. لكنه سلوك أفراد متحمسين، أكثر منه شبكة قائمة على أعداد كبيرة من الأفراد أو الحسابات.
ما لا تقوله هذه البيانات
الأمانة هنا تقتضي تحديد ما لا يصح استنتاجه من هذا العمل، وهي أربعة أمور، أولها أن رقم 4,2% هو حد أدنى لا قياس نهائي لأننا لم نجرد كل ما كتب وإنما هي عينة فقط. وتصنيفنا لهذه العينة مبني على التساهل الشديد لا على التشدد، ذلك أن عددا من التدوينات أو التعليقات تحتمل الوجهين ولا تحمل لفظا صريحا بل تشتغل بالتلميح والقالب صنفت ضمن تصنيف “محايد” وليس من اختصاصنا قراءة النوايا.
وثانيها؛ أن غياب الدليل ليس دليلا على الغياب. ذلك أن عدم ظهور بصمة تنسيق في هذه العينة لا ينفي وجود شبكات تنسيق بالضرورة، خاصة في مساحات أخرى أو نوافذ زمنية أطول أو حسابات وصفحات لم نرصدها. وما نقوله هنا بدقة أن هذه المادة التي جمعناها، وبهذه الأدوات، تتبعنا الخيط تعقبا لأي تنسيق لكننا لم نجد له بصمة واضحة.
وثالثها؛ أن العينة المعتمدة نفسها ليست حصرا. ذلك أن القاموس اللغوي مفتوح، والناس لا يستعملون بالضرورة العبارات التي بحثنا بها. هذا القيد يطال الكفتين بالتساوي، ولذلك لا يخل بالمقارنة النسبية بينهما، لكنه يمنع ادعاء التمثيل الكامل.
أما رابعها، فهي تفاوت طبيعة المصادر بين الجهتين، ذلك أن خطاب التآخي جاء أكثر ارتباطا بصفحات إخبارية ومؤسسية، بينما جاء الخطاب العدائي أقرب إلى الحسابات الفردية والصفحات الساخرة. وهذا فارق يستحق التسجيل عند قراءة الأرقام.
خلاصة
ثلاث نتائج تخرج من هذا العمل، متمايزة ولا يُلغي بعضها بعضا.
يجدر بنا التأكيد على أن خطاب الازدراء ونشر الكراهية بين الشعوب خاصة بين المغرب والجزائر ومصر في ما له علاقة بالرياضة وتحديدا في نافذة كأس العالم؛ موجود وقابل للقياس، وكثيرا ما يتنكر في زي السخرية الرياضية، ويستدعي جراح التاريخ والسيادة، ويحصد أحيانا تفاعلا مقصودا يغذي انتشاره.
وبينما نؤكد وجود هذا الخطاب؛ فإننا نؤكد رغم ذلك، أنه يمثل أقلية عددية واضحة أمام خطاب أخوي يفوقه خمس مرات على الأقل في العينة ذاتها التي درسناها، ويتفوق عليه حتى داخل المساحات التي جمعناها بكلمات عدائية صريحة.
أما الخلاصة الجديرة بالاهتمام، فإن دراسة هذه العينة أثبتت أن اللحمة بين الشعوب المغاربية والعربية الإسلامية بما يشمل المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر؛ هي رابطة هوية ودين ولغة ودم، وهي أكبر من أن تنال منها لحظات عابرة يتقدم فيها أفراد إلى الواجهة لبث السموم بينها، وذلك رغم أن فرضية هذا التحقيق انطلقت من إمكانية إثبات وجود خطاب الكراهية ورعايته وتغذيته من قبل شبكات.
والخلاصة التي لا تقل أهمية، هي أن الاختبارات المستقلة لهذا الخطاب الباث للكراهية بين هذه الشعوب من خلال العينة المرصودة؛ أكدت أنه سلوك متفرق وليس عملا منظما. حيث إننا لم نرصد أي نواة، ولا حسابات تلاحق أهدافا متعددة، ولم نثبت انتحال هويات متعددة في هذا الأمر، غير أن ما رصدناه هو أقرب إلى عدوى النكتة الرائجة في لحظة احتقان رياضي، منه إلى غرفة عمليات.