يعد كتاب “تحرير المرأة في عصر الرسالة” من أبرز الأعمال الفكرية التي صدرت في القرن العشرين، ويعتبر موسوعة فقهية اجتماعية حاول فيها الكاتب أن يبرز دور المرأة في كل أبعادها الشخصية والمجتمعية، ويبلور النظرة العلمية لما كان عليه حالها زمن الرسالة ونزول الوحي، ويعكس لنا الوضعية السوية التي كانت المرأة تعيشها في عصر الرسالة، وصدق الأستاذ عبد السلام ياسين عندما قال: “قيض الله الشيخ عبد الحليم أبا شقة، فجمع في دراسته الجليلة تحت عنوان «تحرير المرأة في عصر الرسالة» من نصوص الكتاب وعمل السنة، من البخاري ومسلم ما جلّى به صورة من حياة المؤمنات على عهد النبوة، هي أبعد ما يكون عن فقه سد الذرائع واتقاء الفتنة، الذي حشر المسلمة المتمسكة بدينها في ركن حرج مَرِج” (1).
تنبني فاعلية المرأة على حسن إدراكها لحقوقها وواجباتها، فنجدها تطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجعل لها يوما لتتعلم، لأنها كانت مدركة لأهمية طلب العلم، وبأنها مسؤولة مثلها مثل الرجل في حمل هم الأمة، وهذا ما دفع بأم حرام أن تطلب الشهادة مع غزاة البحر، “عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب إلى قباء يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت تحت عبادة بن الصامت، فدخل يوما فأطعمته، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استيقظ يضحك، قالت: قلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: “ناس من أمتي عرضوا عليَّ غزاة في سبيل الله، يركبون ثَبج هذا البحر، ملوكا على الأسرة…” قالت: ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا ثم وضع رأسه فنام، ثم استيقظ يضحك، فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: “ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله…” (2) رواه البخاري، وفي رواية: “أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر، مغفور لهم” فقلت: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: “أنت من الأولين” فركبت البحر زمان معاوية فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت” (3) رواه البخاري ومسلم” (4).
أين يتجلى حسن إدراك المرأة لحقوقها وواجباتها؟ وما هي المجالات التي أبدعت فيها؟
المطلب الأول: المرأة وحسن إدراكها لحقوقها وواجباتها
كانت المرأة في عصر الرسالة مدركة وواعية بشخصيتها، وبالطريق الذي رسم معالمه الدين الإسلامي، فمارست حياتها مبدعة في كل المجالات انطلاقا من هذا الوعي، فشاركت في النشاط الاجتماعي والسياسي والمهني.
ففي المجال المهني، كانت تقوم بالرضاعة والحضانة بأجر، لقول الله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ (5)، وكذلك مزاولة الرعي والزراعة والغرس والصناعات المنزلية وإدارة الأعمال الحرفية، وعلاج المرضى، وتقديم خدمات للمجاهدين، “فعن أم عطية الأنصارية قالت: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام…” (6).
كما أبدعت المرأة في مجال النشاط الاجتماعي، وهو على نوعين: “النوع الأول: نشاط يتم في شكل جماعي، أي تجتمع عليه مجموعة من الأفراد، ويهدف إلى تحقيق الخير لأنفسهم وللمجتمع، سواء في المجال العبادي أو الثقافي أو الترويحي. أما النوع الثاني، فهو نشاط يبذله فرد أو أفراد تطوعا لخدمة المجتمع سواء في مجال التعليم أو الأمر بالمعروف أو فيما يطلق عليه حديثا أعمال البر والخدمة الاجتماعية” (7).
كما نجد المرأة في عصر الرسالة شاركت في أنشطة المسجد بمجالات متعددة؛ منها النشاط العبادي والثقافي داخل المسجد وخارجه، كمشاركتها في الندوات التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم ينظمها، “فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جاءت امرأة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فقالت: ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يوما نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله، فقال: اجتمعن في يوم كذا وكذا في مكان كذا وكذا، فاجتمعن فأتاهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلمهن مما علمه الله، ثم قال: ما منكم امرأة تقدم بين يديها من ولدها ثلاثة إلا كان لها حجابا من نار، فقالت امرأة منهن: يا رسول الله، اثنين؟ قال: فأعادتها مرتين، ثم قال: واثنين واثنين واثنين” (8).
ومشاركتها في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لقوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (9)، “قال الشيخ رشيد رضى: في الآية فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على النساء والرجال.. وكان النساء يعلمن هذا ويعملن به” (10).
يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى: “مشاركة المؤمنات في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ركنٌ أساسي من أركان الدين. وحُرْمتُها في المجتمع المسلم حرمة عظيمة، تكون إذايتُها، ومنعُها من الحماية المادية والمعنوية، وخدشُ كرامتها، موجباتٍ للعنة الله، والعياذ بالله” (11).
وأخيرا مشاركة المرأة في النشاط السياسي، فنجدها تثبت قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسعى للتحري عن الدين الجديد، كما تعد أيضا أول المؤمنين به، فـ“عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم… فجاءه الملك… فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (12) فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده. فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن عم خديجة” (13).
“هذه خديجة أم المؤمنين تثبت قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمات تشير إلى كمال عقلها، واستدلالها على صدق ما رأى بقرائن الحال، كلمات ملؤها الحنان، يفوح منها التكريم والثناء، ثم تسعى للتحري عن الدين الجديد من مرجع كبير موثوق ثم تكون أول من يؤمن بالواحد الأحد” (14).
“قمة الكمال وكمال المثال في خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها التي نصدُق إن قلنا إنها نهض بها الإسلام كما نصدق إن قلنا إنها نهضت بالإسلام. ويجيئها وسام الشرف من رب العالمين” (15).
ومن أبرز مظاهر المشاركة السياسية للمرأة في عصر الرسالة، مبايعة النساء للنبي صلى الله عليه وسلم التي لها عدة دلالات؛ منها:
“الدلالة الأولى: استقلال شخصية المرأة وأنها ليست مجرد تابع للرجل بل هي تبايع كما يبايع الرجل.
والدلالة الثانية: بيعة النساء هي بيعة الإسلام والطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه يستوي فيها الرجال والنساء…
الدلالة الثالثة: مبايعة النساء النبي صلى الله عليه وسلم تقوم على أساسين: الأول باعتباره صلى الله عليه وسلم الرسول المبلغ عن الله، والثاني باعتباره صلى الله عليه وسلم إمام المسلمين، ومما يؤكد وجود الاعتبار الثاني قوله تعالى: وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ (16) وقوله صلى الله عليه وسلم عن طاعة الأمير: “إنما الطاعة في المعروف” (17)” (18).
المطلب الثاني: نماذج نسائية مدركة لحقوقها وواجباتها
ومن النماذج التي برزت في اهتمامها بالأمور السياسية في العهد النبوي “أم سلمة رضي الله عنها وهي تستجيب للنداء، عن عبد الله بن رافع قال: كانت أم سلمة تحدث أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر ـ وهي تمتشط: “أيها الناس” فقالت لماشطتها: كفي عن رأسي، وفي رواية فقلت للجارية: استأخري عني. قالت: إنما دعي الرجال ولم يدع النساء، فقلت: إني من الناس” (19).
موقف تظهر فيه أم سلمة استشعار ثقل المسؤولية الملقاة على عاتقها مثلها مثل الرجل، لم تستثن نفسها من النداء، كما أنها لها مواقف أخرى أظهرت فيها رجاحة عقلها وحسن تصرفها وإدارة الأمور في الأوقات الصعبة؛ “لما كان يوم الحديبية، وعقد رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح مع قريش، وفرغ من قضية الكتاب، قال لأصحابه: “قوموا فانحروا”، فوالله ما قام منهم أحد حتى قال ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت: يا رسول الله، أتحب ذلك؟ اخرج، ثم لا تكلم أحدا كلمة، حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فقام فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك، ثم نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما، فانفرجت بذلك أزمة كانت تهدد المسلمين بأوخم العواقب، ورجع الفضل في ذلك إلى أم المؤمنين ذات العقل النافذ والمشورة الصائبة” (20).
هكذا كان حال المرأة في عصر النبوة، وفهمها للمهام الملقاة على عاتقها جعل منها امرأة واعية، تعرف أن لها هدفا ساميا في هذه الحياة، وبه يتضح لنا أن حال المرأة في عصر النبوة كان في أعلى مراتب الازدهار والكمال، فالمرأة عرفت دورها وعملت على تنقية نفسها من أدران الجاهلية، ثم انطلقت في تطبيق وظيفتها التي أمرها الله عز وجل بها على كافة الجوانب، ابتداء من البيت وانتهاء بالمجتمع، و”كذلك إن شاء الله، يزرع سبحانه في الأجيال الصاعدة همة الاقتحام، فيلهمهن من الإيمان واليقين ما معه تهون التحديات” (21).
(1) عبد السلام ياسين، تنوير المومنات، ج1، ص 39.
(2) البخاري: كتاب الجهاد، باب ما قيل في قتال الروم… ج 6، ص 443.
(3) البخاري: كتاب الاستئذان، باب من زار قوما فقال عندهم… ج 13، ص 313ــ مسلم: كتاب الإمارات، باب فضل الغزو في البحر… ج 6، ص 50.
(4) تحرير المرأة في عصر الرسالة، عبد الحليم أبو شقة، ج 1، ص 117، ط 5 (1420ه – 1999م)، دار القلم للنشر والتوزيع بالكويت.
(5) سورة الطلاق، الآية 6.
(6) مسلم: كتاب الجهاد والسير، باب النساء الغازيات، ج 5، ص 199.
(7) تحرير المرأة في عصر الرسالة، ج 2، ص 381.
(8) البخاري: كتاب الاعتصام، باب تعليم النبي صلى الله عليه وسلم أمته من الرجال والنساء، ج 17، ص 55ـ مسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل من يموت له ولد فيحتسب، ج 8، ص 39.
(9) سورة التوبة، الآية 71.
(10) تحرير المرأة في عصر الرسالة، ج 2، ص 386.
(11) عبد السلام ياسين، العدل: الإسلاميون والحكم، ص 294.
(12) سورة العلق: الآيات: 1-2-3.
(13) البخاري: كتاب كيف كان الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ج 1، ص 25ـ مسلم: كتاب الإيمان، باب بدء الوحي، ج 1، ص 97.
(14) تحرير المرأة في عصر الرسالة، ج 2، ص 415.
(15) تنوير المومنات، عبد السلام ياسين، ج 1، ص 78.
(16) سورة الممتحنة، الآية 12.
(17) البخاري: كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية، ج 16، ص 241ـ مسلم: كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في معصية، ج 6، ص 15.
(18) تحرير المرأة في عصر الرسالة، ج 2، ص 425-426.
(19) مسلم: كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا صلى الله عليه وسلم وصفاته، ج 7، ص 67.
(20) شاهين، عاطف صابر: رجال ونساء حول الرسول، ط 1، 2003، دار الغد الجديد، ص 236.
(21) عبد السلام ياسين، تنوير المومنات، ج 1، ص 79.