فاتته صلاة جماعة واحدة فكيف كان حاله؟!

Cover Image for فاتته صلاة جماعة واحدة فكيف كان حاله؟!
نشر بتاريخ

1ـ مقدمة

المحافظة على الصلاة في جماعة حال تميّز به من سبقونا بإيمان؛ إذ قلّما تفوتهم صلاة في جماعة. وإذا ما فاتتهم صلاة لسبب من الأسباب الدنيوية، تجدهم في حال من الحسرة لا يحدّها خيال، وحال من الندامة لا تخطر ببال، إلى درجة أن منهم من كانوا يتحسّرون بشدّة إذا ما فاتتهم التكبيرة الأولى، أمّا من فاتتهم صلاة في جماعة فتكون حسرتهم أشد.

وأمثلة ذلك في زمن الصحابة رضي الله عنهم كثير، فهم أئمة الهدى ومصابيح الدّجى، وحسبنا هنا أن نقف عند أحد الصحابة الكرام، آخذين من صنيعه عظات لعلّها تنهض حالنا، وتوقظ هممنا للإقبال على المولى جلّ وعلا.

2ـ نموذج من رجال فاتتهم صلاة (سيدنا عمر رضي الله عنه)

قال ابن عمر رضي الله عنهما: خرج عمر يوما إلى حائط له، فرجع وقد صلّى الناس العصر، فقال عمر: “إنّا لله وإنّا إليه راجعون؛ فاتتني صلاة العصر في الجماعة، أشهدكم أن حائطي على المساكين صدقة.” 1

3ـ العبر المستفادة:

الحديث يحمل دلالات وعظات كثيرة نقف عند بعضها:

●      أول ملاحظة من خلال هذه الحديث الشريف، هو أن من أهم أسباب التخلف عن الصلاة، أو فواتها على المؤمن، غالبا ما يكون متعلقا بما تشتهيه النفس البشرية. وعلى ذلك حبّ الدنيا وزينتها من حرث، أو تجارة، أو ولد…

●      جعل سيّدنا عمر رضي الله عنه بيع الحائط، أي (البستان من النخل) كفّارة لما صنع.

واعتبر فوات الصلاة في جماعة ذنبا من الذنوب الموجب للكفارة.

●      قدّم رضي الله عنه إشهادا أمام المسلمين حين قال: “أشهدكم”؛ وإشهاده أمام الملأ إشهاد من لا يعطي لنفسه فرصة للتراجع، وهو أيضا تأديب لها وحرمانها ممّا كانت تشتهيه من الخروج إلى البستان في غير الوقت المناسب.

●      لم يقدّم رضي الله عنه ترخيصا لنفسه، علما أن الوقت المسموح به ما زال قائما ليصلي صلاة العصر إما في جماعة أخرى من نفس المسجد، أو في مسجد آخر، أو منفردا.

●      اعتبر رضي الله عنه فوات الصلاة في جماعة مصيبة حين قال: “إنّا للّه وإنّا إليه راجعون” وكأنما حلت به مصيبة في نفسه أو أهله أو ماله. وكيف لا يعتبرها مصيبة؟! وأن زمن الصلاة المفقودة لن يعود إلى يوم القيامة.

●      يتبين أنّ حرصه رضي الله عنه كان اقتداء بحرص الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلّم على صلاة الجماعة، وعملا بسنته الغراء؛ كما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: “لو يعلم الناس ما في النداء والصفّ الأول، ثم لم يجدوا إلّا أن يستهموا، عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا.” 2

●      يُلاحظ أنه رضي الله عنه قد قّدر صلاة الجماعة حقّ قدرها لما في ذلك من تقدير لمقام من فرضها (وهو الله تعالى). ولو يعرف الناس قدر ربّهم لفعلوا مثل ما فعل سيدنا عمر رضي الله عنه، ولما تخلف أحد عن الصلاة ولا تأخر عنها ولهذا قال الله تعالى: فأما من خاف مقام ربّه ونهى النّفس عن الهوى، فإن الجنّة هي المأوى 3.

خاتمة

سيدنا عمر رضي الله عنه نموذج يحتذى في محاسبة النفس، ومخالفة النفس وبقي سلوكه لمن خلفه آية وذكرى للذاكرين. وكيف لا يُحتذى به، وهو القائل رضي الله عنه: “حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر على الله، يومئذ تعرضون لا تخفى على الله منكم خافية”. 4

لذلك فالمحافظة على الصلاة في جماعة سمْت بديع وخلق رفيع يتحلى به رجال أحبّوا الله ورسوله صلى الله عليه وسلّم وعرفوا الله حق المعرفة وقدروا الله حق قدره، رجال حرصوا كل الحرص على عمارة بيوت الله، رجال صدقوا الله فداوموا على الصلاة في جماعة، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة 5، رجال قلّما فاتتهم صلاة جماعة، وإذا ما فاتتهم يتحسرون ويندمون ويحاسبوا أنفسهم على تفريطها في جنب الله وحري بنا لمن فاتته صلاة مع جماعة أن يسترشد بما فعله سيدنا عمر رضي الله عنه ويحاسب نفسه ويقول لها: (فاتتك صلاة الجماعة يا خسيسة!).


[1] كتاب الكبائر، للإمام الذهبي، ص29
[2] رواه البخاري ومسلم
[3] سورة النازعات39ـ 40
[4] رواه الإمام أحمد في الزهد، ص 120.
[5] سورة النور، الآية 36.