غزوة بدر.. طريق ذات الشوكة

Cover Image for غزوة بدر.. طريق ذات الشوكة
نشر بتاريخ

سيظل يوم السابع عشر من رمضان يوما عظيما نظرا لأنه يخلد لذكرى عزيزة على المسلمين وهي غزوة بدر التي وقعت بين المسلمين والمشركين في السنة الثانية من الهجرة، لذلك يستغل المسلمون هذا اليوم للحديث عن هذه الملحمة البطولية التي انتصر فيها المسلمون على قوى الشرك والطغيان.

والحدث حابل بالدروس والعبر، غني بفوائد جمة، يستنير بهديها المسلمون في حركة تدافعهم مع الباطل كيفما كان وفي أي زمن كان. ومن هذه الدروس، بل من أهمها، أن الإيمان القوي لا يغلب من قلة عدد وعدة، وأن الله تعالى ينصر عباده المؤمنين المتوكلين عليه سبحانه.

ولمن تتبع الدروس والعبر سيخرج بكثير منها متنوعة حسب المجالات المعنوية والمادية والغيبية. وحسبي في هذه العجالة أن أقف مع الآية الكريمة من سورة الأنفال: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ [الأنفال: 7]، والشوكة هي الحدة والقوة.

ورد في الكشاف للزمخشري: “يعني أنكم تريدون الفائدة العاجلة وسفاسف الأمور، وألا تلقوا ما يرزؤكم في أبدانكم وأموالكم، والله عز وجل يريد لكم معالي الأمور، وما يرجع إلى عمارة الدين ونصرة الحق وعلو الكلمة، والفوز في الدارين، وشتان ما بين المرادين: ولذلك اختار لكم الطائفة ذات الشوكة، وكسر قوتهم بضعفكم، وغلب كثرتهم بقلتكم، وأعزكم، وأذلهم..”.

ففي الآية يخاطب الله عز وجل المؤمنين مبينا المسارات المحتملة للمواجهة مع الظالمين، وبالضبط مسارين؛ الأول بالتعرض لقافلة أبي سفيان والرجوع بالأموال إلى المدينة، وهذا المسار تميل إليه نفوس المسلمين ويودون أن تنتهي بهم رحلتهم بالاستيلاء على القافلة، ويقوي هذه الرغبة ويؤججها كونها مهمة سهلة، خفيفة على النفس، ليس فيها قتال أو أذى، بل إن نتائجها ترضي مطامع النفس في نيل الأموال وتكديس المتاع. المسار الثاني هو ملاقاة جيش العدو، بما يتطلبه هذا اللقاء من الجهد والتعب والإصابة بالأذى، إنه طريق لا يسمع فيه صرير الأموال، ولكن يسمع فيه دوي الحديد يفل الحديد، إنه طريق سل السيوف بدل إخراج الأموال من الصرر.

وصف القرآن الكريم المسار الثاني بأنه طريق “ذات الشوكة” الذي ود المسلمون لو سلكوا غيره، لكن الله تعالى أراده للمؤمنين، اختاره لهم، لما فيه من الخير للدعوة الإسلامية. أراد الله تعالى لهذه المواجهة أن تكون ملحمة يمهد بها لمستقبل الإسلام، ليس فقط في المدينة، بل في العالم كله، ملحمة تفتح الباب لقيام دولة الإسلام وقطع الطريق على المشركين والمنافقين. وإذا فتحنا باب الافتراض لقلنا لو رجع المسلمون بالغنيمة بدل الملحمة، هل سنشهد هذا المسار التصاعدي لانتشار الإسلام ليصل في السنة الثامنة هجرية إلى فتح مكة بعشرة آلاف مسلم؟ إن قطع دابر الأعداء من الكفرة والمشركين والمنافقين لا يتأتى إلا بسلوك طريق “ذات الشوكة”. فرغم ما في هذه الطريق من الألم والشدة ففيها نصر الله يتلألأ أمام أعين المجاهدين، وبتتبع آيات من سورة الأنفال تتجلى لنا صور التأييد الرباني للمؤمنين، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ، إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ، إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ، وأمر سبحانه ملائكته بقوله: فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ، فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ.. آيات تظهر عناية الله بالرجال الذين قدر لهم أن يرافقوا النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة، حتى نصرهم الله.

ونخلص إلى أن أعظم الدروس التي يجب على المسلمين استفادتها من هذه الملحمة أن لا يستوحشوا طريق الابتلاء و”ذات الشوكة”، ويصبروا، ويتوكلوا على الله تعالى، فإذا كان الله معهم فلن يضرهم كيد الأعداء مهما بلغ طغيانهم.  

إن هذا الابتلاء يفرض على أبناء المقاومة ورجال الدعوة والإصلاح، أن يوقنوا أشد اليقين أن الخير كل الخير فيما يقدره الله تعالى، فبالرجوع للآية نجد أن الله تعالى أبان عن مراده باستعمال أفعال لا تقبل التأويل بأنه يختار للجماعة المؤمنة طريق التمكين والنصر: “يعدكم.. يريد.. يحق.. يقطع..”، وهنا تتجلى عظمة الله في تثبيته لتلك العصبة المؤمنة بأنواع التثبيت حتى تمضي في طريق تحقيق موعود الله بنصر نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وقطع دابر الكافرين. وهذا التأييد الرباني ماض لا يتخلف متى تيقن المؤمنون في وقتنا هذا بموعود الله تعالى لهم بالنصر إن هم آمنوا وتوكلوا وأعدوا. فـ”ذات الشوكة” التي تأباها النفس فيها خير كثير للأمة الإسلامية، لأنها تنتهي بالعزة للمؤمنين والظفر على الأعداء.