تثير مدارسة غزوة الأحزاب، قبل الخوض في تفاصيلها، سؤالين أساسين يبدوان مدخلا ضروريا لفهم دلالاتها واستحضار معانيها في واقعنا المعاصر: أولهما، ما الجدوى من استدعاء أحداث وصراعات ارتبطت ببدايات الدعوة الإسلامية، في زمن تختلف فيه السياقات وتتباين فيه الأوضاع والظروف؟ وثانيهما، لماذا يقع الاختيار على غزوة الأحزاب تحديدا دون غيرها من الغزوات النبوية؟
أما عن السؤال الأول، فإن الجواب عنه نجده واضحا في كلام الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله: “دراسة السيرة النبوية في المجتمع الجاهلي الأول تعطينا نموذج النشأة، ومعيار القيمة، وحقيقة التاريخ، وحظ الجهد البشري، وحياطة العناية الإلهية، وشروط هذه العناية. تعطينا صورة لسنة الله في فترة الميلاد الإسلامي نستهدي بملامحها العامة في سيرة التجدد الإسلامي. مع مراعاة النقلة الزمانية، وانقطاع الوحي الموجه للحركة الأولى يحل محله الاجتهاد والتسديد والمقاربة، ومراعاة وجود مجتمع مسلم في الحاضر اختلت عراه لكنه لا يزال مسلمًا” 1.
من هذا المنطلق، لا يكون التفاعل مع أحداث السيرة النبوية مجرد استغراق عاطفي يخفف وطأة واقع مهزوم، ولا نوعا من الحنين المجرد إلى الماضي، بل هو وقوف تربوي واع أمام مواقف صاغها قدر الله العزيز الحكيم لتكون دروسا نموذجية للأمة، تسترشد بها في فهم سنن النهوض، وتستخلص منها معالم التربية النبوية الشريفة في بناء الإنسان والجماعة والمشروع.
أما اختيار غزوة الأحزاب بالذات، فلأنها تمثل واحدة من أكثر المحطات حسما في تاريخ الإسلام، حيث التقت فيها معاني السماء بتطلعات الأرض، وابتلي فيها المؤمنون ابتلاء شديدا، وامتحن الله صدق إيمانهم ويقينهم وثبات إرادتهم، حين اجتمعت قوى الكفر كلها على استئصال الدعوة والقضاء على الإسلام في مهده. وفي قلب تلك المحنة الكبرى، تعلم الصحابة الكرام رضي الله عنهم درسا خالدا مفاده أن “لا غالب إلا الله”، وهو الدرس نفسه الذي أعادت الأمة استحضاره في معركة طوفان الأقصى، حيث تبدو أوجه الشبه بين المشهدين قوية وواضحة، من حيث اجتماع الأحزاب، وشدة الحصار، واختبار الإرادة، وانكشاف سنن التدافع بين الحق والباطل.
ومن هنا، فإن الوقوف مع غزوة الأحزاب ليس مجرد قراءة في حدث تاريخي، بل هو محاولة لفهم الحاضر على ضوء هدي النبوة، واستبصار معالم الطريق في زمن تتجدد فيه صور الأحزاب، وتتكرر فيه سنن الابتلاء والنصر. وانطلاقا من هذا الفهم، ستنتظم هذه المدارسة في ثلاثة محاور أساسية:
المحور الأول: غزوة الأحزاب: السياق التاريخي والأسباب والنتائج
وقعت غزوة الأحزاب في السنة الخامسة للهجرة، بعدما أيقنت طوائف الكفار أنها لن تستطيع مغالبة الإسلام إذا حاربته منفردة، وكان زعماء اليهود أبصر بهذه الحقيقة، فأجمعوا أمرهم على تأليب العرب ضد الإسلام وحشدهم في تحالف واسع قوامه أكثر من عشرة آلاف مقاتل ضد ثلاثة آلاف من المسلمين في المدينة، ضم هذا التحالف قريشا من الجنوب، واليهود المحرضين (بني النضير)، وغطفان من الشرق، وفي آونة عصيبة من الغزوة انضم بنو قريظة إلى كتائب التحالف بعدما نقضوا معاهدتهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان من دوافع هذا التحالف:
– رغبة قريش في الانتقام ورد سمعتها بعدما لقيته من هزائم في غزوتي بدر وأحد.
– عداوة يهود بني النضير ورغبتهم في استئصال الدعوة المحمدية بعدما أجلاهم الرسول صلى الله عليه وسلم من المدينة، حيث “قدموا على قريش مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: “إنا سنكون معكم عليه. حتى نستأصله” 2.
– قلق زعماء الجزيرة من أن تصبح المدينة مركز قوة موحدة بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم، مما دفعهم إلى تحريض بني قريظة في المدينة على نقض ميثاقها مع الرسول صلى عليه وسلم 3، فشكل ذلك خطرا داخليا وتهديدا وجوديا للمسلمين، في الوقت الذي كانت الأحلاف تتحسس نقطة ضعيفة تنحدر منها لغزو المدينة.
ولما عرف المسلمون حجم هذا الخطر، وأن مجابهة هذه الجيوش الضخمة ليس طريقا للنصر، لجأت القيادة النبوية الحكيمة إلى تدبير مكيدة أشار بها الصحابي الجليل سلمان الفارسي، وهي حفر خندق عميق يحيط بالمدينة ويفصل بين المجاهدين وجيوش التحالف، وهذه خطة عسكرية دفاعية فريدة وناجحة لم تسمع العرب بمثلها قبلا؛ وكانت النتيجة فشل الأعداء في اقتحام الخندق، بعد حصار دام قرابة شهر حتى دب الخلاف بين الأحزاب، وأرسل الله ريحا عاصفة وجنودا لم يروها، فانهزموا وتغير ميزان القوة لصالح المسلمين.
المحور الثاني: طوفان الأقصى في ضوء غزوة الأحزاب: أوجه التشابه والاختلاف
– لا يمكن فصل الصراع بين الإسلام واليهود الصهاينة عن جذوره التاريخية، فمعركة طوفان الأقصى امتداد لتحالف أحزاب الكفر، وإحياء للعداء الدفين للإسلام منذ نشأته الأولى، وإلى ذلك يشير الإمام عبد السلام ياسين بقوله: “… بعد غدر اليهود بحلفائهم المسلمين في غزوة الخندق، طردوا نهائيا من المدينة، لكنهم لم ينسوا أبدا هذا الفصل من تاريخ شعبهم، لذا لا يقنع الصهاينة بالطمع في الأراضي التوراتية الممتدة من فلسطين إلى سوريا والعراق ومصر، بل يرنون ببصرهم إلى المدينة المنورة حيث موطن الأجداد من قينقاع وقريظة والنظير، فلا حدود لجشع الدويلة الإسرائيلية” 4.
– غزوة الأحزاب نزل فيها القرآن يصف حال المؤمنين المجاهدين وتصديقهم بوعد الله تعالى، وحال المنافقين الذين في قلوبهم مرض، ومعركة طوفان الأقصى فضحت المنافقين والمتخاذلين، وأحيت في الأمة المعاني القرآنية الجليلة كصدق الإيمان، والصبر على البلاء، والوفاء بالعهد مع الله، وبيع الأنفس لله، والرحمة والإيثار والبذل… وغيرها من المعاني الإيمانية الثابتة التي تتجدد في كل عصر لتبين أن نور القرآن وهدايته ثابتان في الأمة إلى يوم الدين.
– ذاق المجاهدون في غزوة الأحزاب شدة الجوع والبرد والتعب، والخوف والفزع والحصار ما يقارب الشهر، وقد صور القرآن الكريم هذا الابتلاء في قوله تعالى في سورة الأحزاب: إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11)، وذاق مثل ذلك إخواننا في غزة من جراء العدوان الصهيوني الغاصب ما يزيد عن سنتين، تحت القصف والتقتيل والتدمير والتهجير والتجويع والتعذيب والفقد والأسر والآلام والأحزان، مما لا تقوى على حمله الجبال.
– الغدر والخيانة والخدلان في غزوة الأحزاب كان من بني قريظة، وهم يهود لا ثقة في عهدهم، ومع ذلك كان وقع هذا الغدر قاسيا على المسلمين الأوائل، ودعوة سيدنا سعد بن معاذ رضي الله عنه قبل استشهاده تصورلنا ما انطوت عليه قلوب المسلمين من غيظ لخيانة يهود بني قريظة في فترة عصيبة، قال رضي الله عنه : “… اللهم وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة” 5.
ولعل ما لقيه إخواننا في غزة في نفوسهم من خذلان الأنظمة الإسلامية والعربية أشد وقعا وأعمق تأثيرا وأقسى حسرة من حسرة سيدنا سعد، فهذا الخذلان هز قلوبهم وسبب ألما عميقا كان يظهر في عباراتهم: (أين أنتم يا عرب… أنتم خصومنا يوم القيامة… يا جيوش العرب متى تلبون النداء…) وهل من مجيب؟!
– اعتمد المجاهدون في غزوة الأحزاب استراتيجية دفاعية غير مسبوقة بحفر الخندق حاجزا دفاعيا يحول بينهم وبين أعدائهم، كما اتخذ إخواننا المجاهدون في غزة الأنفاق التي كانت منفذا آمنا للمقاومين، وقد أظهر المجاهدون ابتكارا ملحوظا في الفكر المقاوم، مستفيدين من سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ فالإسلام لا يقدس التكرار، ويفتح باب الإبداع والتجديد في الخطط، وهذا ما ظهر في التطور الاستخباراتي للمقاومة، وتخطيطها الاستراتيجي لأسر أكبر عدد من الجنود في سرية تامة، فكسرت بذلك معنويات الجيش الإسرائيلي، وكسرت هيبته في العالم، وكشفت زيف قوته المزعومة.
– استطاع الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب حماية النساء والأطفال في حصون آمنة فلم يلحقهم الأذى، أما المرأة الغزاوية فلم تستطع المقاومة تأمينها لأن العدوان الغاصب لم يترك بيتا ولا مسجدا ولا مدرسة ولا مشفى إلا ودمره، مخالفا المعايير والقوانين الدولية الزائفة التي تزعم الدفاع عن حقوق الطفل وحقوق المرأة. وقد أحيت المرأة الفلسطينية المجاهدة الصابرة المحتسبة نموذج الصحابيات المجاهدات أمثال سيدتنا أم عمارة التي كانت تدافع ببسالة واستماتة إلى جانب كبار الصحابة دفاعا عن الرسول صلى الله عليه.
المحور الثالث: الدروس المستفادة في واقع الأمة المعاصر، وعلاقتها بالنصر والتمكين
1- حسن التوكل على الله تعالى شرط من شروط النصر والتمكين
علمت غزوة الأحزاب الصحابة الكرام أن التوكل عليه سبحانه دون سواه بعد الأخذ بالأسباب لدفع الباطل شرط من شروط نصر الله.
وحقيقة التوكل على الله تعالى نتعلمها من سيد المتوكلين محمد صلى الله عليه وسلم، فهو من لم يمنعه توكله على الله من الأخذ بالأسباب والتخطيط لمواجهة العدوان، إذ قبل خطة حفر الخندق وتقدم رجاله لإحكامها وإنجازها، وأخذ صلى الله عليه وسلم يحفر بيده لتعميق الخندق ويحمل الأتربة والأحجار على عاتقه، وتأسى به الرجال الكبار ممن لم يألفوا هذا العمل الشاق.
عندما يتحدث الإمام الغزالي عن حقيقة التوكل يرى أن التوحيد أصل له، وأن توحيد خاصة الخاصة ينكشف لقلوبهم أن لا فاعل إلا الله وأنه الفاعل على الانفراد دون غيره، وما سواه مسخرون لا استقلال لهم 6.
وبالرجوع إلى الآية الكريمة [55] وَعَدَ ٱلله ٱلذِينَ ءَامَنواْ مِنكمۡ وَعَمِلواْ ٱلصٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنهمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيمَكنَن لَهمۡ دِينَهم ٱلذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهمۡ وَلَيبَدلَنهم منۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبدونَنِي لَا يشۡرِكونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأوْلَٰٓئِكَ هم ٱلۡفَٰسِقونَ، نجد أنها تصف المؤمنين الذين وعدهم الله النصر والاستخلاف في الأرض، بتوحيد الله وعدم الشرك به، ومن مظاهر التوحيد الثقة في الله والتوكل عليه دون سواه، والتجرد من الحول والقوة والاعتراف الدائم بفضله وتوفيقه، وهذه المعاني الإيمانية والإحسانية كانت تتصاعد بها أنفاس الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب، فها هو صلى الله عليه وسلم في أصعب الظروف وأثقل الأعمال يذكر الصحابة الكرام عند الحفر بأسمى معاني التوحيد والتوكل على الله تعالى والتضرع إليه سبحانه، ويمد صوته بشعر عبد الله بن رواحة وهو ينقل التراب حتى اغبر بطنه يقول 7:
اللهُمَّ لَولا أنتَ ما اهتَدَينا
ولا تَصَدَّقنا ولا صَلَّينا
فأنزِلَن سَكينةً علينا
وثَبِّتِ الأقدامَ إن لاقَينا
إنَّ الأُلى قد بَغَوا علينا
وإن أرادوا فِتنةً أبينا
هكذا كان توكل الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم مقرونا بالجهد البشري المنظم والمخطط والعمل الدؤوب الذي لا يتوقف، وعلى نهجه سار المجاهدون الصادقون الذين حملوا اللواء المحمدي في غزة، وكانت سيرته ومواقفه حاضرة في أذهانهم يسترشدون بها في كل خطوة خطوة، لذلك لم تنل من عزائمهم الابتلاءات، ولم تضعف شوكتهم التحالفات، يقول شهيد طوفان الأقصى المجاهد محمد زكي حمد: “كنت قد مررت على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وطالعتها أكثر من مرة، وصلت إلى حادثة الهجرة وجاءت جولة طوفان الأقصى فكنت أرى السيرة في كل مشهد وفي كل موطن… والهدف هو أن نعلم أن السيرة مثمرة ومستمرة ومتحركة معنا، وليست قصصا عابرة، بل كل أزمات الأمة لها مخرج في السيرة” 8.
تعلم المجاهدون العزل في فلسطين من السيرة النبوية، أن التوكل على الله والوقوف بين يديه قياما وتضرعا بعد الأخذ بالأسباب مخرج كل الأزمات. يقول الشهيد محمد زكي حمد نفسه: “كنا نعيش في الأنفاق ليلا ونهارا، ولا نرى الشمس والدنيا إلا قليلا، وكما أخبرتكم سابقا، الأنفاق ليست فنادق، ولا حتى بيوت، الأنفاق كالمقابر، ولكنه الدين والواجب ورضى الله الذي يهون في سبيله كل شيء، والجنة التي لا تُدرك بالنعيم في الدنيا، بل لا بد من هجر الراحة وامتطاء أسنة التعب لبلوغ الغايات.
أصيب أحد الإخوة في الأنفاق أثناء الحفر والترميم، فذهبت لأطمئن عليه في وقت متأخر من الليل، فزرته وواسيته، ثم وأنا عائد من النفق إلى العدة القتالية، رأيت أحد قيادات المجاهدين يصلي في ممر النفق قيام الليل، فصليت معه، فكان يقرأ الفاتحة بصوت خاشع، ثم تلا بعض آيات القرآن، ثم دعا وأنا أؤمن على دعائه، وهذا الرجل من أكثر الرجال صرامة وحزما، لكن مقام التهجد مقام تذلل وخضوع بين يدي الله، فسمعته يدعو وحفظت دعاءه، قال: «يا رب من أجل الأحجار والأطيار والأشجار ، يا رب من أجل الحفاظ والقراء والعلماء، يا رب من أجل المحاريب والمآذن والمساجد، يا رب من لهذه الترسانة إلا أنت، يا رب لا تخيب رجاءنا، يا رب أمرتنا فأطعنا وعاهدنا، وأمرتنا بالثبات فثبتنا، يا رب سدد رمينا واحفظ من تبقى من رجالنا، يا رب حملتنا كثيرا فخفف عنا»، لا تكاد تغيب هذه الكلمات عن بالي والله!
أصحاب التهجد والانكسار بين يدي الله هم الذين يفتح الله عليهم، وهم أهل المقامات العالية المحمودة” 9.
2- بناء الإرادة الجماعية الفاعلة: عاطفة وعملا
ذكر ابن هشام رحمه الله في معرض الحديث عن البركات التي حدثت في غزوة الأحزاب، بركة الشاة الضعيفة لجابر بن عبد الله التي دعا الرسول صلى الله عليه وسلم عليها، وكان يريد أن ينصرف معه وحده إلى منزله، فلما قال لرسول الله ذلك قال: نعم، ثم أمر صارخا فصرخ أن انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت جابر بن عبد الله، فقال جابر: إنا لله وإنا إليه راجعون، قال: فأقبل الرسول صلى الله عليه وسلم وأقبل الناس معه. قال فجلس وأخرجناها إليه، فبرك وسمى الله، ثم أكل، وتواردها الناس، كلما فرغ قوم قاموا وجاء ناس، حتى صدر أهل الخندق عنها 10. هي بركات نبوية ثابتة، ولكني أجد أن أعظم البركات -مع الزيادة في الطعام- الحرص النبوي الشديد على المجاهدين ورحمته بهم؛ إذ كان يشق عليه تعبهم وجوعهم، قال الله تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ [التوبة: 128]، فكان صلى الله عليه وسلم يحرص -كلما جاء غذاء إلى الخندق- أن يجمع عليه المجاهدين جميعا وتحضر بركته صلى الله عليه وسلم رغم قلة الطعام.
نسترشد من هذا السلوك النبوي الشريف إلى تربية الأجيال على العاطفة الجماعية والخلق الجماعي، كما نتعلم أن الروابط العاطفية الجماعية لنموذج المجتمع المسلم جوهرها البذل والإيثار وخدمة الغير لا الأنانية المستعلية، وواجب جند الله الآن وأكثر من أي وقت مضى أن تبقى هذه الروابط حية فينا يورثها الأتقياء الأنقياء للأجيال حتى يلبوا النداء أن هلموا للعمل الصالح لإنقاد أنفسكم، وقوموا لتبنوا مجتمعاتكم وتصدوا العدوان عنها…
ذكرالشيخ المودودي رحمه الله تعالى كلاما نفيسا في بناء الإرادة الجماعية: “إنه مما لا غنى لنا عنه لإحكام نظام جماعتنا والزيادة من تماسكه ونفعه، أن يكون بين أعضائنا التحاب والتوافق والتعاون، وأن يكونوا معتادين للتناصح والتواصي بينهم بالحق والصبر، إنه لا غنى عن هذه الصفات لنظام أي جماعة في الأرض، وإلا فلو تخلق كل فرد في ذاته بأعلى ما يكون من الصفات الجميلة دون أن يكونوا مرتبطين بالجماعة متخلقين بالصفات الجماعية المذكورة، فإنهم لا يستطيعون أبدا أن يقوموا في وجه الباطل ويقارعوا أهله مقارعة الند للند” 11.
ربى الرسول صلى الله عليه وسلم المجاهدين الأوائل على المحبة في الله القائمة على التناصح فيه والتواصي بالصبر والتواصي بالحق، فتحولت هذه المحبة إلى قوة اقتحامية وإرادة جهادية صنعت المعجزات في العالم. ووقوفنا على التربية النبوية للإرادة الجماعية الفاعلة في المجتمع الإسلامي الأول، يضع الصحبة في سياقها الجهادي؛ فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم أول المجاهدين وأعظمهم، رأى منه الصحابة الرجولة الكادحة في أنبل صورها، قال البراء بن عازب: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل التراب يوم الخندق حتى اغبر بطنه 12.
قام الصحابة الكرام بصحبة رسول الله بعملية ثقيلة وشاقة لم يألفوها، في أيام صعبة شداد بنفوس مطمئنة وراضية، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يزيح عنهم التعب بنغمه عندما كان يمد صوته بشعر عبد الله بن رواحة. وهذه هي أسرار الصحبة المحمدية الشريفة: تأليف للقلوب وشحذ للعزائم والهمم للجهاد في سبيل الله.
ظهرت الصورة الجهادية الصادقة أيضا في معركة طوفان الأقصى، حيث كان القادة في الميدان يجاهدون بأنفسهم بقوة وبسالة، وقدموا أبناءهم شهداء وفقدوا الأهل والديار ورابطوا في الثغور صابرين محتسبين، وذاقوا ما ذاقه المقاومون من الآلام والأحزان والتعذيب والجوع والفقد والأسر… وستظل صورة القائد البطل المجاهد الشهيد يحيى السنوار ملوحا بعصاه حتى أنفاسه الأخيرة، خالدة في تاريخ الجهاد الإسلامي، وكلمته المشهورة: “أعددنا أنفسنا لمعركة استنزاف طويلة”، تدل على الإرادة الجهادية الجماعية الصلبة التي تربي عليها المقاومة الفلسطينية أبناءها.
3- الاسترشاد بالهدي النبوي في التربية على اليقين والاستبشار بوعد الله
كان صلى الله عليه وسلم حريصا على قلوب المؤمنين من اليأس والقنوط والوهن، وبلغ ذلك منه أنه عندما أراد إرسال الصحابة ليستوثقوا من نقض بني قريظة لعهدهم، قال لهم: “انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا، فإن كان حقا فألحنوا لي لحنا أعرفه، ولا تفتوا في أعضاد الناس (أي ما يكسر قوتهم)، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس”… فلما عاد الصحابة بخبر الغدر، أخفى صلى الله عليه وسلم مظاهر القلق وتغلب عليها وصاح مكبرا: “الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين” 13.
وذكر ابن اسحاق أن سيدنا أبا هريرة عندما فتحت الأمصار في زمان عمر وعثمان رضي الله عنهما كما بشر بها الرسول صلى عليه وسلم عند حفر الخندق كان يقول: “افتتحوا ما بدا لكم فوالذي نفس أبي هريرة بيده ما افتتحت من مدينة ولا تفتتحونها إلى يوم القيامة إلا وقد أتى الله سبحانه محمد صلى الله عليه وسلم مفاتيحها قبل ذلك 14.
لقد تشرب الصحابة الكرام اليقين في موعود الله تعالى من قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وورثوه لمن جاء بعدهم جيلا بعد جيل، ولولا اليقين في موعود الله تعالى ما قوي المجاهدون في معركة طوفان الأقصى على الثبات والصمود ومواصلة الجهاد أمام ترسانة عسكرية قوية تهابها أعتى جيوش الأرض. لقد كان اليقين في الله أقوى سلاح يشحذ به المجاهدون هممهم حين تهاوت بهم الأسباب واشتدت عليهم الأحزان.
[2] السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، دار الجيل بيروت، الجزء 3، طبعة 1991/1411، ص171.
[3] نفسه، ص 178.
[4] الإسلام والحداثة، عبد السلام ياسين، ص 104.
[5] السيرة النبوية لابن هشام، ص186.
[6] الإحياء للغزالي، ج4، ص213.
[7] حديث صحيح أخرجه الشيخان.
[8] محمد زكي حمد، “تحت راية الطوفان.. خندق خباب”، طبعة 2025/1447، ص 153.
[9] نفسه، ص330.
[10] سيرة ابن هشام، ص175-174.
[11] تذكرة دعاة الإسلام، الترجمة العربية، ص 48.
[12] أخرجه الشيخان في صحيحهما.
[13] سيرة ابن هشام، ص179.
[14] نفسه، ص176.