عيون أمي

بين القلم والقلم تتيه الكلمات وتتلاطم الحروف وسط زحام المشاعر، كيف أرسمك؛ كيف أغنيك؛ كيف أنطقك ؟ أحاسيس تنبض بروح الحب الصادق العفيف النابض باسمك الرنان، الراقص على أوتار قلبي.
كيف أصفك يا أمي؟ وسنا نورك الساطع منك يكفيني... نور، طهر ونقاء... صبر، وجلد واحتساب... جمعت كل صفات الكمال يا أمي... وكيف لا والجنة تحت قدميك.. فهل يمكن لكاتب محترف أو شاعر محنك أن يصف الجنة؟
أمي وأنا أنظر إلى قسمات وجهك الحزينة أرى سعادتي، إنجازاتي، ونجاحاتي فكل عبرة نزلت كانت تسقي ورود حياتي.. وأنا أتأمل خصلات شعرك البيضاء بياض الثلج أتذكر أنوثتي عنفواني.. خصلات قطفتها وحِكْتِ بها كسوتي.. وأنا أتحسس خشونة أناملك أتذكر تعبيدك لطريقي. ذبلتِ يا أمي وأزهرتُ، تعبتِ وارتحت، سهرتِ ونمت.
وأنا أحملق في عيونك يا نبع الحنان أتذكر ملايين ألنساء، أشد الرحال بتفكيري إلى مستضعفة في الفيافي ووراء الجبال، تحارب الزمان في ساحة الوغى الضيقة من أجل قطعة خبز حافية، إدامها فلذات كبدهم ثمار زواج; دخلت غماره عن مضض; بعد أن تركها الزوج الشهم المغوار و قد أثقل كاهله عبئ الزمان.
أتذكر يا غاليتي تلك المسكينة المكلومة في سوريا وفلسطين التي حرمت من رفيق دربها، حبيب عمرها، أو من فلذات كبدها في غارة من طغيان جائر، في ليلة بدر ربيعية كانت تتقاسمها مع صغارها... أم مسلوبة الوطن، والأولاد، وحتى المشاعر ومع ذلك تجدها جبلا في صمودها نخلة في شموخها؛ لا تنال منها الريح الهيف النكباء شيئا من عزتها و كرامتها.
أتذكر مليون أم وأم ضحت وعانت من أجل الكل؛ من أجل الحب من أجل الصدق وانتهى بها المطاف، بعد ماراطون السنين، في خيرية تستجدي من يمدها بشربة ماء باردة أو من يسمع حديثها وقصصها المغوارة، التي نسجتها في حربها مع الزمان.. كل هذا لأننا في عصر سرعة ليس لأولادها وقت ليسمعوا قصصها البطولية والخرافية... وتنتهي حياتها منبوذة هناك حيث جعلت من أغصان الأشجار أصدقاء، ومن حشاش الأرض فراشا. بئس العصر الذي نعيشه...
عيونك المرهقتان بالكلالة تحكيان الكثير يا أمي تحكيان الكثير حتى دون أن تنبسي ببنت شفة.. تتكلمان وأسمع.. تصرخان وأفزع... تبكيان وأخشع.
أغمضي عينيك الجميلتين يا حبيبة قلبي؛ وسافري بخيالك إلى جنتك التي تحت قديميك، وروحي عنك نفسك شقاء الأيام ونصب السنون... وخذيني معك إلى جنة الصفاء والنقاء؛ البذل والعطاء.. فقربك عيد، وحضنك عيد، وحبك عيد، ووجودك كل العيد. متعني الله برضاك يا زهرة عمري.
وبما أن القلم مازال تائها لا يعرف كيف يخط قسمات حياتك، سأجمع أوراقي وأقلامي ويكفيني أن في قلبي منقوشة روحك. وأختم بجملتي المحبة الصادقة التي تحب أذناك أن تسمعانها: أحبك أمي، كلمات كتبتها بحبات المطر وكحل العيون وعلقت عليها تاج الهذيان والجنون لأني فعلا مدمنة بهواكِ.
والسلام.




