عيني للأقصى فداء

سئل بعد أن فقد عينه جراء الهجوم الإسرائيلي الغاشم، هل أنت نادم؟ فأجاب: كلا، وإن اقتضى الأمر أهب عيني الثانية. وقالت ثكلى بعد أن فقدت فلذة كبدها وقد بلغ مبلغ الرجال: كان يهديني في كل عيد هدية، لكن هديته في هذا العيد أغلى من سابقاتها، لقد سلم روحه للمسجد الأقصى. وقالت امرأة وهي تدافع بقوة عن بيتها الذي أراد المستوطنون سلبها إياه غصبا: لن نغادر بيوتنا إلا جثثا، نحن شعب تم اختيارنا لأننا لا نخاف ولا نهاب، وقلوبنا من حديد. وهذه الفتاة مريم تقابل اعتقالها من طرف الجندي الصهيوني بابتسامة أذلت معتقلها.
أي روح تسكن أجساد هؤلاء؟ وأي قوة إيمانية يمتلكون؟ وأي طاقة تحركهم؟
يقينا هو اختيار الله لهم بأن يولدوا وأن يعيشوا ويدافعوا عن أقدس بقاع الأرض التي بارك الله فيها وحولها، وجعلها موضوعا لآيات عدة في كتابه الكريم، وربطها ارتباطا وثيقا بخاتم الأنبياء وبها كان إماما للمرسلين عليهم صلوات الله وسلامه، فكانت الأرض المقدسة صلة وصل بين السماء والأرض، ومحط مسراه صلى الله عليه وسلم وقاعدة معراجه إلى السماوات العلا.
فالمسألة مسألة عقيدة بالأساس، وهذا ما ميز هذه الهبة عن غيرها، فالأحداث التي نعيشها اليوم اندلعت شرارتها عندما تعلق الأمر بالقدس المقدسة، وبالمسجد الأقصى أولى القبلتين، وثاني مسجد وضع في الأرض بعد المسجد الحرام، ومقصد هجرة المسلمين في آخر الزمان إلى المسيح عليه السلام. بعد أن تغول بني صهيون وعاثوا في الأرض فسادا. بمرأى ومسمع من كل العالم. فالقدس وقف إسلامي، وعاصمة الأمة الأبدية. والتعلق بها تعلق عقدي وولاء شرعي.
فبعد أن ظن البعض أن الزمن كفيل بأن ينسينا قدسنا، وأن تحل المساومة محل المقاومة، وينسخ التطبيع الخائن الممانعة المشروعة، شاء الله أن يقيض جيلا تعلم درس الكفاح من آبائه وأجداده، فأعاد القضية إلى واجهة اهتمامات الأمة؛ شبابها وشيوخها، نسائها ورجالها، ولو لم يكن من فضل لهذه الهبة سوى إحياء هذه المعاني لكفانا مؤشرا من مؤشرات النصر.
هي روح أمل جديدة منبعثة على أساس تقديس المقدسات زمانا ومكانا، أقبرت صفقة القرن، وأنهت ما يسمى بوثيقة إبراهام التي تنص على السيادة الإسرائيلية المطلقة على المسجد الأقصى بكل تفاصيله ومبانيه، ليبقى جزء منه للسياحة الدينية المشتركة بين كل الديانات، ولكن للبيت رب يحميه، وسواعد قوية تحرره. ووعد الآخرة وعد الله الذي لا يخلف الميعاد.
فالقضية الفلسطينية كانت وما تزال قضية الأمة الأولى، وهي رمز وحدتها، ومحل اجتماعها، وستبقى حاضرة في النفوس، وشاخصة في الذاكرة، وراسخة في القلوب، وواجب النصرة لها لا يرتفع على كل حال. إنها أمانة ومسؤولية، فمن لم يغز ومن لم يحدث نفسه بغزو ومن لم يجهز غازيا مات ميتة جاهلية. والخزي والعار للمطبعين من بني جلدتنا. الذين خانوا الأمة وخانوا الله ورسوله.
فاللهم ارفع قدر من رفع رؤوسنا أمام الأمم، وانصر من نصر أهلنا في القدس والمسجد الأقصى، واخذل من خذلهم. اللهم سدد رميهم، وآمن روعاتهم، واستر عوراتهم، وأنزل سكينتك عليهم، وارحم شهداءهم. برحمتك يا أرحم الراحمين.






