عندما أجد الجواب في الرواية؟!

ينتمي الإنسان بالفطرة والاكتساب إلى دوائر عدّة. دائرة الأسرة بما هي مكان طبيعي يوضع فيه منذ ولادته وُملزَم - ما لم يُفقد ذلك الإلزام طارئٌ - أن يعيش فيه ويبقى معه إلى النهاية. ودائرة المجتمع بما هي فضاء أساسي ينشأ ويتعلم فيه، إلى جانب الأسرة، لتحقيق أجمل التّمنيات وأسمى الغايات؛ التواصل، التعارف، التعلم، الاكتشاف، الإسهام في الأخذ والعطاء…الخ.
بين هاتين الدائرتين تبرز للإنسان مع مرور الوقت دوائر أخرى. تبدو له كبيرة، وهي الأساس، حينا كالمدرسة والمسجد والتلفزة والجمعية… وصغيرة، وهي المنسية أو بالأحرى المجهولة، حينا آخر كدائرة الذات والآخر وعالم الخيال والأفكار.
لا يجادل أحد في أن الإنسان يعيش بأي منطقة كان من هذا العالم، ويحقق معناه، وينتج قيمَه وقيمتَه، انطلاقا من هذه الدوائر كبيرة كانت أو صغيرة. كما لا يخفى على أحد، خصوصا أصحاب علم الاجتماع، أن هذه الدوائر تتفاعل مع بعضها، ويؤسس بعضها لبعض؛ إنتاجا وبناءً وتربية وتأثيرا.
فالأسرة نواة المجتمع، والمجتمع رَحى المدرسة والمسجد والتلفزة والجمعية، وهذه المؤسسات وغيرها كلها مختبرٌ لتشكيل وعي الذات بالآخر وفهم العالم والأفكار واستثمار الخيال.
إن إدراك قيمة الدوائر أعلاه في مجتمع من المجتمعات هو بداية البناء نحو التغيير الحقيقي. لأنه، بالتأكيد، سيفلح مجتمع له السبق في إدراك جوهرية هذه الدوائر، وله من الإرادة والجرأة والمغامرة في أن يجعلها أولى اهتماماته تخطيطا وتدبيرا ورعاية وعناية ودعما، وله من الغايات أنبلها والمقاصد أشرفها والأهداف أسماها. إنه مجتمع/بلد يؤمن حقا بمعنى الإنسان في الأرض، ومعنى التربية الأصيلة المؤطرة المبنية في المرء، ومعنى الإعلام والفن والإبداع الهادف المهذِّب للذوق، ومعنى الحرية والاستقلالية والكرامة والعدالة المحققة للعيش الكريم المشترك، والتواصل الرحيم المتماسك بين الذات والآخر، بين الفكر ونقيضه، بين رغبة تحلق في سماء الآخر ورغبة تنفتح على الجميع لكن بثبات الأصل وخطوة الأرض.
أدرك تمام الإدراك أيها القارئ العزيز، أنك تسأل سؤالا جوهريا: ماذا يريد أن يقول؟ ولأي خبر هامٍّ كتب هذه السطور؟
تذكّر عزيز القارئ، أننا (أنا وأنت) جزء لا يتجزأ من الدوائر أعلاه، ونتيجة طبيعية لها، على اختلاف نتائجها وتنوع مجالاتها. وبالتالي هذا تأمُّل، أتقاسمه معك بحب، في دوائر تنشئتنا، في واقعها ومآلها، في حالها وقيمها، في حضورنا فيها ونظرتنا إليها، في تعاملنا معها كلّنا أفرادا ومؤسسات نخبة وعامة.
لنربط ما قلناه ببلدنا. إن "المغرب" تجربة من تجارب هذا العالم. والتجارب إما ناجحة مجدية أو فاشلة غير مجدية. إمّا أن تمنح نشوة النجاح وعبق الحياة وبهجة الحرية أو تنتج استمرار الفشل وكدر الحياة وظلام القيد والأَسر. لا وجود لبين بين، شيء من هنا وشيء من هناك. فذاك موجود في الفن والطرب لا في الحياة وبناء البلد.
إن "المغرب" أرقامه كاشفة، معطياته واضحة، وواقعه المعيش من قِبل الشيب والشباب الكبار والصغار الرجال والنساء في المدارس والأحياء والمقاهي والأسواق أدلّ وأفضل شارح، أكثر من الأرقام والمعطيات نفسِها على أهمية دِلالاتها. اسأل من شئت، ممّن يحترمون المنطق ويعرفون أن المُخرجات نتيجة المقدمات، سيخبرك ضمنا أو صراحة بأن الظرف حرج والوضع ضيق، وأينما ولّيت وجهك ترى شبح البطالة وألم الرغبة المتجددة في الهجرة وضنك العيش وقَساوته ووحش المخدرات وفتكه بشباب بل وأطفال في أعمار الزهور وهلمّ جرّا من المصائب والوَيلات. بل انظر حتى لأولئك الذين يحملون "الخطاب الرسمي" في ألسنتهم ومُنتدياتهم - بحسن نية وصفاء أو بفعل مصلحة يدرّها المديح والولاء - والذي يقول: «إن المغرب جميل ورائع ومتقدم في أحسن المجالات وهو اليوم في طريق الإقلاع والنمو والصعود… ولكن هناك بعض الأمور فقط يَلْزَمُها كذا وكذا وكذا…». ستجد في كلامهم هذه الحقيقة المخفيّة؛ فالشق الأول كلُّه إطراء، أما الشق الثاني فهو مكمن الداء. ولكن! من "يُلزم" ومن "يصحح" ومن "يعيد" العقل إلى صوابه لأن يرى ويستوعب أن الطريق تحتاج إلى إرادة وحرية وإصلاح جذري لدوائر نشأتنا ومؤسسات مجتمعنا وأعمدة بناء وطننا الحقيقية؟
لاحظت في الأيام المنصرمة موجة شبابية - ويا للألم!! ويا للحسرة!! ويا للأسف الشديد!! في ظلّ القتل والتجويع والدماء شلّالٌ يسفكها مصاصو دماء ووحوش هذا الزمان في غزة الصامدة - تُقبل على المهرجانات وتحتفي بـ"قدواتها" وتتغنى بهم، وعلى رأسهم طبعا "القدوة طوطو" الراپور الأول بلا منازع في المغرب بتعبيرهم.
وبناء عليه أتساءل أسئلة مركبة، يصعب عليّ كمبتدئ فاقد للأدوات المنهجية السوسيولوجية بالأساس، أن أُجيب عنها إجابات آنية وواضحة: من هم هؤلاء الشباب؟ وقبله: من هو هذا "الراپور الأول"؟ ما طبيعة الفن الذي يحمله؟ ما وظيفته في المجتمع؟ ما رسائله؟ بل وما هي حتى متعته وذوقه وإضافاته الفنية؟
سيْلٌ من الأسئلة أضع لها حدا بــ: أليسوا نِتاج الدوائر أعلاه؟!!
تقاطعت أسئلتي بأسئلة "عبد الرحمان". عبد الرحمان هو ابن "الحاج محمد التهامي" من أبطال رواية "دفنا الماضي" للكاتب عبد الكريم غلاب. مع ملاحظة ضرورية؛ وهي أن أسئلة عبد الرحمان موجهة في إطار حكائي "تخييلي" بين القدوة لديه في مجتمعه لحظة الاستعمار وبُعيد الاستقلال والقدوة لدى الآخر/الغرب المستعمر. أما أسئلتي فهي مُوجَّهةٌ في إطار نقدي تهمُّمي بواقعي ومجتمعي إلى كلّ قارئ، وبالتحديد إلى الذين يملكون أدوات المعرفة والثقافة، ويوجدون في مواقع ومؤسسات تشكل قدوة "مجهولة" رغم محاولاتها التي تبدو أنها "ميتة" لإيصال فكرتها وجذب أنظار شبابٍ مهووسٍ بالواقع الذي لا يرتفع.
قال الراوي:
«وتوارت الأسئلة التي انطلقت في إلحاح لترسب مرة أخرى في الأعماق تاركة مكانها لسؤال جديد قوي ملحاح:
⁃ أنا؟ هل سأكون فرانسوا أم سأكون اليازغي؟
نموذجان قدما لعبد الرحمان في مبدأ الطريق. وفي كل يوم من أيام المدرسة، وفي كل درس من دروسها يطلب إليه أن يختار النموذج ليسير مترسما خطاه حتى لا يضل الطريق.
أحد النموذجين كان خيلة تنفد مع أطفال صغار فيستغيث بالنموذج الثاني ليحميه من مكرهم.
أحد النموذجين كان يحاول أن يصل إلى عقول التلاميذ وهو جالس مستريح في جلسته.
أحد النموذجين كان يقفز مع الرأي والفكرة والكلمة فيحرك عقول الأطفال بقفزاته.
أحد النموذجين كانت يداه تحت جلبابه لتصعد إحداهما وقد أمسكت في عنف بين أصبعين من أصابعها بضحية لا ترخي من تلابيبها إلا في فتحات مناخيره…
أحد النموذجين كانت أداة عمله (الطباشير) والقلم والورقة.
-أنا؟ أي نموذج سأكون؟ هل سأكون اليازغي أم سأكون فرانسوا؟
ورسب السؤال مرة أخرى في الأعماق ليترك عبد الرحمان أمام امتحان.. أمام حيرة.. أمام التيه.»1
المراجع
- 1.عبد الكريم غلاب، دفنا الماضي، ط3، مطبعة الرسالة، الرباط، الصفحة 132. ↩

