على ضفاف آيات 9.. وجاء رجل

Cover Image for على ضفاف آيات 9.. وجاء رجل
نشر بتاريخ
سعيد ضياء
سعيد ضياء

الحمد لله، والصلاة والسلام على طه حبيب الله، وعلى الآل والصحب ومن والاه.

يقول ربنا جل جلاله: وَجَآءَ مِنَ اَقْصَا اَ۬لْمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسْع۪يٰ قَالَ يَٰقَوْمِ اِ۪تَّبِعُواْ اُ۬لْمُرْسَلِينَ (19)} [سورة يس. آية:19]

ويقول كذلك: وَجَآءَ رَجُلٞ مِّنَ اَقْصَا اَ۬لْمَدِينَةِ يَسْع۪يٰ قَالَ يَٰمُوس۪يٰٓ إِنَّ اَ۬لْمَلَأَ يَاتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجِ اِنِّے لَكَ مِنَ اَ۬لنَّٰصِحِينَۖ (19)[سورة القصص. آية:19]

ليس غريبا أن يكون للآيتين معا نفس الرقم. وليس عجيبا أن تُستعمل نفس الجملة «وَجَآءَ مِنَ اَقْصَا اَ۬لْمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسْع۪يٰ» مع تقديم الفاعل في سورة القصص وتأخيره في سورة يس.

إنّه القرآن!!!

إنّه كلام ربنا!!!

إنّه البحر الزاخر الذي لا تحصى جواهره، ولا تعد درره ولآلئه.

نفس الجملة ونفس رقم الآية، إنها آية.

نفس الوضع، نفس التوقيت، نفس الخطر، نفس التهديد، نفس التوجّس، نفس الطينة من الرجال الأكابر.

«وَجَآءَ رَجُلٞ» إنها نوعية نادرة من الرجال، جنود سرّيون للحقّ، لا يكشفون عن هوياتهم إلا للضرورة الملحّة، بعضهم يعيش في قصر الفرعون، من حاشيته ورجاله، بل لعلّهم من عشيرته وآله، وبعضهم يعيش في الكهوف والأكواخ لا يؤبه بهم.

قلّة قليلة هم، قريبون على بعد، بعيدون على قرب، لا يظهرون إلا في ساعة الحسم، حين تكون الدعوة وأهلها في خطر. آنذاك فقط يجبرون على الإفصاح عن صفّهم، فيأتون منذرين أو مناصرين. في بعض الأحيان ينجون، وفي أخرى يستشهدون.

ندرة هم، لكنهم في كلّ زمان موجودون، يقظون، منتبهون، مستعدّون.    

في رحاب سورة القصص، كان سيدنا موسى عليه السلام في خطر، والأمر بقتله قد صدر.

كان داخل الأسرة الحاكمة رجل ممن تحدّثنا عنهم. نعم، هو من آل فرعون يقال له سمعان أو شمعون، لا يهمّنا اسمه بقدر ما يهمّنا صفّه وفعله.

سمع هذا الرجل الخبر، وعلم أن سيدنا موسى في خطر، فاستعجل ولم يتأخّر، وحذّر وأنذر. إِنَّ اَ۬لْمَلَأَ يَاتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجِ اِنِّے لَكَ مِنَ اَ۬لنَّٰصِحِينَۖ(19)

كان رجلا بحقّ، سابق الجند فسبقهم، لم يخف من بطش فرعون، ولم يخش سطوة هامان، لم يأبه أن تُسجّل عليه تهمة الخيانة العظمى وإفشاء أسرار الدولة ومساعدة “مجرم” على الفرار، لم يخش شيئا من كلّ هذا.

كان كلّ همّه أن ينقذ حامل مشروع التغيير، كان مستعدا أن يفدي الداعي إلى الله بنفسه.

المهمّ عنده أن تحيا الدعوة، وليمت في سبيل ذلك سمعان.

جاءت مروءة هذا الرجل الذي ينتمي إلى فرعون لتقابل خساسة ذاك الأرعن الذي ينتمي إلى سيدنا موسى. والذي بين عشية وضحاها-و عند أول نصيحة- أنكر الجميل وهتك الستر فَأَصْبَحَ فِے اِ۬لْمَدِينَةِ خَآئِفاٗ يَتَرَقَّبُ فَإِذَا اَ۬لذِے اِ۪سْتَنصَرَهُۥ بِالَامْسِ يَسْتَصْرِخُهُۥۖ قَالَ لَهُۥ مُوس۪يٰٓ إِنَّكَ لَغَوِيّٞ مُّبِينٞۖ (17) فَلَمَّآ أَنَ اَرَادَ أَنْ يَّبْطِشَ بِالذِے هُوَ عَدُوّٞ لَّهُمَا قَالَ يَٰمُوس۪يٰٓ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِے كَمَا قَتَلْتَ نَفْساَۢ بِالَامْسِۖ إِن تُرِيدُ إِلَّآ أَن تَكُونَ جَبَّاراٗ فِے اِ۬لَارْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ اَ۬لْمُصْلِحِينَۖ(18)[سورة القصص آية: 17-18]

آه، كم أفشى من كنّا نعدّهم أحبابا من أسرار!

 كم حرّفوا من حقائق وأخبار!؟

كم زوّروا!، كم غدروا!، كم فجروا!؟

وَجَآءَ مِنَ اَقْصَا اَ۬لْمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسْع۪يٰ، جاء هذا البطل القبطي من أقصى المدينة يطوي الأرض طيا، ويسابق الزمن ليفشي سرّ الفرعون، في حين من أدنى المدينة أفشى الإسرائيلي سرّ سيدنا موسى عليه السلام.

جاءت النصرة من الأعداء، وجاء الخذلان من الشيعة والأصدقاء.

وظُلمُ ذوي القربى أشد مضاضةً               على المرء من وقع الحسامِ المهنّدِ 1

جاء في لحظة الحسم، فأنقذ سيدنا موسى -عليه السلام- من موت محقّق. ونجا هو كذلك بفضل الله ومنّه.

في قصة سورة يس كان الوضع مشابها تماما، فقد كان الرسل الثلاثة في مأزق خطير، ووضع عسير. ولقد أجمع أهل القرية التي أرسلوا إليها على الفتك بهم.

في ظلّ هذه الأجواء القاتمة التي لا تبشّر بحلول الربيع، والتي آلمت قلوب الرسل الثلاثة الذين قاموا بمحاولات عدّة لدعوة الناس إلى الله لكنهم قوبلوا بالإعراض والرفض. ها هي ذي سحابة محملة بالخير والبشر والقطر تحلّ بالمكان. وَجَآءَ مِنَ اَقْصَا اَ۬لْمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسْع۪يٰ[سورة يس. آية:19]، نعم من أقصى المدينة، جاء من أطرافها، يقال له “حبيب بن مري”. رجل ليس من الأسياد، ليس له شيعة، وليس له رهط، حتى أن المفسرين ذكروا أنّه كان مجذوما، لكنّه جاء.

جاء-رغم أنه من أهل الأعذار- متحديا كل الأخطار لينصر الرسل الأطهار. حاول إقناع قومه واستمالتهم: اَ۪تَّبِعُواْ مَن لَّا يَسْـَٔلُكُمُۥٓ أَجْراٗ وَهُم مُّهْتَدُونَۖ (20) وَمَا لِيَ لَآ أَعْبُدُ اُ۬لذِے فَطَرَنِے وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَۖ (21) ءَآتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً اِنْ يُّرِدْنِ اِ۬لرَّحْمَٰنُ بِضُرّٖ لَّا تُغْنِ عَنِّے شَفَٰعَتُهُمْ شَيْـٔاٗ وَلَا يُنقِذُونِۦٓۖ (22) إِنِّيَ إِذاٗ لَّفِے ضَلَٰلٖ م مُّبِينٍۖ (23)[سورة يس. آية:20-23]. لكنّ القلوب كانت عليها أقفالها.

إنه حبيب أريب، جازف بحياته علّه ينقذ الرسل، كان يدرك خطورة الوضع لكنه مع ذلك جاء.

هذا الرجل لم يحضر تلك الجولات الدعوية التي قام بها الرسل، لم يجالسهم، لم يسمع منهم، كان بيته قاصيا، لكنّ قلبه كان دانيا، كان الجسد بعيدا وكان الفؤاد قريبا.

مسافات الأرواح مختلفة تماما عن مسافات الأشباح.

البُعد الحقيقي بُعد القلب، والقُرب قُربه. والموت الحقيقي موت القلب، والحياة حياته.

ولقد سبقت من الله الحسنى لحبيب، فكان قريبا على بعد، فحثّ السير وسارع الخطى يحدوه الأمل أن يصل قبل تنفيذ حكم الإعدام فيساند أهل الحقّ ويؤازرهم، وليكن بعد ذلك ما يكون، إما النصر وإما الشهادة.

ولقد نال الشهادة بعدما أدى الشهادة اِنِّيَ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِۖ (24)[سورة يس. آية:24]، وفاز، ورضوان ربّه حاز قِيلَ اَ۟دْخُلِ اِ۬لْجَنَّةَۖ قَالَ يَٰلَيْتَ قَوْمِے يَعْلَمُونَ (25) بِمَا غَفَرَ لِے رَبِّے وَجَعَلَنِے مِنَ اَ۬لْمُكْرَمِينَۖ(26)[سورة يس. آية:25-26].

العمر ثمن غال، يا سعد من دفعه مقابل سلعة تستحقّه.

لله درّ “حبيب” من محبّ لبيب، حتى بعدما قتلوه بتلك الطريقة البشعة –فقد قيل إنّهم رَجموه، وقيل إنّهم بأقدامهم داسوه، وقيل إنّهم حرّقوه، وقيل بل في بئر سحيقة كبكبوه- ما زال يرجو إيمانهم ويقول ليتهم يعلمون بما أنا فيه من نعيم فيؤمنون، وعن غيّهم يقلعون.

الداعية لا يكره، لا يبغض، لا ييأس، لا يمل، لا يكلّ، بل يظل حاملا الأمل ويحثّ على خير العمل.

الداعية إلى الله بحقّ تسكنه الدعوة فتصبح طعامه وشرابه ونفَسَه، حلمه ومُنيته وغايته.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وحزبه.

 


[1] البيت لطرفة بن العبد.