علمتني آية | “لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ”

Cover Image for علمتني آية | “لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ”
نشر بتاريخ

أدب رباني عال نتجاهله عمدا رغم تردد الآية على مسامعنا ونحن في عقر حزمة الأسئلة: عمن؟ وماذا؟ وكيف؟ ولماذا؟ في أمور تكاد تتجاوز الخصوصية إلى الأسرار التي لا يسمح لها بالظهور.

فماذا سنربح أو قل ماذا سنخسر إن انجذبنا إلى فضول الاطلاع على جواب أسئلتنا غير المحتشمة؟

تعال معي أتقاسم معك على استحياء ما تعلمت، رغم بضاعتي المزجاة وشدة تقصيري في التمثل بهذه الآية العظيمة.

– علمتني أن الاطلاع على أسرار الناس البئيسة قد لا يفيد في شيء سوى أن تعيش الهم بكل تفاصيله عندما تتخيل فقط أنك في الجهة المقابلة التي تعيش حياتها على مضض الأوجاع وغصة الأحزان.

– علمتني أن للناس عورات يحبون سترها ودفنها في مقبرة النسيان، وأنك عندما تنبش في ذاكرة الماضي تحيي آلاما طالما حاولوا تجاوزها كرها وجعلوها طي الكتمان.

– علمتني ألا أقتحم خصوصيات الناس بدون إذن، لأن من تدخل فيما لا يعنيه سمع ما لا يرضيه.. لن ترضيه لأنها تحمل من المآسي ما يصعب على قلبك الصغير أن يحتضنها كاملة. لن ترضيه لأنها ستحرجه ولن يجد لها حلا في الوقت الذي سيظن من سألته أنك جئت لتنقده من عتمة ليله البهيم.

– علمتني أنه من الأدب الحفاظ على الحياء عوض كشف المستور، فبعض أسرار البيوت مقدسة لا يصح تقاسمها مع الآخرين مهما ظهر ورعهم لأن القلوب متقلبة ولا ثقة فيها ولا أمان.

– علمتني أن الإلحاح في معرفة المستور يفقد الإنسان هيبته ويفضحه على رؤوس الأشهاد، فدع السر لصاحب السر، واستر طالما ستره الستار الملك الديان.

– علمتني أن المعني بالأمر قد يكشف لك عن أمر ويحتفظ ببعض البقايا حفظا لود ووفاء بعهد، فلا تلزمه أن يطلعك على خبايا ليست من حقك، فإن بعض الأبواب حتى وإن أغلقت تستحي أن تمحو منها كل جميل.

– علمتني أن الوفاء عملة صعبة، وأن اللسان بواب لا يصلح للحراسة إن أطلقت له العنان، وأن حق الأغيار كتمان الأسرار.

– علمتني أن الدخول إلى قلوب الناس يحتاج إلى مفاتيح غير قابلة للصدأ، حتى إذا ما استمعت إلى حكايات مثقلة بالهم تحملت وحملت، وأبدلت السواد نورا، وأخرجت الهم من رحم المعاناة، وصيرته فرحا كاملا بلا نقصان.

– علمتني أن أسعى إلى تحقيق سلام داخلي يجبرني على حسن الدعاء لمن أحب، وعلى الاكتفاء بالله صاحبا في سفر الروح، وهي المشتاقة إلى الدخول في محراب مناجاته والجلوس في حضرة أنسه بعيدا عن ضوضاء الأغيار من بني الإنسان.

– علمتني أيضا أن للناس أسرارا عجيبة مع الله، فإن اطلعت عليها  كشفت عن سوأة قلبي وضعف همتي وخسة معدني، في الوقت الذي يفوزون به بالوصال تلو الوصال، ويرتفع منهم الأنين في صمت الليل يكابدون الأشواق وقد فتتت الأكباد ولسان حالهم يقول: هذا ليل المحبين قد أرخى سدوله على أحبابك المشغولين بك يا الله، المحفوفين بأنوار تجليك، يريدون وجهك لا يبغون عنك حولا.

هذا مما علمتني هذه الآية الكريمة، ولعلها علمتكم زيادة فضل وبركة وصل وحسن بيان.