عاشوراء ليست ذكرى عابرة، بل هي محطة إيمانية عظيمة تزخر بالعظات والعبر التي تستحق الوقوف عندها. إنها مسيرة بدأت بيقين امرأة مؤمنة، وانتهت بنصر أمة كاملة، وبين البداية والنهاية تتجلى سنن الله تعالى في عباده.
ولعل أول ما يلفت النظر في هذه المسيرة أن الله تعالى جعل بدايتها على يدي امرأة؛ أمّ مؤمنة لم يكن معها جيش ولا سلطان، وإنما كان معها قلب امتلأ يقينًا بالله. فكان تسليمها ولدها لربها، وهي تلقيه في اليم امتثالًا لأمر الله تعالى، أول لبنة في مشروع تحرير بني إسرائيل من الظلم. وكأن الله سبحانه يعلمنا أن المرأة المؤمنة ليست على هامش صناعة التاريخ، بل قد تكون بإيمانها وصبرها ويقينها بدايةً لتحولات عظيمة تمتد آثارها عبر الأجيال.
ثم كان ذلك الرضيع هو موسى عليه السلام، الذي نشأ في قصر فرعون، وتربى تحت نظر عدوه، قبل أن يمر بمحطات من الابتلاء والتربية والإعداد. وكان زاده في كل تلك المراحل ذلك اليقين الذي بدأ مع دعاء أمه وتسليمها أمرها لله تعالى، حتى بلغ هذا اليقين ذروته في اللحظة الفاصلة؛ البحر أمامه، وفرعون وجنوده من خلفه بما أوتوا من قوة وجبروت، والأسباب المادية كلها توحي باستحالة النجاة.
وفي تلك اللحظة التي بلغت فيها أسباب الضعف منتهاها، تجلت معية الله تعالى وقدرته، فأمر موسى أن يضرب البحر بعصاه، فانفلق، وسلك فيه طريقًا يبسًا، فكانت آية عظيمة من آيات الله، تؤكد أن النصر لا يُقاس بحسابات البشر، وإنما بصدق التوكل على الله بعد استفراغ الوسع في الأخذ بالأسباب.
فاليقين بالله ليس استسلامًا للعجز، ولا تواكلًا يبرر ترك العمل، وإنما هو صفاء قلبٍ امتلأ ثقةً بالله، تقترن به إرادة صادقة، وعمل دؤوب، وجهاد وصبر وثبات. فإذا اجتمع يقين القلب مع حركة الجوارح في طاعة الله، جاءت معية الله عز وجل وتأييده، وتهيأت أسباب النصر من حيث لا يحتسب العباد، وربما خرق الله لعباده المؤمنين ما اعتاده الناس من سنن الكون، كما شق البحر لموسى عليه السلام، لأن رب السنن هو القادر على أن يجريها أو يخرقها متى شاء وحيث شاء.
فسبحان من شق البحر لموسى عليه السلام، وأغرق فرعون وجنوده الظالمين، وأبقى جسد فرعون آيةً لكل متكبر جبار، وليظل ذلك المشهد بلسمًا لكل مؤمن موقن بوعد الله، ثابت على طريق الحق، آخذ بالأسباب، مجاهد في دفع الظلم ونصرة المظلوم، منتظرًا وعد الله الذي لا يتخلف.
إن هذه المعاني ليست قصة نرويها كل عام، بل هي دروس خالدة ينبغي أن تبقى حية في قلوبنا؛ فالنصر يبدأ من يقين امرأة، وينمو بالتربية والإعداد، ويكتمل بالعمل والجهاد والصبر، ثم يأتي تأييد الله سبحانه وتعالى في الوقت الذي يقدره بحكمته. وفي ذلك عبرة لكل من أراد أن يعتبر، ولكل من أيقن أن الله عز وجل لا يخذل من صدق معه قلبًا، وأخلص له عملًا، وجاهد في سبيل إقامة الحق، فإن وعد الله حق، وهو سبحانه لا يخلف الميعاد.