مع اشتداد الأحداث، وتلاحق الأخبار كأمواجٍ متكسرة على شاطئ القلوب، قد يخال للبعض أن الأمور انفلتت، وأن زمام الدنيا صار في أيدي المتصارعين.
غير أن القلب المؤمن يرى ما وراء الضجيج، يرى يدًا خفية تدبر، وحكمةً عليا تنسج خيوط القدر في صمتٍ عجيب.
يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21].
هي حقيقة مطمئنة، ثابتة كثبات السماء فوقنا؛ فمهما تعاظمت قوى البشر، فهم ماضون في حدود ما أذن الله به، لا يتقدمون خطوةً ولا يتأخرون إلا بقدر. قد يملكون الأسباب، لكن النتائج عند رب الأسباب.
وحين يترسّخ هذا اليقين في القلب، تهدأ العاصفة في الداخل، ولو اشتدت في الخارج. فالأخبار العاجلة لا تعصف بروحٍ تعلم أن المدبّر هو الله، وأن ما يجري ليس فوضى عمياء، بل امتحانٌ يمحّص الإيمان ويصقل الأرواح.
وقد أوصى النبي ﷺ عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – بكلماتٍ لو استقرت في القلوب لنامت مطمئنة: “واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك” من حديث أخرجه الترمذي (2516)، وأحمد (2669)..
إن الطغاة، مهما بلغوا، ليسوا خارج سلطان الله ولا فوق عدله. والمحن، مهما طالت، ليست عبثًا في سجلّ الأيام، بل مراحل في مسيرٍ يقوده الحكيم الخبير.
تذكّر كيف أخرج الله يوسف (عليه السلام) من ضيق السجن إلى سعة الملك، وكيف شق البحر لموسى (عليه السلام) حين ضاقت السبل، وكيف يجعل من قلب العسر يسراً خفياً يتسلّل في اللحظة التي نظن فيها أن كل شيء قد انتهى.
فلا تدع زحام الأخبار يزاحم ثقتك بربك، ولا تسمح للقلق أن يسرق منك سكينةً وهبها الله لمن أحسن الظن به.
فوّض أمرك لمن بيده ملكوت كل شيء، واستودع قلبك عنده، وقل في يقين: حسبنا الله ونعم الوكيل. فإن الحق، وإن طال صبره، لا يموت، وإن مع العسر يسراً، بل يسرَيْن يَسْرِيان معه، في خفاءٍ رحيم.