لم يكن صاحب كتاب “الإسلام بين الدعوة والدولة” يكتب ليثري المكتبة العربية بجديد الإصدارات، ولا بالذي يشتهي الحصول على مكان في الصالونات، ولا بالذي يكتب تحت الطلب ليحصل على الدريهمات. وإنّما كانت كتاباته آهات وأنّات من محبّ لأمته، متألّم لما آلت إليه من ذلّ ومهانة، بعد عزّ وإمامة.
كانت كتاباته بسمة في عالم عبست وجوه ساكنيه من كثرة الظلم والاستبداد، ولمسة حانية في بلد آلمت أهلَه سياط الجور والفساد، ومصباح نور في أمّة أظلمت سماؤها وسُدّ أفقها لما هجمت عليها أفكار اللائكية والإلحاد، وفسحة أمل في واقع مرير حكم فيه على الإسلام بالطرد والإبعاد.
كلّ ما كتبه الرجل رحمه الله تعالى طيلة حياته كان كما لو كان يلقي على مسامع النّاس خطبة واحدة حرّة لم تخضع لرقابة المفسدين، ولا وجّهتها أيدي العابثين بالدين.
خطبة واحدة امتدّت مذ كتب تحت عنوان كتابه الإسلام بين الدعوة والدولة «المنهاج النبوي لتغيير الإنسان» إلى أن واريناه التراب في جنازته المهيبة وهو يحمل معه همّه وحسرته في قلبه إلى قبره كما حملها شهيد سورة يس.
خطبة واحدة مدّتها العمر كلّه، موضوعها دلالة العبد على ربّه، وعنوانها «تغيير الإنسان تغييرا إسلاميا على المنهاج النبوي» وروحها العدل والإحسان، وحُلمها دولة القرآن حيث يعبد الرحمان ويعزّ الإنسان ولا يهان.
فكلّ ما ندّ عن الرجل من مكتوب كان يفتل في أمر واحد، حقيقة واحدة، موضوع جوهري؛ من أنت يا فلان؟ وإلى أين المسير؟ أعندك خبر عن الآخرة والمصير؟ ألك حاجة إلى ربّك السميع البصير؟
ومن يتأمّل هذه الإصدارات العظيمة، وهذه الكتب القيّمة للإمام، يفهم بأن الرجل لم يكن يكتب، إنّما كان ينزف. فكلّ كلمة كتبها هي واحدة من بنات قلبه يخطّها بدمه ولحمه وعظمه، ويحيي معانيها بروحه وفؤاده.
وهو في خطبته الطويلة الرائعة هاته، استعمل كأيّ خطيب مفوّه أساليب البلاغة وفنون البيان، مجتبيا من الكلمات أرقاها، ومن الألفاظ أسماها، ومن المعاني أرقّها، ومن الإشارات أدقّها. حتى إنّك وأنت تقرأ للرجل رحمه الله تعالى إن حدّثك عن البحر كاد أن يصيبك البلل، وإن حدّثك عن الحلاوة تذوقت العسل.
يضرب لك من الأمثال ما عزّ عن المثال؛ فالعقل المبحر في عالم المادّة المحجوب – بما فُتح عليه من أبواب كلّ شيء – عن رؤية حقائق الغيب، خفّاش. والنواظم الثلاث الضابطة للجماعة المؤمنة، لحم الجسد ودمه وعظمه وعقله. والحجاج بن يوسف الثقفي الطاغية مقارنة بملة الظلم الأوروبية الأمريكية الصهيونية المتعلمة المثقفة الفيلسوفة المتحضّرة اليوم، ضفدع حقير. وتساقط الأنظمة المستبدّة يوم الطوفان الشعبي هو كتساقط الفاكهة العفنة عند هبوب الأعاصير.
استعمل الإمام رحمه الله تعالى أساليب عدّة في كتاباته، فسرد تارة، وحاجّ تارة، وحاور وناظر، واستدل بالنصوص الطويلة خارقا المنهجية الأكاديمية متعمّدا أن يُهدي قرّاءه من عيون البلاغة وأزاهر البيان قائلا: “لست من قيس ولا قيس مِنِي”.
وحتى يعطي لخطبة عمره هذه جمالية أكثر، ويلطّف الأجواء بينه وبين المستمعين، لجأ إلى الشعر الموزون مرّة بعد مرّة. ولعلّك إن رمت أن ترى بهاء لوحته الفنّية هاته التي استغرقت أربعين سنة من عمل الليل والنهار، فانظر إلى عدد دواوينه الشعرية بين عدد مؤلفاته، تجدها كعدد أبيات الشعر في خطبة منبرية بديعة.
هكذا هو سيدي عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى مجدّد كامل؛ مجدّد للدين، للفهم، للفكر، للسياسة، للفقه، للمناهج، ومجدّد للكتابة أيضا، نثرا وشعرا، أسلوبا وبلاغة وبيانا.
والحقيقة أنّ الرجل كان يتألم على حال الأمّة وما آلت إليه من ذلّ وهوان، ورضوخ وامتهان، لمّا فرطت في لبّ دينها وهجرت القرآن… يتألم لحال فلسطين والعراق وسوريا وأفغانستان… ويتألم لغفلة النّاس عن ربّهم الكريم المنّان، فتنطلق الحسرات نحو الصفحات، وتُكتب الزفرات على الورقات. وهاك تسمع:
“يا حسرتا على عروبة تخرب الإسلام ولم تكن العروبة شيئا يذكر لولا الإسلام!” 1.
“ويا حسرتا على من يستخفّ بكلام الرجال، يفنون عمرهم في تحقيق الطريق ليُدْلوا لك بشهادتهم ويقدموا لك النصح الخالص على طبق! يا حسرتا على من لم يسمع! ويا حسرتا على من لم يذق! ويا حسرتا على من لم يشمَّ حتى الرائحة لأنه استغشى ثيابه لـمّا جاءته كلمة النصح، وجدها مُرة” 2.
“الغافلون عن الله من المنتمين للإسلام حاموا حول الوِرْدِ وما وردوا، وكانوا كمن جِيءَ به إلى المرعى الخصيب فشرَدَ إلى السراب. من يعزّيهم في مصابهم؟ بل من يعزي الأمة في مصابها بهم؟ من يصفي شراب الأمة الذي يقدمونه في كتبهم ومحاضراتهم ومهاتراتهم مشوبا مقلوبا؟ من يشفي مريضنا في بيت الدعوة والأطباء كثُروا فما وجدوا يدا تُسعف؟ من يصافي ومن يعافي؟ الأطباء بارزون في العَراء، ضاحون في الخلاء والمَلاء، مدحورون أو داحرون في الجَدل والمِراء!
وا مصيبتاه! وا حزناه! وا إسلاماه! وا إيماناه! وا إحساناه! وا ديناه! وا محمداه!” 3.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وحزبه.