صورة المرأة بين التكريم والتبضيع

Cover Image for صورة المرأة  بين  التكريم والتبضيع
نشر بتاريخ
مومنات نت
مومنات نت

لقد كرم الله تعالى المرأة بين الناس تكريما خاصا، وجعل لها مكانة متميزة بما وهبها من فضائل جمة، وهبات طيبة. ولا ريب في ذلك فهي بعد تربيتها والاعتناء بها ذات أثر كبير في حياة البشرية الفردية والجماعية، تفعل الفعل الكبير في المجتمع، وتحمل الخير كله للزوج والأبناء والقريب والبعيد، وتساهم بما هيئت له في بناء الأمة وتحريك عجلة التغيير.

وقد نظرت المجتمعات الإنسانية إلى المرأة نظرات متباينة تحكمت فيها عوامل كثيرة تاريخية واجتماعية وثقافية وسياسة ودينية، فتأرجحت صورتها بين التكريم والتشريف باعتبار مكانتها وقيمتها التربوية والنفسية والاجتماعية، وبين التبضيع أي اعتبارها بضاعة تستهلكها الأعين والأنظار وتخترقها النفوس الجائعة، وتترقبها الشهوات والمطامع السافلة.

مظاهر تكريم المرأة:

يتخذ تكريم المرأة في ديننا الإسلامي الحنيف، وقد قدر المرأة حق التقدير، مظاهر كثيرة نيرة ومنيرة منها:

1- إسناد الرجل

هي في العبارة المتداولة نصف المجتمع، بل هي في واقع الأمر المجتمع كله. وقد سخرها الله بما وهبها من صفات طيبة وخصال حسنة، من تودد وحنان ولطف ورفق، لتكون نعم السند للرجل تقف بجانبه وتحمل عنه وتوسّع. تنظر إليه نظرة الأم لوليدها وتسعى في درب الحياة الشاق بما تمتلكه من طب أثير تنفق من صيدلية المحبة الإنفاق الواسع لتنشئ بيت السعادة المنشود. والسعادة الأخروية لا يحتكرها من يدعيها من المترهبين. هاهم أولاء عباد الرحمان مستقرين أزواجا في أسرتهم مع ذرياتهم. من فضائلهم الحميدة وأخلاقهم المجيدة وعباداتهم الرشيدة أنهم يدعون ربهم هنا في الدنيا )يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما 1 .يقوله الزوج الرجل وتقولها الزوج المرأة. والذرية الصالحة والوُد بين الزوجين سعادة تبدأ من هنا في الدنيا قرةَ عين. قرة العين غاية السرور. والذي يفرح له المومن وتفرح المومنة فوق كل شيء الاطمئنان إلى أنهما وذريتهما سائران في طريق السعادة الأخروية) 2 .

وما نيل هذه السعادة إلا بالصبر والمجاهدة والاقتحام، ونتأمل هنا طريق السعادة التي يسلكها المتقون عباد الرحمان. إنها طريق شاقة. إنها عقبة. إنها امتحان وابتلاء. إنها بكل المعنى الثقيل ثقلا بليغا لكلمة “صبر”. إنها مسؤولية. إنها قوة. إنها إرادة. إنها اقتحام. وكلمة اقتحام تحمل معاني جِساماً… والأخت الصالحة مدعوة لكسب الفضائل ومقاومة الرذائل وامتلاك القوة الإيمانية الإرادية لتَرقَى صعُدا في معارج الكمال الروحي والكمال العلمي والكمال الخلقي والكمال الجهادي) 3 .

ولنا في سيرة النساء عبر التاريخ نماذج ناصعة لهذا الإسناد اللطيف للزوج والأبناء والدعوة، ومن أرقاها مثلا سند أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والتي أنفقت من جهدها ومالها ووسعها ووقوفها ما خففت به عن زوجها وما بنت به صرح دين الله الحنيف.

2- تربية الأبناء

تربية الأبناء من الأعمال الصعبة الصلبة في دنيا الناس وعلاقاتهم المتغيرة، وكانت ولا تزال للمرأة تلك المكانة البارزة في تنشئة الأبناء وتربيتهم على الخصال الحميدة والمثل العليا والمعاني الفاضلة. فمن حضنها الدافئ تخرج الصالحون المصلحون والراشدون المرشدون والرائدون المسعدون، تخرج من كنفها المهندس الباني والطبيب الناصح والفلاح النافع والعالم المرشد… وتخرجت من بيتها الأم الودود والأخت الرؤوف والطبيبة اللبيبة والمعلمة الحكيمة…

وتربية الأبناء من أم تربت على الإيمان بالله ورسوله وما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى خصال الخير، عملية ترتقي بها نفس الإنسان وتسمو في دنيا التقلبات والتحولات السريعة الضارة المضرة بالنفوس والعقول والمضللة للأرواح والمشاعر. والأم المربية المصلحة عماد الأسرة) 4 .

وقد جعلها الإمام المجدد رحمه الله سلسلة منتظمة للتربية تضطلع بها الأم المؤمنة الصالحة فقال: سلسلناها تربيةً من محضَن نشأت فيه المومنة، فزواجٍ فأمومة يتفيّأ ظلالها الوَلَدُ الصالح لينبعث إلى مدرسة تحصنها الأمهات، ومنها إلى اندماج في المجتمع فجهاد) 5 . فهي تربية مستقبلية وعلومية وقرآنية تربية خلق جديد حكيمة وواقية. وعلى المهتمات العودة إلى كتاب تنوير المؤمنات للإمام المجدد رحمه الله ففيه تفصيل ما ذكرناه والله الموفق من يشاء للرشاد.

3- بناء الأمة

يمتد أثر المرأة الطيب ليشمل الجماعة المسلمة تهيئ للأمة أعمدة البناء وتبدأ بأسباب التفوق والنجاح وتحيي فيها بواعث التجدد والانطلاق خدمة وبذلا وتضحية، عملا وكسبا، يقينا واحتسابا، فترقى للأمة الإسلامية وبها الحياة وتعلو لها الشؤون، وتواصل لها العطايا والمكرمات، وتتنمو بها الأمم في الدنيا والآخرة. والبناء من أساس وعلى أساس عملية شاقة، عملية ميدانية، عملية متابعة الماء من نبعه لكيلا يتكدر، عملية تركيب العناصر لكيلا تختلط خلطا عشوائيا، عملية تعهد النفوس والجسوم، عملية معالجة الواقع بصبر من لا يرى المثالَ في متناوَل اليد بمُجَرَّد أن كتب في الصحف: قامت الدولة الإسلامية، ونجحت الثورة الإسلامية، ونُصّبَت الحكومة الإسلامية. ما البناءُ رقدةٌ بعد صحوة. وشعار وحماس. البناء ما ساهمتِ به أنتِ من وقتِك وصبرك وجهادكِ، ثم ساهمتِ، ثم صبرت، ثم جاهدتِ. تذوقين بعد ذلك لا قبله طعم النجاح. )ليس على الذين آمنوا وعملوا الصَالحات جُناح فيما طَعِموا إذا ما اتقوْا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا. والله يحب المحسنين 6 . 7 .

أقوى ما تَسْتقوِي به الأمة متانة بناء الأسرة. والمتانة أمومة مَصُونةٌ مستقرة في بيتٍ مدرسةٍ. أهم ما نُعِد لهم من قُوَّة أمومة مبرورةٌ بَرّةٌ مربية، تصنع مستقبل العزة للأمة. جهاد المومنة وحيثيَّتُها في سجل كرامة الإيمان أن تنجب مجاهدين ومجاهدات أقوياء ) 8 .

مظاهر تبضيع المرأة

يتجلى اتخاذ المرأة كبضاعة للاستهلاك والتسويق، وكأداة للفساد والإفساد في كثير من المظاهر منها:

1 – الدعاية

أضحت المرأة في زمن التحضر المزعوم آلة للتسويق التجاري والاقتصادي والإعلامي والجنسي. ووسيلة لجلب المستهلك والتأثير في قراراته. فتاهت بذلك عن رسالتها وتجردت من إنسانيتها، واستحوشتها النزعة البهيمية، ولم يعد لها تلك الصورة المشرقة الحية الحيية. الناصعة بكرامتها المعتزة بأنوثتها، ولم تحتفظ بالنخوة الفطرية التي ميزت المرأة العربية على قرب عهدها بالإسلام: أو تزني الحرة يا رسول الله؟ كلمة قالتها هند بنت عتبة لما وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم مبايعة. وإنه لمن الإثم والعار أن يتأول سقطتها هاته بدعوى التحرر متأولون منبوذون ومبررون مأجورون. ويعتبرون تأثيراتها السلبية المشؤومة تحضرا وتقدما وتنمية … وكل ناعق في الناس يحمي سوء فعلتها ويدافع عن جريرتها. وهكذا تكون مثالا يحتذى في الإعلام والإشهار. وفي البيت والإدارة والشارع… وتتحرك بنات حواء لتشيع هذه الصورة في الشوارع والمرافق المختلفة بوزر ودون أجر في مجانية مفلسة.

والأمر في نطاق الترويج أعمق وأخطر: تُمَوَّلُ شركات الإعلام والصحافة والإذاعة، خاصة منها البصرية، من خلال ما ينفقه المنتجون الرأسماليون على الدعاية لبضائعهم. وتَعتمد -الدعاية للسلع على تحريك الشهوة الخسيسة في الإنسان. وتظهرُ على الشاشة جَوَارٍ عارياتٌ يَشْرَبْنَ البضاعَة أو يلبسنها أو يركبنها. وبهذه الوسائل تباع لعامة الناس أوراقُ القمار، وتُزَيَّنُ الخمور المُعتقة، والأشربةُ المسمومة، والبضائعُ المصبوغَة بصِباغِ “المودة”، يُؤَدِّي ثمن ذلك العامةُ المصدقون لذلك الكذب الملَوَّنِ من جُيوبهم، وصحتِهم، وأخلاقِهم. وقد أصبحت هذه الدعايةُ جُزْءاً أساسيا في دَوْلاَب الاقتصاد التبذيريِّ وحركته الجنونيَّة، حركةِ التنمية التي لا تعرف حدودا ) 9 .

بذلك تصبح المرأة عامل تهديم لا بناء، وسبب تخريب لا عطاء.

2 – النخاسة الجديد

بدا العالم وكأنه يستعيد عادات قررت منذ عهود طويلة التخلي عنها، وكان للإسلام كبير الفضل في ذلك كالاتجار في الإنسان بيعا وشراء. لكن الإنسانية وصلت في ” أرقى ” ما وصلت إليه إلى عودة الاستعباد بصور جديدة وفي مقدمتها استعباد المرأة وجعلها ملكا مشاعا للبعيد قبل القريب، فتزايد المطامع واستشراء سوقها أدخلا الإنسانية في مرحلة حالكة مظلمة أدت المرأة على الخصوص ثمنها غاليا من سمعتها، وكرامتها من فطرتها وإنسانيتها.

ويتجلى ذلك في تداول جسد المرأة في عروض الأزياء ومشاهد السينما والتلفزيون والمواقع الإباحية. لتصير أداة في سوق النخاسة الجديدة. وما يبعث على البؤس تبرير ذلك بما يتلاءم مع متطلبات العصر الحديث ومقتضياته، وبما يتماشى مع مبادئ ” الحرية المدمرة ” في عالم يفور ويثور بكل أشكال العبودية لغير الله، فلم يعد للمرأة حرمة تحترم، ولا قيمة تقدر، وهي البائعة الهوى المجاني في سوق القذارة والوضاعة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “صنفان من أهل النار لم أرَهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مُمِيلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البُخت المائلة. لا يدخلن الجنة ولا يَجدْن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا” 10 .

ويستفيد الإمام المجدد رحمه الله من هذا الحديث ما مؤداه: صنفان من أهل النار من يضربون الناس بالمقارع، ومن يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى لإمالة الرجال إليهن) 11 .

استنادا إلى ما سبق ونظرا لتلاشي صورة المرأة في واقعنا وتماهيها مع صورة المرأة الغربية في بعدها السلبي، فإن سعي المرأة اليوم لتحسين صورتها بما يرضي عنها ربها ويضمن لها سعادة الدارين، ويلحقها بالأنبياء والمرسلين والشهداء والصالحين، أضحى ضرورة شرعية ومطلبا دينيا وفرض عين يتعين عليها بموجبه اقتحام العقبات، رجاء نيل ما عند الله في الآخرة من ثواب والآخرة خير وأبقى.


[1] سورة الفرقان: 74.
[2] ياسين عبد السلام، تنوير المومنات ج1/14.
[3] ياسين عبد السلام، تنوير المومنات ج1/15.
[4] ياسين عبد السلام، تنوير المومنات ج2/220.
[5] ياسين عبد السلام، تنوير المومنات ج2/244.
[6] سورة الآية: 95.
[7] تنوير المومنات ج2/ 230-231.
[8] تنوير المومنات ج2/ 220.
[9] ياسين عبد السلام، غمامة الأمة، ص: 205.
[10] روى الإمامان أحمد ومسلم عن أبي هريرة.
[11] ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات ج1/ 152.