صناعة الحرية (28).. تكريم وتكريم

Cover Image for صناعة الحرية (28).. تكريم وتكريم
نشر بتاريخ

تكريم وتكريم…

في سنة 1985م والدولة تسعى لطمس خبر ياسين وطي صفحة دعوته، مع طي صفحة اليسار الثائر في الجامعات والأحياء الشعبية، حصل مفكر مغربي آخر مزعج للمخزن وهو عالم المستقبليات الكبير المهدي المنجرة على وسام الفنون والآداب من الخارج، وبعدها منحه الإمبراطور الياباني وسام الشمس المشرقة الوطني، عن بحث بخصوص أهمية النموذج الياباني لدول العالم الثالث (كما ترأس عدة لجان لوضع مخططات تعليمية لعدة دول أوروبية)، ونال العديد من الجوائز والأوسمة خارج بلده، لكن في المغرب لا يُلتفت إلى أمثاله من النبغاء والعباقرة والملهمين بل يُحارَبون ويُهمَّشون… ويا للأسف!

 كان الإصرار على تهميش العلماء والبحث العلمي وكل ما يمت إلى الوعي بصلة. في مقابل تشجيع ثقافة الفولكلور، ففي السنة نفسها (1985م) كرم الإعلام المغربي (وزارة الداخلية والإعلام مع ادريس البصري آنذاك) فنانة مغربية بمنحها لقب “أفضل مغنية مغربية”. ويا ليت الدولة تحتفي بالجميع وتوزع الجوائز التكريمية بالتساوي بين الجميع، يا ليتنا نجد بالموازاة معها جائزة “أفضل بحث علمي”، وجائزة “أفضل عالم مغربي”، وجائزة “أفضل اختراع تكنولوجي”، وجائزة “أفضل خطة للنهوض بالصحة”، وجائزة “أفضل منهاج لمحاربة الأمية”، وقس عليه.

ولكنهم يريدونها عوجا. ومن قديم الزمن إلى حديثه؛ “زمن الذُّلُّقراطية” 1 بتعبير المنجرة رحمه الله.

عالم المستقبليات المهدي المنجرة رحمه الله

يقول الأستاذ ياسين في حق المنجرة: “هذا رجلٌ يريدها ديمقراطية نابعة من الشعب، وآخرون يحلُمُون أن يقودوا من مواقعهم الثقافية وغرورهم النخبوي ديمقراطية يفرضونها فرضا، ويحقِنون بها الأوردةَ المجتمعية طوعا وكَرها ولَعبا بالمصطلحات والكلمات.

رجل خبيرٌ بما يجري في العالم لأنه تقلّب منذ فجر الاستقلال في مناصب دبلوماسية، منها في الأمم المتحدة. خبير بما يجري من حوله لأنه شارك وأسَّسَ وتجرع المرائر. فهو يعرف ما يقول. ومواقفه الشجاعة مَهْرٌ وسياق وبرهان على صدقه” 2. وقليل منهم أمثاله. وفي أمثاله قال المتنبي:

وَما كُلُّ مَن قالَ قَولاً وَفى.. وَلا كُلُّ مَن سيمَ خَسفاً أَبى

ومن يكُ قلبٌ كقلْبي له.. يشُق إلى العِز قلبَ التَّوى 3

ولا بد للقلب من آلةٍ 4.. ورأيٍ يُصدِّع صُمَّ الصفا 5

وانتهت مدة الحكم..

ولما انتهت مدة الحكم خرج الأستاذ من سجن “لعلو” الذي عانى فيه “من أنواع الظلم والظلام والأمراض الفتاكة ما يضيق عنه صدر الأنام، وما تُروَّض به ظهور الجياد الكرام” 6، وغادره في آخر يوم من سنة 1985م، أي يوم 31 دجنبر، وفتح بيته من جديد، وجعل من يوم الأحد موعدا أسبوعيا للقاءات عامة (مجلس الأحد)، ليستأنف مسار الدعوة وسير الجماعة التي توسعت في الحالين معا؛ حرا وسجينا.

بالإضافة إلى معاناته داخل أسوار السجن الباردة والمخيفة، كان يتتبع انتشار دعوته من برج زنزانته، وينظر بعيدا من حيث لا يتلقف خصومه مواقع نظره، ويحمل مع هذا وذاك هما ساكنا بين أضلعه يكابده ويعانيه ويبحث عمن يساعده في حمله، ألا وهو هَمُّ المستضعفين الذين استخفهم الملأ المستكبر وسرق ثروتهم وأحلامهم، فنسوا حقوقهم وفنيت أعمارهم بمكر العبيد. ويقول بهذا الصدد:

أَلاَ مِنْ مُسْعِفٍ حَوْلِي.. عَلَى أَمْرٍ أُحَاوِلُهُ؟

تَيَتَّمْ بَيْنَنَا العَدْلُ.. وَكُلُّ النَّاسِ خَاذِلُهُ

هَلُمُّوا نُنْكِر الظُّلمَا.. نُنَازِلُهُ نُقَاتِلُهُ 7.

تضاعف عدد أعضاء جماعته بخروجه وتوسعت دعوته، إذ تكثفت الزيارات لبيته بحي السلام بمدينة سلا، رغم ترويع الزائرين -منعا وتهديدا- من طرف رجال الأمن الجاثمين ليل نهار في جنبات البيت والطرقات المؤدية إليه. وتطور العمل الدعوي وشبَّ عمرو عن الطوق، فلم تفلح معه محاولات التخويف والترهيب أو طرائق المساومة والمداهنة، رغم ما ألحقته من أذى به أو بمن التحق بدعوته واقتنع بمنهجه.

وفي مقابل أسلوب التغطية والتضييق على فكر الأستاذ ونشاطه الدعوي وإشعاعه في المغرب وخارجه، تعاملت وتتعامل الدولة بسخاء مع أحزابٍ وجمعيات وهيئات صنعتها صنعا وأغدقت عليها أموالا وسخرت لها مؤسسات، لتأدية وظائف زائفة وتمويهية. لكن سرعان ما استيقظ الشباب على فساد اللعبة بأكملها، وعلم أن استصناع الأحزاب بالذمم الخربة لا يصنع سياسة ولا يصلح وضعا، لأنها ليست النائحة كالثكلى، وليس من يأكل خبزه بعرق جبينه كمن تُوضع له اللقمة ممضوغة بين فكيه.

لقد رسم “الشيخ المناضل” 8 طريقا خاصا في النضال من أجل التحرر من هيمنة ثقافة الخنوع، بل صنع ثقافة جديدة وعنوانا للشباب الذي لم تقنعه الدعوات التي استوردت إيديولوجية تربط التخلف بأصول الدين لا بتدين المسلمين، ولم تسعفه ثقافة التقليد والاستقالة في تغيير وضعه وتشريف أمته بين الأمم. كما قاوم الأستاذ أساليب الدولة ونخبتها الرسمية في التجاهل والكيد، ببصيرة الحكيم الخبير وصبر المومن الموقن وإصرار الطالب القاصد. ولم تفُت قبضة السجن في عضده، ولم تقلص ظلمة الزنزانة من شهامته، بل انقلبت المحنة منحة، واستحال العسر يسرا. وفي الموضوع حاور زنزانته التي شبهها بالواحة الظليلة قائلا:

زَنْزَانَتِـــي إِنْ ســادَ ذُعْـ .. ـرٌ حَوْلَنَـــا فلَنَـــا اصْطِبَــــارْ

زَنْزَانَتِــــي إِن غَـــيْـــرُنَـــا.. في السِّجْـــنِ يَسْكُـــنُ في قِفَـــارْ

فَــــأنَا بِــــوَاحَتِكَ ارْتَحَلْـ .. ـتُ إِلَــــى رِيــــاضٍ في ازدِهــــارْ

إِنْ غَيْــــرُنَــــا يجْتَــــرُّ نَكْـ .. ـبَتَــــهُ وَيسْبَــــحُ فِي بِحــــارْ

فَأَنَــــا عَلَى زُهْــــرِ النُّجُــــو.. مِ أجُــــرُّ أَذْيــــالَ الفَخَــــارْ

زَنْزَانَتِــــي فِيــــكِ استَنَــــا.. رَ القَلْــــبُ وابتَهَــــجَ النَّهَــــارْ

صلّــــى الإلــــه على النَّبِــــيّ.. المـُخْتَــــارِ مِنْ خَيْــــرِ الخِيَــــارْ 9

بُعيد خروجه من حبس لعلو صرح وهو موقن بأن فترة السجن كانت اختبارا لمنهجه ولصدق من معه وقدرتهم على التحمل، وبعدما رأى ثبات الأعضاء واستمرار اجتهادهم في التربية والدعوة بأن الجماعة ستنتقل من وضع إلى وضع مغاير، بقوله: “الآن تدخل سفينة الجماعة في مياه جديدة” 10، وكأن خطاًّ جديدا في العمل الإسلامي بالمغرب بدأ يتراءى أكثر ويتميز عن غيره من الخطوط، فلا هو مواجهة صماء ومغامرة عنيفة ولا هو مداهنة واستكانة خفيفة. بدأ برجل منفرد ومتفرد وتحول إلى جماعة من الرجال والنساء والشباب، بل إلى مدرسة تربوية وفكرية لها خصوصيتها وفرادتها في العالم. 


[1] المنجرة، المهدي. زمن الذلقراطية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2017م.
[2] ياسين، عبد السلام. الشورى والديمقراطية، مرجع سابق، ص 309.
[3] التوى: الهلاك.
[4] آلة القلب: العقل.
[5] المتنبي، أبو الطيب. قصيدة “ضحك كالبكاء”، ديوان المتنبي، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1403ه/1984م، ص 511.
[6] أرسلان، فتح الله. حصار رجل أم حصار دعوة، مرجع سابق، ص 71.
[7] ياسين، عبد السلام. شذرات، مرجع سابق، ص 40.
[8] لقب أطلقته توكل كرمان (ناشطة يمنية حاصلة على جائزة نوبل للسلام) على الأستاذ ياسين، منشور بموقع الجماعة (Aljamaa/net) يوم الأحد 24 مارس 2013م، وشوهد في 7 يونيو 2020م.
[9] ياسين، عبد السلام. قطوف (ديوان شعر)، مرجع سابق، قطف 632، 8/22.
[10] ياسين، عبد السلام. حوار شامل، مرجع سابق، ص 53.