عطرك الزكي يفوح في الأفق، وبشائر قدومك لها ألَق، وذكرك على الألسن يفيض بالشوق، وسدائل أنوارك تلوح بالعبق. تتزين السماوات والأرض والإنس والجن وسائر المخلوقات، وتتهيأ لاستقبال موكبك العظيم احتفاء بقدومك، وبهجة بأنوارك، وتعظيما لمقامك الكريم؛ يا رمضان، يا شهر الكرامات وسيد العطايا والهبات. يا عزيزا أتى بعد طول غياب، فلا نقول إلا ما يقال للضيف الكريم:
أشرق النور وبانا
يا رمضان المبارك لك في القلب مكانا
فيا مرحبا بمن أتانا
بعد قرابة عام من الشوق والحنين، تهب علينا نفحاتك الطيبة ونسماتك الزكية العليلة، تجوب مدارج الأرواح، وتوقظ عزائم الأنفس، وتجلي صدأ القلوب، وتغير مجاري الحياة الرتيبة بأسرارك وأنوارك التي حباك الله عز وجل بها، فلا يأتي معك ولا فيك إلا الخير والبركة.
بنورك يا رمضان يستضيء الكون ويستنير، وتتزين عوالمنا بأنوار الإيمان، وتفيض ببركة الرحمن، وتشرق الحياة وتبتهج، وتهدأ النفوس وتستريح، وتسمو الأرواح شوقا للقرب من ربها، وتتلهف القلوب توقا لنفحات الرحمة والمغفرة. وفيك يا رمضان تعلو العزائم والهمم، وبك تُشفى الأسقام والعلل. فبشرانا بقدومك يا سيد الشهور، وهنيئا لمن استقبلك بقلب سليم ونية صادقة.
ما أطيب أيامك ولياليك! وما أسعد أوقاتك ولحظاتك! وما أجمل مرورك وألطف نسائمك! وما أبهى وأفخم حضورك! يا مطهر القلوب والأرواح من الهفوات والآثام، ويا مطهر النفوس والأبدان من العلل والأسقام.
كيف للقلب ألا يفرح بقودمك المبارك، وكيف لهذه العين ألا تدمع لاستقبالك، وفيك من الكرامات والخيرات ما لا يعد ولا يحصى، وفيك أسرار وأنوار ربانية أودعها الله فيك دون غيرك. يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: “كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به”. رواه البخاري ومسلم.
شرفك الله عز وجل بنزول القرآن الكريم، وجعل فيك ليلة خيرا من ألف شهر، وميزك بالفتح والنصر، فيك خُلّدَ التاريخ، وعز الإسلام والمسلمون.
فيك يا رمضان تتضاعف الأجور، وتلين القلوب، وتستجاب الدعوات، فتنزل البركة وتنعكس نسائمها على موائد الإفطار، فتجتمع الأسر والعائلات فرحة متآلفة في جو تتجلى فيه معاني وروح الإيمان، كما تنصهر الخلافات والمشاحنات، وتموت جذور الكراهية والتفرقة التي يزرعها أعداء الدين في أمتنا.
وفيك تبتهج المساجد، وتعمر بالتائبين القائمين الذاكرين، ويسطع نور القرآن ويرتفع صداه في الأرض والسماوات، ويتكافل الناس بينهم، فهذا يبحث عن محتاج يكرمه، والآخر عن عابر سبيل يطعمه أو جار يزوره، والأخرى تتفقد أخواتها بالسؤال والدعاء والصدقة، وغيرها كثير من صور الخير والإحسان التي -لا شك- تترك في النفوس أثرا عميقا، وتستجلب أجرا وفيرا، وتستوجب رضا المولى عز وجل.
للحديث عنك يا رمضان المبارك فرحة لا تضاهيها فرحة، فكيف الحال بقدومك! فاللهم يا رب رمضان، يا رحيم يا رحمن، بلغنا صيامه وقيامه واجعلنا فيه من الفائزين.
بالأمس كنا قد ودعناك متحسرين متباكين، وحال سبيلنا يقول: ذهب رمضان وبقينا كالأيتام، وكم وددنا لو طال بقاؤك لَعملنا واجتهدنا.
فها قد عاد رمضان، ومدّنا الله بعمر جديد، وأعطانا فرصة لا تتكرر، فما سيكون حالنا وحال قلوبنا مع رمضان هذا العام؟ وما نوايانا؟ وما هممنا؟ وما عزائمنا؟ وما حظنا منه؟
لا يفوتنا أن تكون أول استعداداتنا الروحية والنفسية لاستقبال رمضان المبارك هي التوبة النصوح، والنية الصادقة المخلصة، والقلب الصافي المتصافي السليم.
ويبقى رمضان فرصة أغلى ما تكون لتزكية النفس وتهذيبها وتطهيرها من الأمراض الكامنة فيها، وترويضها على الصبر والتحمل، وتحريرها من قيود الغفلة والعادة، وإحكام لجامها عن الانقياد والانزلاق في الشهوات والملذات.
رمضان يعلمنا قيمة وقداسة الوقت؛ لذلك كان ترتيب الأولويات، وإدارة الوقت، والتخطيط المسبق، ضرورة ملحة تساعد بشكل كبير في التخلص من الفوضى والعشوائية، وتسهم في إصلاح النفس ومراقبتها، وخلق جو السكينة والهدوء.
فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.